ما أكثر صورها التي تمر بذاكرتي، ليتني أصافحها يوماً، وأمنحها العناق والتّقبيلا.
ظمآن أنا.. وهي أرضٌ تُزهرها ينابيع عذبة.
تغيب عن القلب لحظة، فينتابني القلق مثل مياه نهر ستصب في بحر متلاطم الأمواج. وحين تأتي مثل قمر يرتدي الأبيض، أو أغنية يغنيها الياسمين، وتمنحني من شموس أنوثتها أغاني الدفء والحنان، أقرأ كل لغات الغيم الآتية من رطوبة أنفاسها، وأهمس بيني وبين نفسي: "لستِ ملهمتي ولكنكِ أجمل قصيدة أرسلها لي القدر".
وجهها مليء بالعذوبة وكأنه ناي طيب اللحن، وعطرها المشاغب وحده لأحزاني سيافُ.
في كل يوم يمر، تصبحُ لنوارس الروح شاطئ وميناء.
عزيزة أعز جاءت بكل ما بها من عواطف، الشهد ينبع من وجنتيها والجمال يتلألأ في مآقيها.. يراودني أحياناً أنها ليستِ امرأة؛ وإنما ياسمينة شعرها طويل، سقاها الخالق من ينابيع تتفجر من قاسيون.
تظل جالسة لساعات بقربي، تهديني ضياء أقمار أنوثتها، وأهازيج دفء كفيها، وأريج وجهها الذي لا يستكين ويمارس الشغب، وأنا أذوب اشتياقاً للتوت الذي ينبت فوق وجنتيها، وقبل أن أهديها كل ما تعزفه أوتار القلب، تفرد جدائلها وتغني بلوعة وحنين، وأنا أستمع إليها بلوعة واشتياق، ثم أكتبها للروح أغنية حنونة، وأعزف بأصابعي على الخد والجديلة.
وتغيب بلحظة كما جاءت بلحظة، فيحن كل ما فيَّ لتلك الطفلة فيها، وأبدو مثل غريب في بلاد غريبة، وأظل أسمع صوتها وكأنه لحن يخرج من أوتار الشجن.
اهدأ يا جرح غيابها، ها هو طيفها يرفرف في ثنايا الروح ويمنحني ابتسامة عينيه، وها هو صوتها المشبع بالحنان يأتيني من بعيد، يهدهد صيحات لهفتي، ويزيد من حنيني.
في كل صباح لا أراها فيه، تكون الروح حزينة كالبنفسج، ولكني أناديها ولا أمّل، وأعزف لحناً اسمه لقاء لا فراق بعده.
أظل أكتبها وأرسمها وأناديها، حتى رائحة قهوتي تناديها، وفي الليل أترنم بصورتها وحديث عينيها، وأشتاقها بحجم الوقت الذي أمضيه بعيداً عنها.
البارحة رأيتها تمر مسرعة في المرايا، فهتف كل ما فيَّ: "مَنْ غيركِ دنيايَ وموطني، رسمتكِ ربيعاً بحُسنه، وكتبتُ في دفاتري ما أروعك". وحين اختفت: "مُدّي خُطاكِ لي وأطفئي نار الجوى، أو زوريني طيفاً في الكرى، ودعيه يواسي موجعي".
بعيدة هي ولا أعرف متى يتم التلاقي مرة أخرى، لكنها للروح شجرة ياسمين، ويتمدد تحت ظلها القلب الحزين. أتعبني هذا البعدُ، وكلما أخطو خطوة أتعثر بالشوق إليها، وفي الليالي الباردة، التي لا ينقصها سوى همساتها، وحكايات أناملها وسكر حنانها، لا أراها سوى أجمل قصة قرأتها في حياتي.
كيف أصفها لمن لا يعرفها، قلمي وحده يعرفها فهو الذي رسمها، سحرها سرمدي، ألحانها عذبة، بيضاء وترتدي الأسود، دائماً على وشك أن تبتسم، في عينيها اخضرار وفي وجنتيها ياسمين، ينظر إليها العابر فيتيه في مدائن الدهشة، ومن يصافح يدها تنبت في يده الأزهار، وبعد أن انتهى القلم من رسمها، صرتُ البيلسان وهي الجداول الخضراء.