الكِتَابُ تجربة حيّة!

بقلم: كريستيان روبي

ترجمة: د. فيصل أبو الطُّفَيْل


يستكشفُ ميشيل جوليان Michel Jullien -عند ملتقى السيرة الذاتية والمقال الأدبي- الكتابَ بوصفه شيئاً مادياً: شَكْلَهُ، واستخدامَه، والتجربةَ الحميمةَ للقراءة. يتحوّل الكاتب ميشيل جوليان، الخبيرُ بعوالم الكُتب والنّشر، في هذا المَقام إلى مُحلّلٍ للمجلدات في كيانها المادي، وإلى عالِم فينومينولوجي لظواهر قراءتها، خطوةً بخطوة، وصفحةً تلو الأخرى. ويلخِّصُ هذه التجربة في سلسلة من الملاحظات التي تكاد تُعادلُ مسار حياةٍ كاملة.

وبروح من الفكاهة، يستعيد ميشيل جوليان تلك الجولاتِ والمناوراتِ التي انخرط فيها حول الكتاب وداخله. ويمرّ، على وجه الخصوص، بجانبٍ من "رواية التكوين"، حيث يروي كيف «تحَوَّلَ» إلى القراءة بفضل أساليبَ من ابتكار محيطه ومن ابتداع طبيبة نفسية. أما عن اشتباكه مع الكتاب/الكُتُب —وبالتالي مع القراءة— فيصِفُ مراحلها بدقة متناهية: من الإمساك بها، وحملها بين اليدين، وفتحها، والتعمق فيها بالنظر الثاقب، مع الإشارة في كل لحظة إلى سمة مميزة لهذا «الشيء المادي». وباختصار، يُوضع الكِتابُ ويُشْرَحُ في قلْبِ وُجودِه/وجودِنا.

ومما لا شك فيه أن عنوان المؤلَّف: "شكْلُ الكِتاب"، يصعبُ فهمه من الوهلة الأولى. ففي الصفحة الثالثة والخمسين (53)، يعود الكاتب إلى مفهوم "الشَّكْل" هذا بصدد الحديث عن فيلم "حب" (Amour - 2012) ) للمخرج مايكل هانيكي Michael Haneke: حينها نُدْرِكُ أنّ "شكْلَ" الكتاب يُحيل على فكرة بموجبها قد يبدو فضفاضا، أو رخواً، وأحيانًا غير مريح... بالنسبة لشخصٍ يزعم أنه يقرأ وهو مستلقٍ. غير أن ذلك لا يكفي لاستنفاد المعنى العميق لهذه الكلمة.

وبالنظر إلى أن مصطلح "الشَّكْل" (format) مشتقٌّ من صيغة اسم المفعول للفعل "شكَّل" (former)، فإنه يحيل في المقام الأول -لا على "الشَّكْل" بمعناه الفلسفي- بقَدْرِ ما يُحيل على حجم الكِتاب وأبعاده. نحن نقف هنا بالأحرى إلى جانب الناشر. لكن المؤلف يدفعنا أيضاً نحو مفهومي "تنسيق/ إعداد" الكتاب، (formater) و"إخراجه".(formatage) فإذا كان الأمر يتعلق الآن بالقارئ، فإن الشَّكْل يُصبح هو ما يربطه بالتوتّر الفكري الذي تثيره القراءة.

 ولوج عالَم الكِتاب

ومن أجل إبراز المسار الذي يسْلُكه الكِتاب أمام أعين قُرّائه، ينسجُ المؤلِّفُ منذ البداية تَشبيهاً: تشبيه الكتاب بالمحارة. وهذا التشبيه في واقع الأمر أقلّ تجريداً مما قد يبدو عليه؛ إذْ يقدّم كل منهما —سواء للمستهلك أو للقارئ— غلافاً خارجياً (صدفة/غلاف) ومحتويْن داخلييْن مختلفيْن في طبيعتهما وجذّابيْن. بقي أن نبحث بعد ذلك في مدى الجاذبية التي قد يشعر بها كل فرد تجاه هذا أو ذاك.

وهنا تكْمُن نقطةُ انطلاق هذا الكِتاب؛ فقد ظلَّ بطلُه الرئيسُ لفترة طويلة متمرّدًا على القراءة. وهو يرسم لنا مراحل هذا التمرد: من الهروب والمراوغة والابتعاد، وصولاً إلى تدخُّلِ خبيرة تربوية، واستخدام ألعاب من نوافذ ورقية صغيرة لفهم الكلمات، ثم تجميعُها في جُمل، وما إلى ذلك.

وهنا تبرز وجاهةُ السؤال الضمني، في عصرٍ تتراجع فيه القراءةُ يوماً بعد يوم: فما هي الأسباب التي يمكنها، إذاً، أن تُقْنعنا بضرورة فتْح الكتب بدلاً من الاكتفاء بالنظر إليها؟ ألا يمكنها أن تكون مُجرَّدَ قِطَعٍ للزينة؟ ولماذا تُستخدم غالباً كأداةٍ لإبراز الفارق الاجتماعي بين من يملكونها ومن يتجاهلونها؟

 الكتاب بوصفه شيئاً مادياً

من المناسب، في البداية، أن نصِفَ هذا «الشيءَ المادّيَّ» الذي يُسمى كِتابا. ومع تفاوت أحجامه، فإن هذا «الشيء المسمَّى كتاباً» يتكوَّنُ من خارجٍ وداخلٍ ؛ وهو ليس بأي حال من الأحوال مُجَرّدَ صندوقٍ فارغٍ.

يمكننا إذاً أن نمْضِيَ قُدُماً فنتصدّى لمسألة القراءة في حد ذاتها، ولْنترك جانباً تلك الالتفافات التي قادت المؤلِّف، عندما كان طفلاً، إلى الإمساك بالكتب بين يديه. ما الذي أسفرتْ عنه هذه الملازَمة؟ هناك صلابةُ الشيء المادي، وملمس الورق اللطيف تحت الأصابع، وتلك الصفحات البيضاء التي تأتي في بداية الكتاب ثمّ تغدو مسودّةً بالعلامات، وأخيراً وزن المجموعة بأكملها حين نقرأ واقفين أو مستلقين.

بيْدَ أنه إذا ما توخَّيْنا مزيدا من الدِّقّة: فَكُلُّ كتابٍ يمنحنا ضيافةً من نوعٍ خاص، وتصميما طباعيا خاصًا، وتقسيماتٍ وخطوطًا متنوعة، بل وطريقةَ عرض مختلفة للصفحة اليسرى والصفحة اليمنى. وللتعليق على هذه الاختلافات، يستحضر المؤلفُ الفنانَ المعاصر "أنسيلم كيفر"، ويُبدي إعجابه الشديد بقُوَّة النصوص، وقدرتها على توليد جُملٍ لا حصر لها انطلاقاً من أبجديةٍ محدودة.

وينضاف إلى هذه العناصر المادية، الإيماءاتُ والنظراتُ: العينان اللتان تنتقلان من كلمةٍ إلى أخرى، وتعودان إلى أول السطر، والأصابعُ التي تقلب الصفحة، واليدُ التي تحمل الكتاب. وسرعان ما يدرك المرءُ أن لكل قراءةٍ محورَها الخاص: من جهة أمامية، أو من زاوية علوية، أو من زاوية سفلية، إلخ.. فالزاويةُ هنا تكتسي أهميةً بالغة، تماماً مثل المسافة الشخصية التي يحافِظ عليها القارئُ بينه وبين الكتاب.

 تعلّمات القارئ

بالطبع، لا يُغفل المؤلِّف محتوى الكتب؛ فهو يدرك تماماً ضرورة التأكيد على أهمية القراءة، بل ويؤكد أيضًا على الكيفية التي تتساند بها الكتب فيما بينها: من خلال الإحالات الداخلية، والإشارات المتبادلة، بل وبفعل مقتضيات العقل ذاته.

لكنَّ المؤلِّفَ يعود مُجدداً إلى «شكل» الكتاب؛ فإذا كانت الكتب محاطةً بنوعٍ من التقديس، فإنّ جزءاً آخر منها يقعُ في دائرة اللامبالاة. فهل يعود ذلك فقط إلى ملمس الكتاب، أو إلى الطريقة التي يجب أن نتعامل بها معه، أو إلى ضرورة تقطيع أوراقه بحسب المقاس المطلوب أحياناً؟ أو إلى ضرورة ترتيبه أولاً في مكتبة، ثم وضعه أحياناً في "صناديق الكتب" المنتشرة في الشوارع؟ حيث نرى المارة يتوقفون، يلتقطون مجلداً، يقلّبونه ظهراً لبطن، ثم يعيدونه إلى مكانه أو يأخذونه.

ليس المؤلِّف بغافلٍ عمّا يجري؛ فكما هو الحال مع المحارة التي أشرنا إليه سابقًا -وكما هو الحال مع السيارة، التي يُدخلها الكاتب في مقارنة أخرى مع الكتاب، يقترحها في مختتم مؤلَّفه- فإننا ننتهي دائماً تقريباً بفتح الكتاب والاستغراق في قراءته.

وليس ترتيبُ كتابٍ في المكتبة، بالأمر الهين؛ فكيف نرتِّبُ الكتُب؟ وهل يجب تصنيفُها؟ أم فرْزُها؟ أم نتركها تتراكم عشوائياً بحسب مصادفات وصولها؟ إن المؤلِّف على دراية تامة بالكُتّاب الذين انشغلوا بهذه الأسئلة، وهو يستحضر، على وجه الخصوص، جورج بيريك، ودون كيخوته، وبوفار وبيكوشيه، وصولاً إلى فارلام شالاموف. لقد غدا ترتيبُ الكُتُب في حد ذاته موضوعاً لمؤلَّفات بعينها، بل وحتى لمقالات نقدية! ومع ذلك، لا توجد طريقةٌ عالمية مُلزِمة في ترتيب الكُتُب.

 فن الطباعة

يقدم المؤلِّف بموازاة وفقاً للخيط الناظم لكِتابه، تأملاتٍ دقيقةً حول قواعد فن الطباعة. ويستشعر القارئ من خلال الاطلاع على هذه الصفحات خبرةً كبيرة ومعرفة عملية بمهنة الطباعة.

سوف يجد القارئُ متعةً في اكتشاف هذه القواعد التي قد لا يَفطَن دائماً لأهميتها: هل يجب أن تكون الفاصلةُ مكتوبة هي أيضاً بخطٍّ مائلٍ إذا جاءت بعد كلمةٍ مكتوبة بخطٍّ مائلٍ؟ وإلى أي مدى يجب التخلص من الفراغات الزائدة؟ وماذا نعني بـ"السطر الأرمل" -وهو السطر الأخير من فقرة ما يَظْهَرُ منفردا في أعلى الصفحة- أو "السطر اليتيم"، وهو السطر الأول من فقرة ما يَظْهَرُ منفرداً في أسفل الصفحة؟

يُختتم الكتابُ أخيراً بصفحاتٍ بديعة مخصصة لمجموعة "مكتبة لابلياد" (La Pléiade) الصادرة عن دار غاليمار؛ حيث يستذكر المؤلفُ في سياقها قصة مؤسسها... كما يستعرض القواعد التحريرية التي تحكم هذه المجموعة التي أصبحتْ رمزاً أدبياً رفيعاً.

 


◅  كريستيان روبي: دكتور في الفلسفة وأستاذ لها منذ 1975.
◅  له عدة مقالات في موقع nonfiction. ومن أحدث مؤلفاته: "صرخات في الفنون التشكيلية" (2022).

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها