في إحدى المرات التي كنتُ أقرأ فيها الفيزياء -وأتذكر أنَّه كان كتاباً جامعيَّاً رصيناً- كانتِ المصطلحاتُ التي تَزخَرُ بها المادةُ العلميةُ تترامى إلى رأسي بشَكلٍ كثيفٍ جداً؛ لا تكادُ تنتهي. وسرعان ما وجدتُ نفسي وسْط تَطْوافٍ من الأسئلةِ: هل أنا هنا من أجل تناول كومةِ رموزٍ جافة؟ هل قطَعتُ كلَّ تلك المسافة، شَغُوفاً، لأجِدَني أمام مقبرةٍ من المفاهيم، تنزَع إلى مَن يُعيد لها حيواتِها؟ ثُم هل كنتُ قادراً حقاً على بعْث تلك الأجساد - المفاهيم؟ كيف يُفتح قبرُ الذَّرَّةِ، الإلكترون، الكَمِّ، الإشعاعِ، قبرُ الموجةِ والموجة الكهرومغناطيسية، قبرُ نسبيةِ أينشتاين، قبرُ... وقبرُ... وحتى القبور التي لم تَصل إلى مناهجنا حتى الآن، وما مفاتيحُنا سوى ما دُسَّ إلينا في عَلَاقتنا الأكاديمية؟
وقتئذٍ، كانت قد مضت سنتان على الأقل، منذ أن تكوَّر الثِّقْل الأكاديمي -كما كنتُ أشعر به آنذاك- في هيئةِ شهادةٍ جامعيَّة. لقد تخرَّجتُ من الجامعة ببرنامجٍ تخصصتُ فيه دون خَيارٍ مني، لم يكن في الفيزياء بالطبع، ولا حتى في العلوم الأخرى؛ إذْ لم يكن، بعدُ، ثمَّة إدراكٌ لقيمة تلك المعارف لدي. وقد يكون سببُ ذلك أنا -الطالبَ ذا الاهتمام الضعيف- ولكن، لا أحدَ منَّا يُنكر أنَّ جميع الذين تعهدوا رعايةَ هذا العقل، مشتركون أيضاً. والمؤسساتُ التعليمية هي الموجِّهُ الأبرز في تحريك بُوصلةِ الجيل إذا ما أردنا أن نضعَ الأولوياتِ المباشرةَ للتعليم.
على أي حال، كان العَماءُ المنتشرُ، أسئلةً وعجزاً، يضَعُ حَماسيَ مكسوراً أمامي، دافعاً إيَّاي للابتعاد عن المادة التي أوشكت أن تكون ثُقْباً أسود، وتعطيلي منها. لكن، بين تلك التوقفات الكثيرة، كنتُ مُتسمِّراً أمام مصطلحٍ أجهلُ معناه تماماً، بعد أن أَلِفتُ حينها هذا الجَهْلَ وهو يعرِّفني الحدودَ، ويبصِّرني حجميَ الذريَّ في العالم! فاستعنتُ بنظام ترجمةٍ إلكترونيٍ للمصطلح: "Depletion" - كان المعنى غريباً ومُلفِتاً: "النُّضوب". إنَّنا لا نندهشُ من حضورِ هذه الكلمة في النصوص الأدبية والشعرية؛ لأنَّ لها ما يُسوِّغُ ذلك من الفصاحةِ والجرْس الإيقاعي، إنَّما الغرابةُ في نطاقِ اشتِمالها على مفهومٍ فيزيائيٍ مجرّد.
وبعد تدبُّرِ وتفكُّر، تجلَّى لذاكرتي مصطلحٌ مشابه، لشيءٍ يُدعى "منطقة الاستنزاف"، وبالطبع، لا أعرف أيَّ شيء آخر سوى الاسم - لقد كان بالفعل قَبراً!
وفكَّرتُ، إذا كان هذا المفهوم هو ذاته الذي أقف عليه، لماذا نُقل إذاً إلى العربية بهذا الاصطلاح؛ "الاستنزاف"؟ وما عَلاقةُ الدلالةِ اللغويةِ للكلمة بالمفهوم العلمي؟ وما التداعياتُ الناتجة لو كان بالإمكان قراءةُ العلوم بدءاً من اللغة؟
حتى بدأَ الطريق يشِفُّ أمامي. "النُّضوب" و"الاستنزاف"؛ ثمَّة حقلٌ دلاليٌ لغوي عام، تشترك فيه الكلمتان. فنضوبُ الماءِ: غَوْرُه، وهو ذهابه في الأرض، واستُعيرَ ذلك للمعاني؛ نضَبَ عمرُه: أي انقضى، ونضَبَ الخِصب: أي انقطعَ(1). لكنَّ معنى الانقطاع المشار إليه في الكلمة دقيقٌ؛ إذ يتراءى لنا أنَّ نضَبَ عُمرُه، أي كانت له حياةٌ يعيشها، ونضَبَ الماءُ، يعني أنَّ الأرض لم تكن تخلو من الماء، ومنه نضوبُ الخِصبِ الذي يقطع بأنَّ الجَدبَ حضرَ حديثاً. فكأنَّ "النُّضوبَ" هو انقطاعٌ بعد حضور، ونفادٌ بعد وفرة، وتلاشٍ بعد استمرار، فَلمْ يحدث الخَلاء قديماً. أما فعلُ "النَّزفِ"، الذي يُقاربه في الدلالة كثيراً، نجدُ فيه، كما في قولنا: نزْفُ الدَّمِ، أنَّ الدَّمَ بدأ بالانقطاع بعد أن كان موجوداً قبل وقت التلاشي. وهذا ما ينسجمُ مع فعل "النضوب" الذي ذكرناه آنفاً.
إلا أنَّ المُخيَّلةَ ما زالت تُخبِّئ لنا شيئاً، لتُقرِّبنا مِن شِبهِ تخصُّصٍ يَميز كلَّ كلمةٍ، فإذا كان فعلُ "النضوب" تلاشياً، بمسحةِ الاختفاء الداخلي، حيث يختفي الشيء إلى الداخل، كما قلنا في غَور الماء في الأرض، وأيضاً لأنَّ "أصل النضوب البُعد"(2) - فإنَّ "النَّزفَ" نرى فيه حركةَ الفعلِ الظاهريِّ للتلاشي، حيث ينفَدُ الشيء إلى الخارج، على العكس تماماً. وثَمَّ شيءٌ آخر: إنَّ الاصطلاحَ العلمي لم يُصَغْ على المصدر المجرّد (النَّزف)؛ بل على صيغة "استَفْعَلَ، استِفْعال"، والتي تدُلُّ على "الطلب والاستدعاء"(3)، فكأنَّ فيها إيحاءً بالديناميكا والزمن. وكان هذا ما حدث؛ لقد استُنزِفَت تلك الِمنطقةُ تدريجياً من حاملات الشحنة المتحركة التي كانت مليئةً بها، لتحِلَّ محلَّها الأيوناتُ الطارئة(4)، وانتهى الأمر. وهذا "الانتقال والتحوُّل من حالٍ إلى حالٍ"(5)، من معاني صيغة "استفعل" أيضاً. ولعلَّ مَن يَسأل هنا عن معنى "حاملاتِ الشحنة" وعن معنى "الأيونات"، وسبب التسمية، يستشعرُ جيدّاً أنَّ الأمر لا يتوقف على وضوح مفهوم واحد، بل وكذلك على الولادات الجديدة التي يزخَر بها هذا المفهوم، وهذا له وقفةٌ أخرى. ولكنَّما الأشياءُ تَرقُب مكتشِفَها - وهكذا استطعتُ أن أبعث جسداً إلى الحياة!
إنَّ هذا التفكُّرَ سابقَ الإدراكِ، والخُطى الماحِصةَ في التنقُّل بين اللغات، والتفرُّسَ بمَلَكَةِ الخيالِ، هو المشروعُ الذي ننادي به هنا. فهذا التحديدُ الهُويَّاتي الدقيقُ للمفاهيم، يجعل من اللغة أداة فاعلة لتقطيع الواقع الفيزيائي(6)، فالحضور بعد الوفرة، والتقابل والتمايز بين "النفاد الداخلي للنضوب" و"النفاد الخارجي للنزف"، أمرٌ يعجز عن توفيره المصطلح العام. ونحن كثيراً ما نُشير إلى وصْفِ "المرونةِ" في اللغة، وهذا يضَعُنا أمام سؤالِ حدودِ هذه المرونة، والكشفِ عنها، ولا سبيلَ أكثرَ طوعاً لذلك إلا بأداةٍ التفرُّس تلك. ثُم إنَّ الوصولَ إلى هذه المرونة تقويةٌ للمُدركات وإيغالٌ في الصور والرؤى. وهذا ما نَبغي أن يَصِل إلى "العقل العلمي" بكل إحاطةٍ وقوَّة. فالمناهج التعليمية، بالنسبة للمُتعلِّمين، هي مجموعة مقابر لمفاهيمَ يجب أن تُعاد لها حيواتُها، وعلى الأستاذ أن يساعد في ذلك الإحياء، بإلمامه لغةً وخيالاً.
فلو قلتَ للمُتعلِّم أنَّ "الزخم الخطي لجُسيم أو لجسم يمكن اعتباره جُسيماً، له كتلة (m)، ويتحرك بسرعة متجهة (v)، هو حاصلُ ضربِ كتلة الجسم في سرعته"(7) فغالباً ما سيبحث عن طريقةٍ مباشرةٍ لحِفظها، وهو بذلك يتصوَّر أنَّها مفهومةٌ بالنسبة له، وهذا هو الوهم الأكاديمي، لأنَّك، كأستاذ، لم تُعطه الوصلةَ لتتشاركا في عملية البعث للمفهوم. ولو بدأتَ من اللغة؛ حيث المعنى الذي نجده في قولنا: زخم المياه، أو زخم الحياة، وهو الاندفاع الشديد(8) - لكان ذلك جِذراً تأسيسياً قوياً، سرعان ما يُحرِّض الخيال في وضع صُوَرٍ ومترابطات ذهنية على هذا المفهوم. وحركةُ المخيّلة هذه التي تندمغ في إبداعية معظم عباقرة العالم، لا تستوي، قطعاً، مع الطريقة المباشرة لشرح المفهوم. وبهذا، فهو لن يتفاجأ بعد ذلك، عندما يُدرك أنَّ الفوتون له زخمٌ، رُغم أنَّه لا يمتلك كتلة(9)!
وقِس ذلك على بقية المفاهيم الأخرى. فليست اللغة هنا قالباً موروثاً، نُحيلُ إليه انطباعاتنا ومُدركاتنا، بل أُفقٌ يمكن استخدامه لقول "ما لا يوجد في الواقع"(10)، ومُنطلقٌ لفهم العلوم. والذين وضعوا الترجماتِ لهذه المفاهيم، قابلوا الدقيقَ بالدقيق. وقد لاحظنا ذلك في مثال "منطقة الاستنزاف".
يُذكَرُ أنَّ دَلتون، واضع النظرية الذرية الأولى، كان يوجِّه شديد اهتمامه نحو دراسة الغلاف الجوي، وهذا ما قاده إلى محاولة فَهْم: لماذا لا يتكثَّف بخارُ الماءِ في الهواء(11)؟ إنَّ مرورَ العقلِ على هذا التساؤل مثلَ أي جملة عادية، هو أمرٌ لا يُلام عليه المُتعلِّمُ أبداً، لأنَّ المعنى الذي وصل إليه من السؤال قصُرَ عن قدْحِ حركةِ الفضول لديه. ولذا ستكون الفكرةُ المُعطاة مجرَّدَ وسيلةٍ لاجتيازِ الاختبار القادم، بدلاً من اتخاذها كشرارةِ ميلادٍ جديد. فعلى السؤال أن يكون مصحوباً بشرارة، وإلا وصلَ مَيْتاً إلى عقلِ مُتلقيه، فهو يظَلُّ قبراً حتى يُبعث. وهنا يأتي دور "الوصلة" التي يأخذ بها الأستاذُ عقلَ تلميذه، ليتشاركا معاً في نقد السؤال. فيبدأ الكيميائيُ الحديثَ في اللغة! حيث التكثيف لغةً، والفرق بين التكثُّف والتكثيف، أي "تفعَّلَ تفعُّل" و"فعَّلَ تفعيل". ولماذا قال: "تكثُّف بخار الماء" ولم يقل: "تكثُّف الماء"؟ وهكذا...
لتُخبِرَنا اللغةُ أنَّ "الكثافةَ" هي الكثرةُ والالتفاف، وتعني أيضاً الغِلَظ(12). والأصل فيها "يدُلُّ على تراكُبِ شيءٍ على شيءٍ وتجمُّعٍ"(13). والآن، افسحوا الطريقَ أمام خيالكم، يقودُ الأعينَ تأمُّلاً في هذا المعنى اللغوي، فهذا التراكُب والتجمُّع لا يمكن أن يستوي مع حالة الغاز، بل المُلاحظُ في الغاز الانتشارُ والتشتت، فكأنَّ خصوصية المعنى تُرجِّحُ السائلَ والصُّلب. وعلى هذا، نجد المادة الصلبة -عِلماً أنَّ هذا ليس على إطلاقه فيزيائيا- هي الأكثر كثافةً تليها السائلة ثُم الغاز. ومن هنا، نستطيع أن نُقنع القارئ كيفَ أنَّ "التكثيف" هو تحويل الغازِ إلى سائلٍ أو صُلب؛ لأنَّ الكثافة قليلة في الغاز، لذا نرفع كثافته بتحويله إلى حالةٍ أكثرَ كثافة (أكثر غِلظةً وتجمُّع). وتصوُّرنا هذا يُفسِّر لماذا يُلازم فعل التكثيف "البخار" في سؤالنا، دون "السائل" أو "الصُّلب". فالإجابة أصبحت واضحة: "البخار" هو من يتكثَّف ويتحوَّل، لا العكس. وليست الكيمياء وحدها تُقرُّ بهذا، فالمنطق اللغوي يقبله أيضاً. فلماذا يُعنى تعريف التكثيف في أغلب المناهج بالتحول إلى سائل فقط؟ والأصل اللغوي إذا كان فيه هو التراكب والتجمّع، ألا يتوافق ذلك مع كيميائية أن يكون الصُّلب مَشمولاً أيضاً؟
أمَّا التكثُّف فهو على صيغة "تفعَّلَ" ومن معانيها "التدريج" و"المطاوعة"(14)، وهي تُحوِّل الفعل المتعدي إلى لازمٍ؛ لأنَّ "المُطاوعةَ: الموافقَةُ، والنحويون ربَّما سمَّوا الفعل اللازم مُطاوِعاً"(15). فنحن نرى أنَّ فعل "تكثّف" البخار هنا، لا يُراد به تدخُّل الإنسان، فالسؤالُ قصدَ التكثُّفَ الحاصل من الطبيعة نفسها. ولو قلنا "تكثيف" البخار، لاختلف الأمر بدخول الواسطة البشرية، إذْ إنَّ صيغة "فعَّلَ" تُفيد التكثير(16)، مما يجعلها متعديَّةً لتأدية هذا الغرض. حينها سيتلقَّى العقلُ السؤالَ كما لو أنه دَلتون هذا العصر عادَ يتساءل مرة أخرى، بفكر الجِدَّة والحداثة.
إذا صحَّتْ تحليلاتنا التي حاولتْ أن تنزعَ بالعقل إلى حريةٍ تفكيريةٍ أوسع؛ فإننا أمام قرار يُمهِّد لمحاولتنا هذه. إما أن تكون المناهج بُوتقة لخليطٍ من النظريات، بشكلها العائم والعام، والتي لا يستطيع العقل التعامل معها إلا بالحفظ. أو أن تُحوَّل إلى برنامجٍ كثيف من المفاهيم الأساسية المتعمِّقة، ثم التدرُّج بالنظريات، بعد التأسيس لتلك المفاهيم التي تُقلُّ العقل تلقائياً صوب النظريات الكبرى. أن يبدأ مثلاً في الكهرباء بالجُهد والتيار والشحنة، فهذه متصلة ببعضها، ثم يشرَع فيما يتصل بها من مفاهيم: الطاقة، الزمن، الشغل...إلخ. فلماذا كان الجُهد وليس الجَهدُ؟ ومِن أي أصلٍ لغوي أتى مفهوم الطاقة؟ ولماذا الزمن وليس الزمان؟ إنْ هذه الأسئلة إلا تأهيلُ العقل للولوج عميقاً إلى كُنهِ النظريات. وبعد ذلك كله، ما أجملَ أن يؤخذَ في رحلةٍ نحو معنى التصوُّر والإدراك؛ فعندما نُحدّثُ عن "الخير" أو "الصدق"، "الشر" أو "الكذب"، قطعاً نحن نُدرك المُقابل عمَّ يتحدث، رُغم أنها مُجرَّداتٌ. وتسويغ ذلك ببساطة، لأننا وضعنا لها صوراً حتى ألِفناها، فتصوَّرنا التأثيرَ من خلال المؤثِّر. ولكننا إذا ما وقفنا أمام الزمن الفيزيائي أو الشحنة أو الجُهد فإننا لا نجد أي تصوُّرٍ لها!
وعندما يَعرِف أن الجُهدَ هو ناتج قسمة طاقة الوضع الكهربائية على الشحنة، لتُوضع أمامه العلاقة الرياضية(17): V=( U)/q، ينبجِسُ الخيالُ حضوراً، ويُعانقُ السعيُ فضولَه، ولا شروطَ لذلك، فحدودُ السؤالِ، حدودٌ للعقلِ، وبالتالي، الإعلان عن النمطيَّة، وإلغاء للفردانيَّة، والإيذان بالتكرار والقولبة. ولأنَّ كلَّ سؤالٍ إنما هو فِكرٌ وقدْحٌ وإرادةٌ، فسيشرئب السؤالُ الجديد: ما معنى أن نُقسِّم شيئاً على شيء؟ ولماذا "قُسِّمت" الطاقة على الشحنة؟ أو بتركيز أدقّ: ما معنى "القِسمة" أصلاً؟ لربما تذكَّرنا جيداً مثالَ "التفاحاتِ" في دراستنا الابتدائية، حيث نخلُص فيه إلى أنَّ "القِسمة" هي توزيعُ ذلك العدد من التفاحات على عدد الأصدقاء. ولكن، لنصوِّب نظَرَنا جيداً عبر نظَّارتنا اللغوية - الخيالية إلى مادة "قسم"؛ يُقال: "تقاسما المالَ واقتسماه، والاسم القِسمة"(18)، وهي التفريق على الأرباب(19)، و"هذه الأرض قسيمة هذه الأرض أي عُزلت عنها"(20)، لأنَّ "التقسيم التفريق"(21)، ومثال ذلك في "تقسَّمهم الدهر فتقسَّموا"(22).
أي أنَّنا سنرى الجُهدَ نصيبَ كلِّ شحنةٍ أخذت طاقتها من الاقتسام، وهذا مُشابه لتفاسير الكتب الابتدائية (كما في مثال "التفاحات"). ولكنَّ خيالَ اللغةِ يُضيف شيئاً رائعاً؛ إذْ إنَّ الطاقة بعد أن توزعت على كل شحنةٍ، حدثَ شيءٌ من الدَّهشةٍ بمكان - تفرَّقت الطاقة؛ لقد شتَّتت الشحناتُ الطاقةَ وفرَّقتْها!
ربما يكون هذا نتيجةً بديهيةً للقارئ "المتأمِّل"، ولكنّنا إذا ما قبلنا بهذا المعنى، سيُتيح لنا الخيالُ التسليمَ بأنَّ "القِسمة" تتضمنُ النقصان، وهذا الأخيرُ هو أصل مفهوم "الطرح"، ومن هنا نصِلُ إلى نقطةٍ لا تُرى بالعين الرياضيَّة وحدها؛ إذ تتكشُّف لنا العلاقة بين "القِسمة" و"الطرح". ولكن، إذا كانت كل عملية منهما يدخل فيها النقصان، ما الفرق إذاً بينهما؟ لو قمنا الآن بقسمة عدد معين على عدد آخر، مثلاً عدد التفاحات العشر على عدد الأصدقاء، وليكن اثنين، فالناتج يساوي خمساً، بكل بديهةٍ رياضيَّة. ولكن، لو طرحنا عدد الأصدقاء (اثنين) - نفس المثال - من عدد التفاحات العشر، فالناتج حتماً لا يساوي ثمانٍ؛ لأنَّك تُنقص الأصدقاء من التفاحات؛ كيف! إذاً في عملية "الطرح"، يكون الجنس واحداً، أما القِسمة فلا تشترط.
فلو قلنا إنَّ التيار هو قِسمة الشحنة على الزمن، فهذا يعني أنَّ الزمن قام "بتفريق" الشحنات وتشتيتِها (مجازاً)، ما يجعلنا نتصوَّرُ حصولَ "استهلاكٍ" في الشحنة، لتُصبِحَ كلَّ شحنةٍ معزولةٍ عن الأخرى، فيؤدي هذا بدوره إلى "تفرقة" الزمن أيضاً؛ إذْ يُمكِننا أن نأخذَ كلَّ لحظةٍ من الزمن على حِدةٍ، ودراسةُ عُزلتها.
والآن؛ إذا ما أراد المُتعلِّم أن يبني معادلةً لقسمة شيء على شيء، فأوَّلُ الأمر أن يكون قد لاحظَ بخيالهِ حصولَ استهلاكٍ (نقصان) في الحالة، ولِنُسمِّ هذا الاستهلاك "بالتوزيعي"، لتمييزه عن عملية "الطرح"، ثُم -وهذا هو الأهم- أن يكونَ النقصانُ حصل بفعل مُستهلِكٍ آخر؛ لا أن تكون المادة قد استَهلكتْ نفسَها بنفسِها (إذا صحَّ التعبير).
وإذاً، ها هو الخيال اللغوي ما زال يُتيح لنا الوصول إلى كياناتٍ جديدة، واضعاً فرقاً حاسماً بين النقصان الكمي (الطرح) وبين النقصان التوزيعي (القسمة). فيتجلى واقعٌ جديدٌ ومنتظم "يمكن التحكم به، بوساطة تقطيع التجربة إلى فئات"(23)، من زاويةٍ إبستمولوجية. وهذا ليس تأسيساً لثباتيةٍ طبيعية، بقدر ما هو تشييدٌ للمفاهيم يُقدَّم للمُتعلِّم(24).
وقد نرى المُتعلِّم -الثانوي على الأقل- يقولُ: أعطوني تعريفاً ليس رياضيّاً! وهذا ما لا يُمكن التعامل معه إلا بمنهجنا هذا؛ وإلا كيف نعطيه تفسيراً جديداً لا يؤول إلى بابٍ رياضيٍّ، وكلُّ تعريف رياضي يستند على وصف المفهوم نفسه؟
نستطيع القول الآن: إنَّنا لا ندعي إحلالَ المعنى اللغوي محلَّ المفهوم الفيزيائي، ولكنَّنا أمام "قانونِ إدراكٍ"، نقترح به ثَم ولادةً في داخل الكلمة (العلامة)، لا يُسمح بالانتقال منها إلى الواقع الفيزيائي (الموضوع) إلا عبر "المؤوِّل الخيالي"، الذي يُحرِّضه الجذر الفيلولوجي(25). ولا يقتصرُ تطبيق ذلك على المفاهيم فقط، بل يتعدى إلى تفسير القوانين النظرية أيضاً.
بقي لدينا ما ننوِّه إليه على نحوٍ موجز: إنَّ المفاهيم التي ارتأينا دراستها وتحليلها، إنما كانت أمثلةً تطبيقيَّةً لمشروعِ محاولةٍ في تصحيحِ فَهم العلوم، وتعميقِ قراءتِها. فدراسةُ كلِّ المفاهيم العلمية من زاويةٍ فيلولوجيَّة – خيالية أمرٌ يحتاج إلى موسوعة ضخمة جداً، وهذا ما لا يَسَعه المقامُ الآني.
ربما كان من الوضوح للملاحِظ، أننا قد دخلنا الرياضيات، وقبل ذلك، اعترضَتْنا زاويةٌ فلسفيةٌ بعض الشيء. إنَّ هذا الانصهار الحدودي بين المعارف ما هو إلا ردُّ فعلِ "العقل العلمي" لطبيعة اللغة في شَبْكِ العناصرِ مع بعضها، فيتشابكُ النحوُ والصرفُ مع الفيزياء، والفيزياءُ مع الفلسفة والمنطق، والفلسفةُ تنحو إلى الأدب. فهذا ليس تداعياً حراً، بل هو العقل الجديد يُمارس حريته التفكيرية، "فهو موجود؛ لأنه يُفكِّر".
إنَّما منهجيةُ هذا المشروع الكشفُ عن أهم الضرورات لتأسيس عقلٍ باحثٍ في المعرفة، والانقطاعُ إلى تحويل تلك الضرورات، مُنصهِرةً مع المادة العلمية، إلى برنامجٍ مُكثَّفٍ، عبر تأهيل الأستاذ إبستمولوجياً، فتُصبح الأولويَّة للمؤسسة التعليمية هي إعادة إعداد "الأستاذ" قبل "الطالب".
