قَبرٌ يُزهر

انتصار عباس


تجلسُ خلف الزجاج تنتظر المطر. تنتابها رغبةٌ جامحة في مغادرة ذاك الأصيص الخانق، وقد غدا ضيقاً، ولم يعد يناسبها هي وبراعمها التي تريد التسلق والانتشار. وقد كرهت وحدتها في هذا السجن الصغير، تحلم بالتربة البعيدة حيث الأشجار الكثيفة.. تغرس جذورها في المدى الواسع وتُزهر بحرية.

في يومٍ ربيعي، فتحتْ سيدة المنزل النافذة. انتعشت الوردة وهي تعانق رذاذ المطر البارد، امتدت أيدٍ مستعجلة لقطفها، فانتزعت منها بعض البتلات، وتناثرت أوراقها. أغلقت السيدة النافذة دون أن تلاحظ ما حدث.

في الصباح التالي، فتحت السيدة النافذة وهي تبكي، ذرفت الوردة عطرها تبكي مثلها، مسحت السيدة دموعها على عجل، وغادرت مسرعة لتغلق النافذة، حين ناداها صوت من الداخل.

في المساء، هبت الرياح الباردة تحمل الوردة معها وصغارها بعيداً عن الألم. سارعت الوردة بالانتقال هي والصغار حتى وصلوا جدار الحديقة، ثم تسللوا من الفتحة الصغيرة، ساروا في ضباب كثيف، يبحثون عن تربة خصبة، فلم يروا سوى حجارة اصطفت بعناية. تسلقت إحداها هي والصغار ونامت وهي تحضنهم وادعة.

أفاقت فجراً على صوت فؤوس ومعاول تحفر، ثم علا صوت نحيب، فتحت عينيها لتجد نفسها تنام على كتلة حجرية باردة نُقِش عليها اسم قاسم. أصابها الذهول مما رأت، فقد كانت حديقة الأشجار الكثيفة مجرد مقبرة شاسعة تحيط بها صفوف من شواهد القبور الصامتة.

يبدأ نهارها بوجوه ممطرة بالغياب والحزن، ووشوشات مكتومة، وفي غياهب الليل، عواء الريح واهتزاز الشجر.

أيام تمر، ها هي سيدة المنزل تنتحب بلوعة عند قبرٍ مجاور. نظرت الوردة إلى الشاهد وقرأت اسم علاء، هذا ابن السيدة الوحيد الذي كان مريضاً. مدت الوردة بساقها تنشر براعمها تتفتح على القبر، انتبهت السيدة للورود التي كانت تشبه ورود منزلها، وقالت بلهفة: انظر يا علاء، ورود المنزل جاءت معي تؤنسك، ومدت السيدة بيدها إليها تلمس وهي تبكي. ثم زرعت زيتونة صغيرة قرب القبر، تخاطب علاء: هذه شجرة الزيتون التي غرستها بيديك، لا تخف فالكل حولك، وانهارت فوق القبر تبكي، وغرق صوتها بالدموع، تمد الوردة ساقها بحنان نحو الشجرة الصغيرة، كأنها تحتضن رفيق عزاء جديداً.

غابت السيدة شهورا ولم تعد تأتي.

في ظهيرة أحد الأيام الممطرة، رأت الوردة زوج السيدة وإخوتها يحفرون قبراً جديداً يجاور قبر علاء؛ كان قبر السيدة، لم تكن لتمر ربع ساعة حتى أحست الوردة بيد صغيرة تداعب أوراقها برقة، رفعت رأسها كان طفلًا صغيرًا، يلوح للشواهد القبرين ويبكي، ثم بدأ يقرأ من كتاب بهدوء.

اعتادت الورود هذا المشهد الحياتي اليومي وصار جزءاً منها، ثم وبمرور الوقت صارت تحاكي ذاك النور الخافت الذي تبعثه الشواهد وهي تستقبل ضيوفها، وهي على يقين أن العزاء يزهر في تراب الحب المتبقي.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها