هل كانت بريطانيا.. دولة مسلمة؟!

حسام نورالدين

في تراث الحضارات الإنسانية نكاد لا نجد حضارة من حضارات الدنيا وضعت شعارها الديني، بلغتها هي، على العملة الرسمية لبلد آخر تختلف لغته وديانته، دون أن يكون هذا البلد تحت سلطتها، لكن حدث ذلك بالفعل في عهد الملك الإنجليزي "أوفا ركس"، كما تنطق الوثائق، ويحكي لنا كتاب (زهور التاريخ)، أحد أبرز كتب التاريخ في التراث اللاتيني، بالقرن الثالث عشر الميلادي، فكيف كان ذلك؟ وما تبعاته؟ وما القصة من البداية؟
 

لنبدأ من النهاية، بعد أربعة قرون تقريباً من وفاة الملك (أوفا ركس Offa Rex of Mercia)، عندما توَلى حُكم بريطانيا الملك "جون لاكلاند John Lackland" سنوات (1199–1216م)، وكان أشهر إنجاز له إصداره (الماجنا كارتا – الميثاق الأعظم)، التي تُحدد سلطات الحاكم، وتمنح الشعب بعض الحقوق التي أُهدرت في عصور أوروبا الوسطى الهمجية، وكان الصراع بين الملك جون والكنيسة حاداً، خاصة مع البابا انسونت الثالث أقوى رجل في الدولة، وأهم المحرضين على الحرب الصليبية الرابعة، وقد وقف عدواً عنيداً ضد الملك جون، لاسيما عندما راحت عيون الملك جون تتجه نحو النهر، بحثاً عن مقبرة سلفه الملك أوفا ركس الذي تُوفي عام )796(، ولم يتم دفنه في كاتدرائية عظيمة بالعاصمة، مثل بقية ملوك إنجلترا، بل تم دفنه بعيداً جدّاً في كنيسة متواضعة، على ضفة نهر أوز Ouse)) المشهور بفيضاناته الجارفة، وظلت الكنيسة تعاند الملك جون، لعله يكف عن البحث في النهر على آثار مقبرة "أوفا"، حتى لا تنتشر أسرار سيرته المطموسة، لكن الملك أصر على التنقيب، فحرمه البابا من الكنيسة، بل حرض عليه ملك فرنسا لقتاله، فتدافع حوله الأعداء، حتى ثار الملك جون مهتاجاً، فصدر منه عملاً غريباً، سجل وقائعه -مع قصة دفن الملك أوفا- في كتابه اللاتيني [زهور التاريخ / Flores Historiarum]، أول سلسلة الرهبان المؤرخين بدير سانت البانز/ روجر أوف ويندوفر (تُوفي عام 1236). وقد تُرجم الكتاب للإنجليزية عام 1849، وإن كانت الواقعة العجيبة، التي سيأتي ذكرها، قد دَوّن تفاصيلها المؤرخ ماتيو باريس بنفس الكتاب (المجلد الثاني)، بعدما روَاها له الكاهن الملكي (روبرت أوف لندن)، حيث حضر وشهد الواقعة كلها، التي ننقل-بإيجاز- بعض سطورها الدالة، من النص الإنجليزي الأصلي.

"أرسل الملك جون عام 1213م رسالةً سريةً مع الفارسين توماس أوف إيردنجتون، ورالف فيتز نيكولاس، وكاهن القصر الملكي روبرت أوف لندن، لملك إفريقية والمغرب، وإسبانيا، الذي يعرف بأمير المؤمنين (لدولة الموحدين) محمد الناصر، وبعد السماح لهم من الحراس الأشداء بسيوفهم المشهرة، دخل الثلاثة بهدوء القاعة الداخلية للقصر، وبدا على بُعدٍ أمير المؤمنين، فسلموا عليه بإجلال واحترام، ثم شرحوا له سبب قدوهم بالنيابة عن قائدهم ملك إنجلترا/ جون، وهم يسلمون لأمير المؤمنين -البالغ منتصف العمر، وصاحب القوام الطويل- رسالة مليكهم إليه، في حضور المترجم، وعندما فهم أمير المؤمنين المراد من الرسالة (إذ يطلب فيها الملك جون أن يُسلم مملكته الإنجليزية، لسلطة أمير المؤمنين، وأن تدفع له بريطانيا الجزية، وأنه هو نفسه –الملك جون- يريد أن يترك المسيحية، ويعتنق الإسلام، مقابل أن يحميه أمير المؤمنين)، ففكر الأمير الناصر، ثم بدا حذراً وبليغاً في حواره، بعدما طوى دفتي كتاب، فوق مكتب أمامه، ثم قال:
- كنت لتوي أنظر في كتاب مكتوب باليونانية، عن حكيم يوناني ومسيحي اسمه بول، وأسعدني جداً التعرف على مآثره وكلماته، لكن أمراً واحداً يخصه لم يسعدني، حيث إنه لم يتخذ موقفاً جازماً تجاه عقيدته التي وُلد عليها، بل تركها لغيرها، كأي جاحد متردد، وأنا أذكر ذلك بالنظر إلى قائدكم ملك الإنجليز الذي رغب أن يترك التشريع، الأكثر نقاءً، وتقوى لدى المسيحيين الذي وُلد تحت ظله، راغباً في تردد وليونة، أن يعتنق عقيدتنا.

ثم سأل عن طبيعة مملكة هذا الملك، فأجابه الفارس توماس:
- إن أراضي مملكة الملك جون غنية بثرواتها الزرراعية، والرعوية، والأخشاب كذلك، وأهل مملكته كرماء، وأذكياء جداً، ويتكلمون ثلاث لغات الإنجليزية، واللاتينية، والفرنسية... فتنهد الأمير، بعد إنصاته، ثم قال:
- لم أسمع ولم أقرأ أبداً عن ملك يملك هذه المملكة الغنية، الخاضعة والمنقادة له، فيريد أن يخرب سلطته، ويَقبل طواعية أن يدفع بلده الحر الجزية، لآخر غريب، يعطيه كل ما يملك، ليُحول سعادة أهل مملكته إلى تعاسة، عندما يسلم إرادته لآخر؛ كأنه تم غزو بلاده دون مقاومة، فلقد سمعت وقرأت عن آخرين يدفعون أنهاراً من الدماء مقابل حريتهم، وهو عمل يستحق الثناء، لكني الآن أسمع عن مليككم، وقائدكم التعيس، والكسول الجبان، الذي يتمنى من رجل حُر أن يكون عبداً له، إنه أسوأ أنواع البشر.

ثم رفض أمير المؤمنين أن يتحالف مع الملك جون، وتعامل بخشونة مع الفارسين المبعوثين، بينما احترم كاهن القصر الملكي/ روبرت أوف لندن، بعدما أخذ يسأله منفرداً عن الملك، وصفاته وأحوال سياساته، في حين يجيبه الكاهن دون مداهنة أو خداع، فأكرم الأمير ضيافته، بعدما أبصر صدق كلماته، ثم مدَّهُ بالكثير من الهدايا القيمة، لدى مغادرته بلاد الأندلس".

وقد نشرت أيضاً جريدة (الصنداي تايمز The Sunday Times) عام 1978 وثيقة عن هذه الحادثة، فانتشر خبرها في أهم دوريات بريطانيا، فأثارت ذهول الباحثين والمهتمين في بريطانيا، وأفراد الشباب على مواقع الإنترنت، مابين مستنكر، ومشكك، ومؤيد.

وبغض النظر عن الجدل حول هذا الحدث الخافي عن وعي الكثير، لكنه يربطنا منطقياً بالواقعة التي لا سبيل لنكرانها، في عهد الملك أوفا رِكس، الذي أهاج بسببه الملك جون الكنيسة ضده، لإصراره على البحث عن مقبرته، فقد كان الملك أوفا ركس رجلاً حصيفاً، حَكَم (مِرسيا) عاصمة الأنجلوساكسون في بريطانيا لمدة تسع وثلاثين سنة (757-796)، ثم صارت له قوة عسكرية رهيبة، فأصبح صاحب لقب (ملك كل بلاد الإنجليز)، بعد توحدها كلها لأول مرة على يديه، بفضل عقليته وسياسته، ولا يزال التاريخ يذكر له الخندق الطولي الكبير الذي قام بإنشائه لفصل ويلز عن إنجلترا، وتوجد آثاره حتى الآن، وتعرف باسمه "Offa’s Dyke".
 

وقد حدثت مشاكسات تحولت إلى صراعات مع البابا أدريان الأول في روما، صاحب النفوذ الديني الأعلى، حتى وصل الأمر في آخر سنوات الملك أوفا أن قَتل وذبح رأس مبعوث الكنيسة، للتبشير بالمسيحية في مملكته الإنجليزية، دون سبب مفهوم، وغابت الحقائق مع تعتيم وتجاهل المؤرخين الغريبين، والموسوعات الأوربية المعروفة لسيرة هذا الملك طيلة القرون السالفة حتى جاء عام (1841م)، حيث عثر أحدهم على (دينار ذهبي) مكتوب فيه اسم الملك أوفا ركس، وتحيطه (بالعربية) شهادة {لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله}، وعلى حواف وجه الدينار المقابل نُقشت الآية القرانية الكريمة [أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله]، مع بعض الأخطاء الإملائية، ويزن هذا الدينار الصادم نحو (أربعة غرامات)، وقُطره 2 سم على نسق الدينار العباسي في عهد الخليفة المنصور، وقد نُقش عليه تاريخ السك عام (157 هجرية)، أي في 774 ميلادية، وهو محفوظ من مائة سنة تقريباً في المتحف البريطاني بالعاصمة للعرض، ومُتاح للكافة على موقع المتحف الرسمي بشبكة (الإنترنت)، واحتار فيه المؤرخون الأوروبيون، رغم اعتراف علماء المتحف بصحة الدينار تماماً، وعدم تزويره، لكن شرع بعض الباحثين في اختلاق بعض المبررات، لوجوده بهذه الكيفية التي لم تحدث من قبل، مع أي ملك من ملوك أوروبا الغربية، فإن كان بعضهم كتب بالعربية على عملاتهم الأوربية، مثل الإمبراطور هنري الرابع الذي سك في عملة بلاده اسم الخليفة المقتدر بالله، تقديراً له، ولتربع عُملة بلاد الإسلام على قمة التجارة العالمية، لكن لم يحدث مطلقاً أن تم سك عملة ببلاد أوروبا عليها شهادة التوحيد في دين الإسلام، يتوسطها بوضوح اسم ملك مملكة مسيحية بالحروف اللاتينية، كما حدث مع الملك/ أوفا ركس، وقد رد عليهم بعض المؤرخين العرب، مثل: فيليب خوري، ود. مصطفى الكناني الذي أثبت من خلال المصادر الإنجليزية أن الملك أوفا ركس قد صنع العُملة في بدايات عهده، وكانت تحمل علامة الصليب -كما هو موثق– وعليها صورته، وصورة زوجته الملكة، أي أنه لا حُجة لمن يبرر أن بلاده الإنجليزية لم تكن تعرف سك العملة، فلماذا تحول الأمر إذن في أواخر حكمه، لسك هذا الدينار، مع مراعاة شدة احتدام معاداتة للكنيسة، بعكس ما كان، وفي ظل تعاونه التجاري الحميم مع حكام بغداد والأندلس؟!

والإجابة الأكثر احتمالاً عموماً، أو أول الاحتمالات -التي افترضها الباحثون البريطانيون أنفسهم- أن الملك أوفا قد اعتنق الإسلام، لكن علمياً لا يمكننا الجزم بذلك بيقين، ولا يعنينا كثيراً إسلام الملك الإنجليزي من عدمه، بقدر ما يعنينا ظهور الدليل الدامغ (الدينار الذهبي) لكل أنظار العالم، إذ يبرهن بجلاء على تأثير وهيمنة القوة المعنوية للحضارة الإسلامية وقتها، حيث فعلت ما لم تفعله أي حضارة سابقة، أو معاصرة، في نقش شعار وجوهر عقيدتها -دون إراقة نقطة دم واحدة- على عملة مملكة إنجلترا الكبرى المستقلة، ولتقريب الأذهان لعظمة هذا المغناطيس الحضاري، يمكننا تخيل –على سبيل التشبيه- الجنيه الإسترليني المتداول اليوم، أو الدولار الأمريكي، مطبوعاً عليه بالعربية.. لا إله إلا الله محمد رسول الله!!

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها