للفقد عضة في القلب، ومرارة في الروح، ووخزة في النفس، لا يشعر بها إلا من ذاق الفقد وجرَّبه، فلن يشعر أحد بفقدان الأم إلا إذا فقد أمه، ولن يدمع قلب على محبوب مفتقد إلا من فقد محبوبه، للفقد لمعة في العين تراها فتحسب أن روح الفاقد تبحث عن غائب لا يراه غيره، مجهول لا يدركه سوى عمق الفاقد.
للفقد حنين يسيطر على القلب ويجعله ملهوفاً في صمت، حزيناً في سكون، وليس كل من يفقد شيئاً يحن إليه، إلا إذا كان يمتلك قلباً رهيفاً ومشاعر فائقة، فالجامد لا يفتقد ما يتركه، والقلوب التي تشعر بالفقد هي قلوب حيَّة، وإن بدا أحياناً أن ظاهرها الجمود، فمن الحجارة ما يتفجر منه الماء.
المجموعة القصصية (الشمس تغرب راضية) الصادرة عن الدراسات والنشر بالشارقة، للقاص محمد عباس تحتوي على17 قصة يغلب عليها موضوع واحد هو الفقد بأنواعه المتعددة. وهذا يعطي المجموعة طابع الوحدة العضوية على الرغم من اختلاف الموضوعات التي تطرَّق إليها إلا أن عنصر الفقد يسيطر عليها.
فيمكننا مع القراءة المتأنية أن نلمس فقد التاريخ والتراث والعلم في القصة الأولى (كافتيريا العطارين) متمثلة في فقدان المكتبة التي يمتلكها الجد سليم، بشخصيته القوية المؤثرة وصوته الذي يهز الجدران، يمتلك دكاناً قديماً في منتصف شارع العطارين، مخصَّص للتجارة في الكتب والمجلات، زبائنه من نوعية خاصة، فالزبون الذي يأتي دكان الحاج سليم يجب أن يكون محترف قراءة، واسع الاطلاع.
تنطلق القصة من تدهور الحالة الصحية للجد سليم، وقت ذهابه للمستشفى في عربة الإسعاف، قرر رغم مرضه أن يطل على مكتبته، وكأنه يستشعر مغادرة العالم فأراد أن تكون آخر نظرة له في الدنيا هي رؤية المكتبة والكتب، وأمر السائق أن يتوقف عند دكانه فلم يجده، فقد أصبح دكان الكتب مقهى، وتغيرت لافتة بيع وشراء الكتب لكافتيريا العطارين.
في قلب القصة إيحاءات بأن أولاده الذين يمثلون الحداثة لديهم رغبة في التخلص من المكتبة، وبذلك يفقد الجد ويفقد الشارع مكتبة تمثل التراث والعلم والأصالة، وتوحي القصة بأن الجد مات في عربة الإسعاف حسرة على فقد دكان الكتب الذي لم يعد الجيل الجديد يهتم بها.
ندخل لحالة فقد الذات في قصة (إعلان رفض) عن كاتب لديه في بيته غرفة مكتبة خاصة بكتبه ومؤلفاته، ونظرًا لضيق الحال فقد وضعته زوجته أمام خيار احتياج ابنه حسين للزواج في غرفة المكتبة، وقالت وهي تضرب على حساسية الأبوة: "هل تفضل كتبك الصماء المرصوصة كأكفان محنطة على ابنك حسين"؟ وصرخت الكتب وتحدثت للكاتب، وشعر أنه يفقد ذاته وكيانه بفقد كتبه، وحاور الكتب وحاورته، وحين رأى ظل زوجته وابنه يتجهان ناحيته في غرفة المكتب تحول دون تفكير لكتاب وسط الكتب وجلس ينتظر ماذا سيفعلان به، بعد أن فقد ذاته وكيانه؟
فقد التراث يبدو واضحاً في قصة (بيت كتخدا) فالرجل صنع حيلة للحصول على البيت الأثري وشراؤه من أصحابه بإرسال رسالة مزيفة من هيئة الآثار ثم اشترى البيت، لكن في النهاية يفقد الرجل البيت الأثري وتضع هيئة الآثار يدها عليه وعاد لبيته القديم فاقداً للتراث الذي أراد الحصول عليه بالتزوير.
تنجلي سيرة لفقد الكرامة في قصة (الشمس تغرب راضية) حين يعتدي البلطجي البرعي على امرأة في السوق، ثم طردها أمام الجميع لرفضها الاستجابة لرغباته، وفقد السوق كرامته بالصمت وعدم اتخاذ أي فعل إيجابي ضد برعي، ومع محاولاتهم للإضراب استجابت الشرطة لهم، إلا أن فقد الكرامة ما يزال موجوداً.
فقد الأب يبدو واضحاً في قصة (الغريق) فالقصة على لسان الابن الذي اختفى والده قبل صلاة الفجر، فقد الابن والده وسنده، حتى الابن الباحث عن والده الغريق فقد روحه أثناء البحث، الفقد يصرخ في القصة.
يبدو الفقد شاعرياً وحساساً في قصة (شجرة التوت) هنا نجد فقد اللطف، راوي القصة يرى الشجرة بشعرها الفضي المحيط بوجه له سمار لطيف، بنمش ناعم رقيق، بعينين دافئتين محبتين، وذقن مدببة، تهمس الشجرة: "القرب يمنح الروح سلاماً، اللحظات الطيبة مِنح يا ولدي، إن لم تقنصها ضاعت منك"، يبحث الراوي طوال القصة عن اللطف المفقود منه.
نكتشف فقد الهيبة في قصة (جبل عزيز) الحكاية تدور حول مدير يشعر بفقدان الهيبة بسبب احتقار أحد الموظفين له، وحاول بكل الطرق استرداد هيبته المفقودة، وطلب منه ألا يأتي لمكتبه مرة أخرى خشية أن يزداد فقده لهيبته أكثر.
نجد فقد المأوى وفقد المكان في قصة (عواء الليل) فالقصة مبنية على امرأة تسير حافية في الليل، باحثة عن مأوى، امرأة في خيال الراوي، تقفز دائماً لمخيلته في الطرقات بسبب ما حدث لأمه التي ألقاها زوجها للطريق بعد منتصف الليل، ظلت تفتقد المأوى، وظل هو يطارده الفقد طوال حياته.
تتمحور قصة (ابن أفندينا) حول فقد الابن الذي خطفه الفلاحون؛ لأنه مرض مثل أطفالهم، وضعوه في مكان آمن، واشترطوا كي يسترد ابنه أن يعالج أطفالهم؛ لأنهم فقدوا أبناءهم، القصة كلها تدور حول فقدان فلذة الكبد، الابن.
فقد آخر تتطرق له قصة (المرجيحة) الراوي يفتقد لأيام الطفولة، يتجلى ذلك حين يقف أمام المرجيحة، يريد أن يركبها، يلعب ما يفتقده من زمن، وحين صعد للمرجيحة وارتفع لأعلى دق قلبه بعنف وكأنه يسترد ما فقد في لحظة نهاية.
يتضح فيها فقدان الشجاعة في قصة (المنطقة الخطرة)، تروي عن عامل قطار يخشى مواجهة مجموعة من الأشقياء، يترصدون قطاره في الليل ويقذفونه بالحجارة، حتى أصيب في عينيه، القصة تحاول كشف الجبن وفقدان الشجاعة.
نجد فقد السكن والهدوء في قصة (الطاحونة) فشخصية الراوي تشعر أن هناك من يراقبها ويترصد حركاتها (عيناه خلفي وأمامي ويداه على زناد أعمى)، حالة من تلازم التوتر وفقدان السكينة.
قصة (الموقف الجديد) عن فقد الحياة ذاتها، يرويها رجل نكتشف في نهاية حكايته الغريبة أن ينظر لصورته داخل إطار مذهب خلف زجاج شفاف، مشنوقة من ركنها العلوي برباط أسود للحداد، إنه ميت فاقد للحياة.
نلمس بجلاء فقدان الحنان للراوي في قصة (تحية المساء)، فأمه متوفية وهو دائماً يراها تطوف عليه وتطمئن عليه حتى إنه يحدثها وهي ميتة، لافتقاده الحنان في حياته التي يعيشها مع زوجته التي تطلب منه أن يزيل صورة أمه من على الجدار، يفتقد الحنان من زوجته، وتريد منه أن ينزع ما يحن إليه حتى لو كانت صورة أمه الميتة.
فقد الكرامة يتضح في قصة (غلطة براقش) حين يقوم الفتوة بإهانة صالح ويستدرجه حتى يعتذر، وحين يعتذر يطلب منه أن يبيض بيضة أمام الناس، يريد أن يفقده كرامته، لكن صالح أعد للفتوة عدته، وأفقده كرامته أمام الجميع، قصة عمادها فقد الكرامة.
تضرب قصة (خارج التغطية) على فقد الذكريات، حيث الراوي يريد أن يعرف جزءاً من ذكرياته من سعاد، لماذا ضحكت مع محمود في أيام الصبا، وهي لا ترد، لا تتحدث عن السبب، لا تمنحه العودة للذكريات التي فقدها.

لا تخلو قصة من قصص المجموعة من موضوع الفقد، وهذا يمنحها تماسكاً موضوعياً وعضوياً، يثير المشاعر نحو دراسة إثر الفقد في نفوس الشخصيات التي تناولتها المجموعة مما يجعلها لوحة منمنمة ذات موضوع واحد.