تعلمنا من إرث الشيخ زايد المحبة والعيش وِفق المشتركات الإنسانية

حـوار مع د. محمد كامل المعيني رئيس مجلس إدارة المعهد الدولي للدبلوماسية

حاوره: مصعب الصاوي


وسط إعادة تشكّل المشهد الدولي سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا على نحو متسارع، وفي عالم اليوم لا تُقاس القوة فقط بميزان السياسة أو الاقتصاد، بل باتت الدبلوماسية الثقافية أحد أهم أدوات التأثير في العلاقات الدولية، وأكثرها قدرة على بناء الجسور بين الشعوب.


في هذا السياق تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا متفردًا في توظيف الدبلوماسية الثقافية كأداة استراتيجية قائمة على التسامح والانفتاح والتعددية، لتصبح واحدة من أبرز الدول المؤثرة في مجال القوة الناعمة عالميًا.


في هذا الحوار الموسع، يتحدث د. محمد كامل المعيني، رئيس مجلس إدارة المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية، عن تجرِبة الإمارات في هذا المجال، وعن تأسيس أول معهد متخصص في الدبلوماسية الثقافية في الشرق الأوسط مساهماً بإضافة واسعة من المبادرات الدولية التي امتدت عبر آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 

 بدايةً.. من هو د. محمد كامل المعيني؟

تخرجتُ في جامعة الإمارات العربية المتحدة عام 1986 بكالوريوس العلوم السياسية والإدارة العامة، بدأت مسيرتي المهنية في قطاع العقارات، بعدها اتجهت إلى المجال الأكاديمي، حيث حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الدبلوماسية في جامعة ويستمنستر بالمملكة المتحدة 1995، ثم الدكتوراة وموضوعها (الدبلوماسية الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة) في جامعة VITZ ثم عدت إلى وطني الإمارات لأقوم بتأسيس المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية، والذي أتشرف الآن برئاسة مجلس إدارته.

 كيف تقرأون تجرِبة دولة الإمارات في مجال الدبلوماسية الثقافية؟

الإمارات العربية المتحدة تمثل اليوم نموذجًا عالميًا متقدمًا في الدبلوماسية الثقافية، ليس فقط من حيث المبادرات، بل من حيث الفلسفة التي تقوم عليها الدولة في إدارة التنوع الثقافي والتعدد الحضاري.

 ما يميز التجرِبة الإماراتية هو أنها لم تتعامل مع الثقافة كقطاع منفصل، بل كجزء من مشروع وطني شامل قائم على التسامح والتعايش والانفتاح على العالم.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك التوأمة التي عقدها المعهد بين إمارة الشارقة ومدينة بخارى، والتي تعكس رؤية عميقة لمشتركات التراث والأصالة، وإحياء الجسور التاريخية بين عدد من الدول داخل بوتقة الحضارة الإسلامية والتجرِبة الإنسانية.

ولا يمكن الحديث عن هذا النموذج دون الإشارة إلى الإرث الفكري للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أسّس لمفهوم إنساني للدولة، جعل من الحوار بين الشعوب قيمة مركزية في السياسة الخارجية الإماراتية.

 كيف بدأت فكرة المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية؟

بدايات الفكرة تعود إلى مرحلة الدراسات العليا، حيث كانت لدي رغبة في إنشاء مركز متخصص في تحليل السياسات والاستشارات في المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، لكن التحول الحقيقي حدث خلال زيارتي إلى برلين عام 2009، حيث اطلعت على تجرِبة أحد معاهد الدبلوماسية الثقافية في أوروبا، وهناك أدركت حجم الفجوة في منطقتنا العربية في هذا المجال.

تهدف الدبلوماسية الثقافية لإبراز ما تمتلكه دولة الإمارات من ثقافة وقيم الخير والتسامح على المستويين الإقليمي والدولي، وتسعى من خلال «القوة الناعمة» وعلاقتها الثقافية والدولية، إلى إظهار الإمارات مركزاً للامتياز المعرفي والثقافي، ونموذجاً رائداً لمجتمع يعتز بهويته الوطنية وثقافته عالمياً.

وكما يقال دائماً: إن الثقافة والفن يستطيعان تحقيق ما لا تحققه السياسية؛ فإن هذا يترجم واقعياً من خلال مشاركات الإمارات في الكثير من الفعاليات التي تعنى بمجالات عدة في الكثير من دول العالم، وتعرِّف بالتالي شعوب العالم بما تمتلكه من إبداع ومعرفة، وهو عملياً ما يقرب بين الشعوب، ويساهم في التأثير المتبادل الذي ينعكس بالمحصلة على المعرفة الإنسانية.

من تلك اللحظة، بدأت الفكرة تتحول من مشروع بحثي إلى مشروع مؤسسي، وبالتعاون مع مارك دونفرد، وهو من أبرز خبراء الدبلوماسية الثقافية عالميًا، تم تأسيس المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية عام 2010، ليكون أول مؤسسة من نوعها في الشرق الأوسط. كان الهدف واضحًا منذ البداية.

 كيف يعمل المعهد من حيث الهيكل والرؤية؟

المعهد مؤسسة خاصة مستقلة، تعمل وفق رؤية استراتيجية تحددها الإدارة العليا، بينما يتم تنفيذ البرامج عبر فرق متخصصة في مجالات متعددة. نحن نركز على تطوير برامج تدريبية متكاملة تشمل الدبلوماسية الثقافية، والحوكمة، والاستدامة، والتفكير الاستراتيجي، إضافة إلى برامج تطوير القيادات وبناء القدرات المؤسسية. الهدف ليس التدريب فقط، بل إنتاج فهم جديد للدبلوماسية باعتبارها أداة تأثير ثقافي وإنساني. كما يحرص المعهد على إطلاق مبادرات مستمرة وبناء شراكات إقليمية ودولية عبر الأنشطة والزيارات والتفاعل المباشر مع المؤسسات الأكاديمية والثقافية حول العالم.

 ما مكونات وعناصر عمل المعهد؟

يتكون المعهد من ثلاثة مستويات رئيسة:
• مجلس الإدارة: ويضم خبراء ودبلوماسيين وأكاديميين من داخل الدولة وخارجها.
• مجلس الأمناء: وهو الجهة التي تعتمد الخطط والبرامج الاستراتيجية، ويضم شخصيات قانونية وثقافية وفكرية.
• الإدارة التنفيذية: وتشمل التسويق، والبحوث، والبرامج التدريبية، والمؤتمرات، والسكرتارية.

ورغم أن الهيكل الإداري محدود من حيث العدد، إلا أن أثره واسع ويمتد إلى شراكات ومبادرات دولية متعددة عبر التنسيق والتواصل الفعال.

 ما أبرز المبادرات التي أطلقها المعهد؟

خلال مسيرته، أطلق المعهد عددًا من المبادرات النوعية، من أبرزها:
• منتدى "الرابطة الجديدة للأمن والدولة الرقمية" 2018، الذي ناقش التحول الرقمي في الدولة، وعلى أساسه أُعلن توجه الإمارات نحو الدولة الرقمية في عام 2019 ضمن سياق الحوكمة الحديثة.
• مؤتمر "الإعلام والهُوية الوطنية والأمن" 2025، ضمن مشروع "جسر المستقبل" الذي يربط الإعلام بصناعة الوعي وتعزيز الهوية الوطنية.

إلى جانب ذلك، ينفذ المعهد برامج تدريبية متقدمة في مجالات الاستدامة، والتسويق، والحوكمة، والسياحة، والتفكير الاستراتيجي.

 ما المقصود بدبلوماسية الجمال؟

دبلوماسية الجمال هي تجربة فكرية وإنسانية أطلقت في الهند عام 2017، تقوم على تحويل الجمال والثقافة والفنون إلى أدوات للتواصل بين الشعوب. الفكرة تقوم على أن الجمال لغة عالمية قادرة على بناء جسور التفاهم بين الثقافات، وهو ما تؤكده مسارات تاريخية مثل طريق الحرير وطريق البخور، التي لم تكن مجرد طرق تجارية، بل منصات للتفاعل الحضاري.

 إذاً ما هو المفهوم الذي وقفت عليه في رسالتك للدكتوراة عن الدبلوماسية الثقافية؟

باعتباري أحد الدارسين والمتخصصين في حقل العلوم السياسية وشاركت في عدد من المحاضرات والمؤتمرات الدولية في هذا الجانب، وجدت أن جانب الدبلوماسية الثقافية عضد وجوهر الحياة في دولة الإمارات العربية وفي سياساتها وعلاقاتها، ومن المؤكد أن هذا الميدان في الدولة يوفر الارتقاء بفاعليتها أكثر وأكثر في ظل ما نمتلكه من مقومات نوعية في هذا المجال، فعناصر القوة الناعمة تقوم بعملية التأثير الجذري على أكمل وجه، وتجعل من الدولة نموذجاً يحتذى به.

الرؤية التطبيقية التي يعمل عليها المعهد إننا تبنينا الدبلوماسية الثقافية كمفهوم يشمل عملية تبادل المعلومات والنظم والمعتقدات وغيرها من جوانب الثقافة للوصول للتفاهم المتبادل، فهناك نوع من التكامل والارتباط الجوهري بين الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الرسمية، خاصة وأن الأولى تضم جميع الجوانب الحياتية، وعلى رأسها الفكرية والمجتمعية والرياضية والثقافية والسياحية، وركزنا على موضوع جديد وهو دبلوماسية الجمال، فمن خلال الفكر الجميل تستطيع أن تجذب الآخرين ومن ثم بناء جسور من التواصل.

 كيف نشأت مبادرة دبلوماسية الماء؟

مبادرة "دبلوماسية الماء" أُطلقت في طاجكستان تحت شعار "الماء يجمعنا"، وجاءت استجابة لحاجة عالمية لإدارة الموارد المائية بشكل مشترك.
 تحولت المبادرة إلى منصة للحوار الدولي حول المياه، وأسهمت في تعزيز مفهوم الدبلوماسية البيئية كأحد مسارات التعاون بين الدول.

 هل تمثل اللغة جسراً للتواصل؟

اللغة العربية كانت محورًا أساسيًا في برامج المعهد، حيث تم تنظيم مبادرات "العربية تجمعنا" في عدد من الجامعات الدولية.
 اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء ثقافي يعكس الهُوية، ويسهم في تعزيز الفهم المتبادل بين الشعوب.

 إلى أين امتدت أنشطة المعهد عالميًا؟

امتدت أنشطة المعهد إلى مناطق متعددة، منها دول البلقان، وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية، في إطار رؤية تستهدف بناء جسور ثقافية وإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.

وفي هذا الإطار، شهدت أنشطة المعهد مؤخرًا نقلة نوعية في آسيا الوسطى، حيث قام وفد من المعهد بزيارة رسمية إلى جمهورية أوزبكستان، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون مع المؤسسات الأكاديمية هناك.

وخلال الزيارة، عقد اجتماع مع إدارة الجامعة الوطنية في أوزبكستان، حيث تم الاطلاع على الأبحاث والبرامج الأكاديمية المتميزة، وبحث آفاق التعاون خاصة في دعم تعليم اللغة العربية، بحضور عدد من القيادات الأكاديمية.

كما تم توقيع مذكرة تفاهم مع مركز الدبلوماسية العامة لمنظمة شنغهاي للتعاون، بهدف تطوير التعاون العملي وتنفيذ برامج مشتركة، إلى جانب مناقشة إقامة أسبوع ثقافي في دولة الإمارات لدول المنظمة.

وامتدت التحركات إلى كازاخستان، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم مع معهد أبحاث السياسة الخارجية لتعزيز التعاون البحثي وتبادل الخبرات.

 ما الشراكات والتوأمة الثقافية؟

من أبرز الإنجازات التوأمة بين الشارقة وبخارى، والتي تعكس عمق الروابط الحضارية بين العالمين العربي والآسيوي.
 كما تم التعاون مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، وتنظيم فعاليات جمعت سفراء دول آسيا الوسطى في أبوظبي لمناقشة العلاقات الثقافية والاقتصادية.

 هل للمعهد حضور في روسيا؟

نعم، لدينا علاقة تعاون مع "جمعية شعوب العالم"، حيث أصبح المعهد عضوًا في الهيئة الاستشارية العليا للجمعية، كما شاركنا في مؤتمرات دولية كبرى في روسيا، حضرها آلاف المشاركين من أكثر من 150 دولة، مما عزز حضور الإمارات في المشهد الثقافي العالمي.

وفي هذا السياق، شارك وفد من المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية في المنتدى الدولي الثالث للدبلوماسية العامة المقام بجامعة بيلغورود الحكومية في روسيا، تحت عنوان (الحقيقة والأخلاق – مورد استراتيجي للدبلوماسية العامة). وقد بحث المشاركون في المنتدى قضايا التحديث الإنساني في السياق الأوراسي، إلى جانب تطوير أساليب مبتكرة للتعاون في مجالات العلوم والتعليم والثقافة والأعمال كجزء من الدبلوماسية العامة.

وقد خاطبت المؤتمر متحدثاً عن الدور الذي تؤديه دولة الإمارات في نشر الدبلوماسية الثقافية مؤكداً أن الإمارات قدمت نموذجًا إنسانيًا بارزًا خلال جائحة كورونا، إذْ شكّلت مساعداتها نسبة كبيرة من الاستجابة الدولية للدول المتضررة، وقدمت الدعم دون تمييز، بما يجسد جوهر القوة الناعمة. بجانب الدور الذي تقوم به السفارات الإماراتية في تنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، وتعزيز الحوار الحضاري ودعم العلاقات الاقتصادية عبر مجالس الأعمال المشتركة. وشهد المنتدى مشاركة أكثر من 30 متحدثًا من دول متعددة، إضافة إلى حضور دولي واسع تجاوز 100 مشارك من نحو 40 دولة، بدعم من وزارة الخارجية الروسية ووزارة التعليم العالي واتحاد الجامعات العربية، ليشكل منصة مهمة لبناء رؤى مشتركة قائمة على الاحترام والتعاون.

 ختاماً؛ كيف ترون مفهوم القوة الناعمة اليوم؟

القوة الناعمة أصبحت عنصرًا أساسيًا في العلاقات الدولية الحديثة، ولم تعد السياسة وحدها هي المحدد، بل دخلت الثقافة، والإعلام، والتكنولوجيا، وحتى الرياضة والفنون ضمن هذا المفهوم. الإمارات اليوم تمثل نموذجًا عالميًا في هذا المجال بفضل قدرتها على تحويل التنوع الثقافي إلى مصدر قوة وتأثير. إن الدبلوماسية الثقافية أصبحت ضرورة استراتيجية في عالم يعاد تشكيله باستمرار، والمستقبل سيكون للدول التي تستثمر في الإنسان، والثقافة، والمعرفة، باعتبارها الركائز الحقيقية للقوة والتأثير.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها