الأدب.. في ضوء المستجدات الرقمية

 من التخييل إلى الذكاء الاصطناعي

د. رضوان بليبط


يطرح الأدب، في علاقته بمفهومَيِ التخييل والذكاء الاصطناعي، أسئلة حارقة تؤرق النقاد والمتأدبين على وجه العموم؛ فاقتحام الذكاء الاصطناعي قلعة الأدب المنيعة، واحتلاله مواقع استراتيجية داخلها، جعل الأديب يشعر بالقلق تجاه الخطر الذي بات يهدد مستقبل الكتابة الأدبية التي تتأسس على عملية التخييل، وتعبر عن مشاعر الفرد/المبدع وأحاسيسه وعواطفه المختلفة باختلاف السياقات والوضعيات التواصلية، والبواعث النفسية، والظروف الاجتماعية. وفي هذا السياق المعرفي، سنحاول البحث في المتغيرات التي شهدتها العلاقة بين الأدب ومفهومَيِ التخييل والذكاء الاصطناعي في عصر الثورة الرقمية الذي صار فيه الذكاء الاصطناعي مصدراً لإنشاء النصوص والخطابات الأدبية التي تُحاكي الممارسة التخييلية، دون أن تضاهيها من حيث اللغة والتراكيب والأسلوب، ودون أن تتفوق عليها جمالياً وإقناعياً، كما سنبين الفرق بين الإبداع الأدبي الخالص الذي ينشئه العقل البشري بمشقة وعناء، وبين النصوص الأدبية التي يصنعها الذكاء الاصطناعي في وقت وجيز.

 

1 - الأدب والتخييل:                             

لا يستقيم الحديث، في مبتدإِ القول، عن الأدب دون استدعاء علاقته بمفهوم التخييلla fictionnalisation  الذي هو جوهر الممارسة الأدبية وكنهها؛ فالنقاد كافة يجمعون على أن مفهوم الأدب، وإن كان يتمنع عن الإجابات النهائية المغلقة، ويتأبى عن التعريفات الجامعة المانعة، يعدُّ في الأساس عملًا تخييلياً بامتياز؛ لاسيما إذا علمنا أن المبدع تحركه جملة من البواعث والانفعالات النفسية، وتدفعه إلى الكتابة؛ إما للتعبير عن أحاسيس فردية، وإما لإبداء رأيه حول قضية من القضايا الجمعية أو الكونية المشتركة. وعلى هذا الأساس، تكون الأعمال الشعرية والروائية والقصصية والمسرحية نصوصاً أدبية تخييلية محضة، تتفاعل في صناعتها عناصر شكلية عدة؛ من قبيل اللغة والتركيب والأسلوب والوجوه البلاغية les figures، فضلًا عن المكونات التي يتفرد بها كل جنس من الأجناس الأدبية على حدة، أو تكون مهيمنة dominante على نسيجه اللغوي بتعبير رومان جاكبسون؛ مثل الإيقاع والوزن والقافية في الخطاب الشعري، والأحداث والشخصيات والمكان والزمان والرؤى السردية في القصة القصيرة والرواية، والحوارات والإرشادات والديكور الذي يؤثث فضاءات الركح في الخطاب المسرحي.
ولما كان الأمر كذلك، فإن المبدع الحقيقي يبذل مجهودات كبرى دائماً؛ حين يؤيد قصيدته، أو يتخيل الشخصيات الورقية التي يُفترض أن تقوم بالأفعال، وتحرك الأحداث في روايته، وحين يفكر في الخيوط الناظمة للأحداث، والسيناريوهات المحتملة التي توارب القراء، وتخرق آفاق انتظاراتهم. وعلى هذا النحو، تتخلق الأعمال الأدبية الخالدة التي لا تبتلعها ذاكرة النسيان، بل تظل راسخة في الأذهان، وتجعل القارئ يشعر بالدهشة التي تمتزج بمشاعر الإعجاب ولذة الاستمتاع بجمالية المقروء، وبآلياته الفنية التي يؤلفها التخييل، بوصفه عملية مركبة ومعقدة تتداخل فيها المعاني والألفاظ والتراكيب، والأسلوب الفريد الذي يميز كاتباً من كاتب.
ويمكن هتك القناع عن صعوبة الكتابة الأدبية انطلاقاً من الوقوف على القُوى العقلية الباطنية التي يستند إليها الإبداع الأدبي؛ فكل أديب يشعر بالأوجاع والآهات التي ترافق ميلاد النص الأدبي البكر، وتؤرقه القضايا والموضوعات التي تشغل باله أرقاً شديداً، فيبحث عن السبل الممكنة للتعبير عنها في قالب تخييلي يستدرج القارئ عبر مطية الإمتاع، لكي يقنعه في النهاية بفكرة ما. وقد التفت النقاد العرب القدامى إلى صعوبة عملية الإبداع الأدبي، ووضعوا التخييل في أرقى درجات سلم التفكير؛ ذلك أن تخيُّل الموضوعات يأتي في درجة من درجات الفكر والتأمل تكون أعلى من الحدس والحس، بل إنه أكثر صعوبة حتى من التفكير المنطقي البرهاني. ففي تصور حازم القرطاجني (ت.648 ه)، مثلًا، يمكننا أن نتتبع حركية التخييل الشعري، ونقف على صعوبة نظم القصيد الذي يخضع لعمليات متشابكة ومعقدة لا يمكن الفصل بينها؛ إذ إن قول الشعر يمر عبر التخاييل الكلية، فيتخيل الشاعر مقاصد غرضه الكلية، ويتخيل طريقة وأسلوباً أو أساليب ينحو بالمعاني نحوها، كما يتخيل ترتيب المعاني، وتشكلها وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها، ولا يقتصر الأمر على هذه التخاييل الكلية الأربع، وإنما هناك أيضاً التخاييل الجزئية؛ فالشاعر يشرع في تخيل المعاني معنى معنىً بحسب الغرض الشعري الذي يتغياه، ويتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلًا له، ويتخيل ما يتعلق بالوزن وعدد الحركات والسكنات وترتيبها، ويتخيل أيضاً الموضع الذي تكون فيه عبارة المعنى قاصرة عن التناسب مع القافية، فيأتي بمعنى يليق أن يلحق بالمعنى المقصود1.
وهكذا، يبدو أن قول الشعر ليس عملية يسيرة متاحة لجميع الناس، بل إنه من الصعوبة بمكان، كما أن هذه المعطيات المتعلقة بحركية التخييل وطرق اشتغاله تفسر الأقوال المأثورة عن بعض الشعراء المتقدمين الذين رأوا أن نزع ضرس أهون من قول بيت واحد من الشعر، وأن نظم القوافي والقصيد مرهون بظروف معينة؛ من قبيل الاختلاء بالنفس، وركوب الناقة والابتعاد في الفيافي، أو أن تكون الذات الشاعرة في مواقف تستدعي الشعور بالطرب أو الغضب أو النشاط أو الخوف والرهبة... فتتحفز قُوى الإدراك، وتنظر الذات المبدعة في عناصر الطبيعة، وتؤلفها في الذاكرة التي تجمع الصور، وتحرك المائزة التي تميز بين الأشياء والعناصر، وتنتقي ما تشاء منها، ثم تركّب الصانعة الصور، وتتخيل ما يليق بالغرض الشعري المراد أثناء اللحظة الإبداعية، وكل هذه العمليات المعقدة تتم داخل الذهن البشري على نحو من التفاعل والتراكب والتعقيد2.
وليست كتابة القصة أيسر من نظم الشعر وإنشاده محككاً أو مرتجلًا؛ فالأديب حين تحركه البواعث النفسية للكتابة، أو تستثيره القضايا التي يعيشها مجتمعه، يدخل في اللحظة الإبداعية، ويشعر بما يشعر به الشاعر أثناء مخاضات الولادة الشعرية؛ فالقاص يمسك بتلابيب الموضوع الذي أثار انتباهه، وسكن باله، ويفكر في طريقةٍ ما لتحويل القضية إلى قصة قصيرة، فيكد ذهنه أثناء التخييل السردي، ويجد مشقة في البحث عن السيناريوهات المحتملة التي من شأنها أن تصور الأحداث على نحو يمزج بين التخييلي والواقعي/الإحالي. وبما أن القصة تتسم ببنيتها السردية القصيرة، فإن كل قاص يبذل مجهوداً كبيراً، فيتفنن في اختيار شخصية بطلة واحدة، أو شخصيتين على الأكثر، تكون محور الحكي، ويتخيل كيف يؤثث الفضاء الذي ستدور فيه أحداث قصته، ويحدد الزمن المناسب بدقة، ويختار ملامح الشخصية الرئيسة والشخصيات الثانوية المساعدة، ثم يربط بين الأحداث والشخصيات والمكان والزمان، متوسلًا بالرؤية السردية والحبكة التي قد تسعفه في ذلك.
وتزداد صعوبات التخييل السردي في مضمار كتابة الرواية التي تتسم ببنيتها السردية الطويلة، وكثرة شخوصها وفضاءاتها وأزمنتها، وتعقد أحداثها؛ إذ تبدو كتابة الرواية مغامرة غير محسوبة النتائج؛ لأن التخاييل، ههنا، أكثر تعقيداً بالنظر إلى أن الروائي يجد مشقة في تخييل الوضع الذي تكون عليه الخطاطات السردية المتشابكة التي توهم القراء بواقعية الأحداث؛ فيحاول أن يتخيل وضعية البداية التي تجذب الانتباه، وتستجيب لشروط البداية المشوقة المفتوحة على كل الاحتمالات، ويتخيل سبيلًا للتخلص من البداية الهادئة، أو الفلسفية الغامضة، إلى وضعيات الوسط التي تتسم بسيروات التحول المعقدة، ثم يتخيل الخاتمة التي تبدو أكثر صعوبة من تخييلات البداية والوسط، وتستدعي براعة في مخاطبة مشاعر القراء الذين يستمتعون بالعمل الأدبي، ويندمجون في مسرح أحداثه، ويتعاطفون مع شخصياته، ويشعرون تجاهها بالحب والشفقة، أو بالكراهية والحقد.
ولا تقف عمليات التخييل الروائي عند تخيل الخطاطات السردية والحبكة التي تحقق التشويق، وتضمن اتساق الأحداث وانسجامها، وإنما لا بد من تخييل الشخصيات المتعددة التي تخلق الصراع الدرامي، وتخيل ملامحها، وهيآتها الجسمية، وأبعادها النفسية والاجتماعية، وتحديد مواقفها وسلوكاتها وتصوراتها، وتصور العلاقات التي تتخلق بينها، وهي تقوم بالأفعال، وتتصارع داخل مسرح الحوادث للوصول إلى مآربها وغاياتها الأنطلوجية. كما يتخيل الروائي الفضاءات التي تلعب فيها شخصياته الورقية، وتتحرك للقيام بالمهمات، ويفكر في سيناريوهات الأزمنة التي تؤشر على البعد الواقعي الذي لا يمكن للرواية أن تتخلص من سطوته، ثم يأتي صوت الروائي وصداه الإيديولوجي الذي يتخفى وراء عباءة الرؤى السردية المخاتلة التي تتوزع بين الذات المبدعة، وبين ألسنة الشخصيات، وحواراتها الداخلية والخارجية التي تؤجج الصراعات الدرامية، وتكسر رتابة السرد، وتشوق القراء بين فينة وأخرى، انطلاقاً من الفجوات والبياضات التي يتعمد كل روائي خلقها بين ثنايا الأحداث، وآن الانتقال بين الفصول الروائية.

2 - الأدب والذكاء الاصطناعي:

إذا كان الأديب يقضي حياته في دروب الأرق الملازم لعملية الإبداع التي تتأسس على التخييل الشعري أو السردي، ويستمتع في النهاية، حينما يلقى النص الأدبي استجابة من لدن القراء المفترضين الذين يتقصدهم كل عمل أدبي، فإن اقتحام الذكاء الاصطناعي قلعة الأدب قلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ ذلك أن ممارسة الكتابة الأدبية لم تعد باكورة الآلام والآهات التي ترافق لحظة ولادة القصيدة والقصة والرواية، وإنما باتت بنتاً للآلات والروبوتات الذكية المزودة بجرعات عالية من الثقافة. لقد حقق الذكاء الاصطناعي AI إنجازات خارقة وغير مسبوقة في مجالات التكنولوجيا والإعلام والاتصالات، قبل أن يفرض نفسه بقوة في عالم الإبداع الأدبي؛ حيث عمد الإنسان إلى استغلال "قدرات الآلة على فهم طبيعة الذكاء الإنساني عن طريق عمل برامج للحاسب الآلي، وهي برامج إلكترونية/رقمية قادرة على محاكاة السلوك الإنساني المتسم بالذكاء"3. وفي هذا السياق، ظهرت جملة من الأدوات والبرمجيات والتطبيقات التي عمل علماء الكمبيوتر والرقمنة على تغذيتها بكم هائل من المعلومات والمعارف والبيانات data، وتم ربطها بمحركات البحث المتاحة في شبكة الويب العالمية World Wide Web؛ ومن أهم هذه البرمجيات التي شاعت بين مستخدمي النت، يمكن أن نذكر: ChatGPT- scite - consensus- ChatPDF - research rabbit - trinka jeeni - whimsical…
 وما يسترعي الانتباه، اليوم، هو أن هذه الأدوات الرقمية التي تنتمي إلى عالم الذكاء الاصطناعي اكتسحت قلعة الأدب بسرعة قصوى؛ لاسيما أنها فسحت المجال لجميع المستخدمين لكتابة القصيدة والقصة والرواية والمسرحية والسيناريوهات التلفزيونية والسينمائية، وهكذا لم يعد الأدب حكراً على الأدباء والكتاب والمثقفين المبدعين فحسب؛ وإنما برز إلى الوجود "الأدباء الرقميون" الذين يستعينون بتقنيات الدردشة مع الآلة الذكية، ويتحاورون مع "السيد شات ج.ب.ت" MR ChatGPT، فيحددون له موضوع القصيدة ومعانيها، ويقترحون عليه الشخصيات والفضاءات والأزمنة ومجمل الأحداث، ثم يطلبون منه كتابة النصوص الشعرية والسردية، بناء على المعطيات التي اقترحوها عليه، والتي يستثمرها الذكاء الاصطناعي في حدود البيانات التي تمت تغذيته بها، فيكتب النص الأدبي الذي يبدو، في الوهلة الأولى، أنه مشابه للنص البشري الأصيل، ويوفر للمستخدم إمكانات جمة لإجراء تعديلات على المنتوج الأدبي الاصطناعي، حتى يتم إخراجه في صيغته النهائية.
وإذا كانت "أسطورة الذكاء الاصطناعي تفترض ضمنياً قدرة المعلوماتية على الإحاطة بمجموع الوعي البشري بالعالم ومعالجته، التي بدونها لا يمكن للمعلوماتية نفسها أن تزعم امتلاك هذه القدرة على تجاوز العقل الإنساني"4، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي، في أبعد تطوراتها، لا يمكن أن تنتج نصوصاً تتفوق على الكتابات الإبداعية التي تبدعها مخيلة الإنسان/الشاعر/القاص/الروائي وَفق حركية التخييل المعقدة؛ ذلك أنه على الرغم من تزويد الآلات بسيل من البيانات التي تستمر في التدفق والسيلان زمنياً، وتفترض "إمكانية اختزال العالم بأكمله في خوارزميات، أو لغة رياضية قادرة، نظرياً، على ترجمة مجموع اللغات الطبيعية، فإنه لا يمكن سكب هذه اللغات التي تصور البنيات الاجتماعية والمتخيل الجماعي والعواطف وفروقات دقيقة شتى في سلسلات لغة الحاسوب الثنائية ولا حتى الثلاثية، والاعتقاد بقدرة الحاسوب على إنتاج لغة عالمية مطابقة ومناسبة تماماً لواقع العالم، وقادرة على فهم الكون والتحكم فيه"5.
وعلى هذا الأساس، يمكننا إعادة النظر في التصورات والأحكام النقدية التي نطلقها، للمقارنة بين النص الأدبي الأصيل الذي تبدعه ذات الشاعر والقاص والروائي، ويخضع لمعايير الأدبية la littéralité، وبين النص الأدبي الاصطناعي le texte littéraire artificiel الذي تنتجه الحواسيب المزودة ببرمجيات الذكاء الاصطناعي. ويسوقنا البحث في هذه القضية الراهنة إلى إماطة اللثام عن مظاهر التشابه والاختلاف بين ممارسة الكتابة الإبداعية من لدن البشر، وبين صناعة الكتابة الآلية التي تصدر عن ملايين الحواسيب التي يفترض أنها قرأت كل ما كتبه العقل البشري من مدونات ومحبرات ومصنفات، وكتب أدبية وعلمية وفلسفية ودينية، واجتماعية واقتصادية وسياسية؛ فكتابة الذكاء الاصطناعي قصيدة تقليدية من الشعر العربي القديم، ترتهن بما تم تخزينه في ذاكرة الحاسوب من قصائد الشعراء الفحول والمفلقين من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي على الأقل؛ مثل امرئ القيس وعلقمة وزهير وعنترة، وشعراء النقائض، والكميت، وأبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري، وقد تمتد لائحة البيانات المتاحة إلى العصر الأندلسي الذي نبغ فيه ابن زيدون والمعتمد بن عباد وابن دراج القسطلي وابن عمار وغيرهم. ولكن حفظ هذه القصائد كلها يتيح للحاسوب قوة الذاكرة/الحافظة6 فقط، ويجعله في مرتبة أبي نواس الذي ذهب إلى خلف بن حيان الأحمر (ت.180هـ) ليستأذنه في قول الشعر، فطلب منه خلف الأحمر أن يحفظ عدداً كبيراً من القصائد والمقطوعات والأراجيز المأثورة عن القدماء، فلما فعل أبو نواس ما طُلب منه، وعاد لأخذ الإذن مرة ثانية، فاجأه خلف بأن طلب منه نسيان ما حفظ من قبل، وكأنه لم يحفظه.
ومن هذا المنطلق، نرى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكتب نصاً شعرياً يضاهي قصائد القدماء في مستويات اللغة والتركيب والصورة الشعرية والأسلوب، لأن كتابة الشعر لا تتأسس على الذاكرة فحسب، وإنما يكون تفكير الشاعر مختلفاً عن الإنسان العادي بتسجيل الصور في ذاكرته، والتفطن إلى مكامن التشابه والاختلاف بينها بواسطة قوة المائزة، ثم تفكيك مكوناتها، وإعادة تركيبها، بواسطة قوة الصانعة، في صورة غير مسبوقة تتسم بالجدة والابتكار، وتراعي ملابسات السياق النفسي والاجتماعي والتاريخي التي تتحكم في عملية الإبداع الشعري. وبهذا المعنى تكون قصيدة الشاعر المبدع مختلفة اختلافاً كبيراً عن النص الشعري الاصطناعي الذي لا يعدو أن يكون مجرد تجميع للعبارات والتعابير، واجترار للمعاني والصور الجاهزة المستهلكة، مع ضعف في شروط الاتساق التركيبي والانسجام الدلالي الذي يسلب القصيدة رونقها وسبكها، ويخل بمعانيها الكلية المرصوفة. وهذه الحال تنطبق أيضاً على كتابة قصيدة التفعيلة/الشعر الحر؛ إذ لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يأتي بقصيدة تتسم بالجدة، انطلاقاً من مخزونه الشعري حول السياب ونازك الملائكة والبياتي والجواهري والمجاطي وأمل دنقل وغيرهم من الشعراء؛ لأن الجدة والابتكار مرهونان بحركية التخييل التي تتفاعل فيها عمليات متراكبة ومعقدة، يتضافر فيها النفسي والاجتماعي والتاريخي والثقافي.
ومن اللافت أيضاً، في هذا العصر الرقمي المتسارع، أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كتابة القصة والرواية قد ذاع بين المثقفين، وانتشر انتشار النار في الهشيم، حتى صار هذا النوع من الروايات معروضاً للبيع في أشهر المواقع الإلكترونية؛ مثل Amazon Kindle Direct Publishing، وFlip، وHTML5، وBlurb، وPayHip، وFlipBuilder، وKobo Writing Life. كما تضاعف عدد المواقع التي تعرض خدمات تعلم كتابة المحتوى بالذكاء الاصطناعي مقابل سعر محدد؛ من قبيل: Jasper - Simplified - Katteb - Rytr - Reword - Copy AI - Write sonic - Pepper content AI - Shortly AI …
ولكن القارئ المتخصص سرعان ما يكتشف أن القيمة الأدبية لهاته الأعمال لا تقوى على مجاراة العمل الأدبي الذي يخضع لسيرورات حركية التخييل، ويولد ولادة عسيرة أثناء مخاضات اللحظات الإبداعية الطافحة بالآهات والآلام النفسية الممتزجة بنكهة متعة الكتابة ولذة الابتكار؛ لاسيما أن التشابه بين الكتابة البشرية الخالصة، وبين الكتابة الرقمية الاصطناعية/الآلية، في مستوى مكونات النصوص الشعرية (الوزن، والإيقاع، والقوافي...) والسردية (الحوادث، والشخصيات، والزمكان، والحوار، والرؤى السردية، والحبكة...)، لا يعني مضاهاة العمل الإبداعي الآلي للممارسة الإبداعية البشرية، ولعل خير دليل على ذلك هو ما يسجله القارئ بخصوص افتقار الرواية الرقمية الاصطناعية إلى الاتساق والتماسك، بسبب تهلهل الأفكار، وغياب الروابط اللغوية المناسبة بين الألفاظ والعبارات والجمل، فضلًا عن عدم تماسك الفقرات الناتج عن إهمال وظيفة الروابط المنطقية التي تميز منطق اللغة الطبيعي، الذي يحكم اللغة الحية، من منطق الرياضيات البرهاني الذي يربط الخوارزميات والمعادلات الحسابية.
وتأسيساً على المعطيات التي نثرناها سالفاً، نستخلص أن القفزة العلمية التي حققها الذكاء الاصطناعي في مجالات التكنولوجيا الرقمية والإعلام والاتصالات، لا تعني، البتة، أن ذكاء الآلة يمكن أن يتفوق على الذهن البشري في ما يتعلق بالممارسة الإبداعية التي تكون مرهونة بجملة من الشروط الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وتتولد بسبب بعض البواعث النفسية، وتخضع لسيرورات من التحولات الذهنية التي تفسر حركية التخييل، بوصفه جوهر العملية الإبداعية وكنهها. ولذلك، نجد أن النص الأدبي الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي يظل سجيناً لمعجم محدود يتكرر باستمرار في تضاعيف النصوص، وتغيب عنه خصائص الجدة والابتكار والفرادة التي تنجبها التجربة المعاشة المفعمة بالأحاسيس والمشاعر والعواطف الحقيقية، مما يجعله نصاً جافاً من حيث مبادئ الاتساق والانسجام الدلالي، وعارياً من حيث التصوير والتشكيل البلاغي.

 

الهوامش: 1. يمكن الرجوع، في هذا الشأن، إلى كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم القرطاجني، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط3، 1986.┃2. كانت العرب قديماً تفسر قول الشعر بتدخل القُوى الغيبية (الجنة، والشياطين)، حتى جعلوا لكل شاعر شيطاناً يملي له ما ينشد من قصيد ومقطوعات وأراجيز، وهناك من فسر قول الشعر بأحوال واستعدادات نفسية، ثم نضج الوعي النقدي بعد ذلك، ونظر النقاد والبلاغيون إلى الشعر في إطار القضايا النقدية المعلومة؛ مثل قضية النحل والانتحال، وقضية اللفظ والمعنى، وقضية الطبع والصنعة، وقضية الفحولة، وقضية القديم والمولد، وقضية الصدق والكذب، وقضية التخييل.┃3. بلحسين سليمان، دور الذكاء الاصطناعي في تطوير البحث اللساني العربي، ضمن كتاب اللغة العربية وبرامج الذكاء الاصطناعي، الواقع والرهانات، أعمال الملتقي الوطني بجامعة اسطمبولي معسكر، منشورات المجلس الأعلى، 2019، ص: 45 بتصرف.┃4. هرفي فيشر، التفكير السحري والذكاء الاصطناعي، زاغ رقم 2 في سلسلة أعداد ال 1 وال 0، ضمن كتاب الإنسان في مهب التقنية، من الإنسان إلى ما بعده، ترجمة محمد أسليم، مطبعة بلال، فاس – المغرب، ط1، 2019، ص: 158.┃5. المرجع نفسه، ص: 159 بتصرف.┃6. شرح حازم القرطاجني حركية التخييل، انطلاقاً من قوى الإدراك الذهنية (الحافظة والمائزة والصانعة)، وبين ذلك بمنتهى الدقة، بل فسر حتى حركية التشبيهات واختيار الأساليب المناسبة للسياقات.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها