
لقد أصبحت أعين الشباب ملتصقة بشاشات الهواتف الذكية لا تكاد تفارقها، وأصبحت العوالم الافتراضية تملأ أفقهم بالكامل. فما هو تأثير ذلك على عقولهم؟ في كتاب صادم، يتهم جوناثان هايدت شاشات الهواتف بأنها تلحق الضرر بالمراهقين، وتسبب لهم "تدهورًا عصبيًا" خطيرًا، وهذا الكتاب أثار جدلاً ساخنًا في صفوف المختصين بين من يؤيد طروحاته ومن يعارضها.
◀ النص المترجم
لقد أصبح كل من الأب والأم المعاصرين يستسلمان لهاجس حماية طفلهما، فيغلقان دونه باب المنزل... وبغير إدراك منهما، يتركانه لوحده أمام مخاطر يومية أكبر وأكثر ترويعاً من كل ما يمكن أن يصادفه في الخارج. فهل يعني وجود الطفل في غرفته أنه غير معرض للاجتماع برفاق السوء، وأنه في مأمن من التعرض للسرقة، أو العنف، أو الوقوع ضحية لتجار المخدرات؟ وهل نكون على علم بما يفعله ومع مَن؟ الجواب للأسف هو لا. والأسوأ من ذلك أن هذا الطفل، وعلى بعد أمتار قليلة منا، يتحول إلى مدمن ويصاب باضطراب القلق النفسي. وهذه الشرنقة التي يحبس نفسه داخلها تتحول إلى أداة لتعذيبه. فيا للحسرة.
هناك إفراط في حماية الأطفال على مستوى الواقع، وإفراط في إهمالهم على مستوى العالم الافتراضي: هذا هو الطرح المتناقض والمقلق الذي يدافع عنه جوناثان هايدث في كتابه "الجيل القلق" منشورات1 Les Arènes، 2025. جوناثان هايدت الذي بدأ مساره البحثي في مجال علم النفس الإيجابي، درَّس بعد ذلك القيادة الأخلاقية بجامعة نيويورك، قبل أن ينتهي به الأمر باحثاً يقرع الأجراس، ويطلق التحذيرات بشأن أضرار الشاشات على فئة المراهقين أو ما يسمى بجيل Z.
انتباه! الحماية المفرطة خطر
يرسم هايدث صورة شبه كارثية. فبين عامي 2010 و2020 فقط (أي، دون احتساب تداعيات كوفيد)، شهدت حالات القلق في الولايات المتحدة ارتفاعًا بنسبة 134% بين الطلاب، وبنسبة 139% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عامًا. بينما في الوقت نفسه، تبين الإحصائيات أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً، يتمتعون على ما يبدو بصحة نفسية جيدة، حيث انخفض معدل القلق لدى هذه الفئة بنسبة 8%... لا شك إذن أن المرء كلما ازداد شباباً ازداد قلقاً، وأن هذه الظاهرة آخذة في التفاقم بشكل مضطرد. ماذا عن معدل الانتحار؟ لقد ارتفع هو الآخر بنسبة 91% لدى الفتيان في الفترة نفسها، وبنسبة 167% لدى الفتيات، وهذا معطى جديد مخالف لما ظلت الأرقام تبرزه في السنوات السابقة، حيث كانت الفتيات أقل إقداماً من الفتيان على الغوص في الإلقاء بأنفسهن في الهاوية. أما بالنسبة لمعدلات التردد على مصالح المستعجلات إثر واقعة إيذاء ذاتي، فقد ارتفعت بنسبة 48% لدى الفتيان، و189% لدى الفتيات. ويبدو الوضع متشابهاً نسبياً بين جميع الدول الغربية.
والحال- أن الفترة نفسها، أي ما بين 2010 و2020، قد شهدت انفجاراً في ما يتعلق باستعمال الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي، التي ظلت تحيد تدريجيًا عن وظيفتها الأولية (الحفاظ على التواصل بين الأصدقاء). فمع إضافة أزرار الإعجاب والمشاركة، أصبحنا نسعى جاهدين لنيل التحقق الاجتماعي، أي جلب الانتباه والسعي إلى الشهرة. وانتقلنا من "ماذا تفعل"؟ الشعار الأول لتويتر، إلى: "إذا كنت تحبني فتابعني". وفي خضم ذلك، جُهزت الهواتف بكاميرات التصوير وقامت فيسبوك بضم إنستغرام، وأصبح بمقدور أي شخص أن يتسول بضع لحظات تحت الأضواء لكي يرضي بها نرجسيته الآخذة في التضخم. وتم تهييء كل شيء بعناية من أجل تحفيز تحيزاتنا الذهنية، لاسيما تحيز المطابقة (التصرف مثل الآخرين)، وتحيز التفوق (إبهار الآخرين).
وإذا كانت الفتيات أكثر عرضة من الفتيان للإصابة باضطراب القلق، فلأنهن أكثر رغبة في التواصل: ولأن المجتمع يشجعهن على الحوار، فهن يستخدمن الشبكات الاجتماعية أكثر، ويعقدن المقارنات بين بعضهن أكثر... ويصبن بخيبة الأمل أكثر. أما الفتيان، الذين ينصرف اهتمامهم إلى الألعاب الإلكترونية والمحتوى الإباحي، فهم يتأثرون أيضاً، ولكن بطريقة أخرى: فهم يميلون أكثر إلى العزلة، ويفضلون التواصل المباشر مع بعض الأصدقاء عبر العوالم الافتراضية التي تُبنى على قيم أقل ما يقال عنها أنها غير واضحة، ويواجهون صعوبات أكبر في ترك بيئة الأسرة والاعتماد على أنفسهم.
ففي الوقت الحالي، يقضي المراهقون الأمريكيون ما متوسطه سبع ساعات يومياً أمام الشاشات، بالإضافة إلى الوقت الذي يتطلبه إنجاز واجباتهم المنزلية. وهذا يمكن أن يفسر بشكل كبير ما يعانيه هؤلاء الشباب، حيث إن نموهم النفسي يتعرض للاضطراب في فترة شديدة الحساسية، فترة بداية المراهقة، التي تشكل مرحلة مهمة وحاسمة في التشكيل العقلي لدى الفرد تماماً كمرحلة الطفولة الأولى. فمع انتشار الشاشات وازدياد الوقت الذي يقضيه الطفل أمامها، حلت "طفولة السمارتفون" محل طفولة اللعب مع أقران من لحم ودم، يمكن لمسهم واختيارهم بشكل شخصي وغير موجه. وقد أصبح الجيل Z يضم العديد من "فئران التجارب لتربية جديدة كليا"، أو ما يصطلح عليه الكتاب بـ"عملية إعادة ربط الطفولة بشبكات العالم افتراضي"، والتي بدأت في الفترة الممتدة بين 2010 و2015، وهي الفترة التي شكلت "السبب الرئيس لانتشار وباء عالمي للأمراض النفسية بين المراهقين"، وهو الأمر الذي يتأسف المؤلف له.
يستعرض جوناثان هايدت أربع عواقب رئيسة لما أسلفناه يعاني من وزرها هذا الجيل. أولاً، نقص النوم. إذْ يفترض أن ينام المراهقون كثيراً خلال هذه السنوات الحاسمة لتطورهم الدماغي، لكنهم ينامون أقل من المطلوب (مراهق واحد من بين اثنين لا يحصل على قسط كافٍ من النوم)، ويعانون من الأرق (مع فترات دخول في النوم طويلة واستيقاظ متكرر)، وهو ما يشكل عامل خطر كبير على الصحة النفسية، ويزيد بشكل خاص من مخاطر الإصابة بالاكتئاب.
ثانياً، الانعزال الاجتماعي. لقد قلص المراهقون الأمريكيون إلى النصف الوقت الذي يقضونه في ممارسة الحياة الواقعية برفقة الأصدقاء خلال العقد الأول من الألفية فقط، قبل فترات الحجر الصحي. ثالثاً، تشتت الانتباه. بسبب وابل الإشعارات التي ترسلها الخوارزميات بشكل متواصل، فنادراً ما يتمكن المراهقون من التوقف والتفكير لمدة تزيد عن عشر دقائق. وهكذا يفقدون القدرة على التركيز. رابعاً، الإدمان: فهم يستهلكون المحتويات القصيرة بدون توقف. هذه المحتويات تجدد جرعات الدوبامين المرتبطة بالمتعة اللحظية. مما يدفعهم بالمقابل إلى الإحساس بفتور إزاء المواقف اليومية الأخرى، ويسهم في ظهور اضطراب نقص الانتباه مع أو بدون فرط النشاط (TDA/H)، أو يؤدي إلى تفاقمه. هذه الصعوبات في الانتباه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتأخر نضج القشرة الأمامية للمخ، وهي منطقة محددة في التحكم بسلوكياتنا.
فما العمل إذاً؟ يقترح جوناثان هايدت أربع توصيات رئيسة. لا للهواتف الذكية قبل سن 14 عامًا. لا للشبكات الاجتماعية قبل سن 16 عامًا. لا للهواتف الذكية في السياق المدرسي. الألعاب يجب أن تكون حرة ومستقلة، مع الأقران، وفي غياب الشاشات. هذه التوصيات لا تصدر عنه فقط؛ وإنما تتقاطع مع ما توصي به العديد من جمعيات الصحة العقلية.
الأسباب والنتائج:
يبدو خطاب الكاتب صادماً، وملائماً لاحتياجات العصر، ويحث على تغيير عاداتنا جميعاً، دون تأخير. لكنه أيضاً لا يحظى بالإجماع. فمنذ عدة سنوات مضت، شككت أبحاث إيمي أوربن وأندرو برزيبيلسكي من جامعة أكسفورد في كون الشاشات تلحق ضرراً بالأطفال2. بل إنهما أكدا بأن أن العلاقة السببية قد تكون معكوسة: الشباب الذين يعانون من القلق بالفعل هم من يستخدمون الشاشات بشكل مفرط.
كانديس أودجرز، الأستاذة في جامعة كاليفورنيا في إيرفين وفي جامعة ديوك، توجه النقد لكتاب "الجيل القلق" وتنفي وجود علاقة سببية مباشرة بين استخدام الهواتف الذكية والتأثير السلبي على الشباب3. وهناك باحثون آخرون، مثل إيمي أوربن من كامبريدج، يرون أن تأثير الشاشات على المراهقين قد يكون مهملاً، مقارنة بالتغذية أو النوم أو التمارين الرياضية أو العلاقات الاجتماعية (وهي أطروحات لا يتم الترويج لها في وسائل الإعلام بالقدر الكافي)4. ويرى باحثون آخرون، مثل ميشيلين جنسن من جامعة كارولينا الشمالية في غرينسبورو، أن التأثير الأكبر يكمن في حالات الاكتئاب الموروثة جينياً والأحداث المسببة للقلق داخل المحيط الأسري5. وبإمكاننا العثور على العديد من هذه الدراسات التي تؤكد أن الضرر المزعوم للشاشات قد لا يكون بهذا القدر من الخطورة، كما يمكن أيضاً العثور على العديد من الدراسات الأكثر تشاؤماً.
وعلى الرغم من صعوبة المرور من علاقة تزامن (حدوث ارتفاع في منسوب الاضطرابات العقلية لدى الشباب في الوقت نفسه الذي انتشر خلاله استخدامهم للشاشات) إلى علاقة سببية (الظاهرة الأولى تتسبب بالتأكيد في حدوث الظاهرة الثانية)؛ فإن جوناثان هايدن يتحلى بما يكفي من الشجاعة ليقطع بالجزم.
يسطر هذا الباحث بأن الشاشات، وبخاصة شاشات الشبكات الاجتماعية، هي "التفسير الأكثر رجحاناً لانهيار الصحة العقلية للمراهقين حسب ما أراه". يكرس الباحث أربع صفحات فقط (من أصل مائة وأربعين صفحة، دون احتساب صفحات المراجع) لمناقشة الحجج المضادة، أفلا يكون السبب في تشاؤم الشباب راجعاً لكم الأزمات التي يمر بها العالم؟ لكنهم لم يعانوا فعلياً من أثر هجمات 11 سبتمبر، ومن الصراع في أفغانستان أو العراق، ولا حتى من الأزمة المالية لسنة 2008، أو ارتفاع معدلات البطالة.
هناك إذن شيء ما يحدث مع هذا الجيل. "إذا كان السياق الدولي يؤدي دوراً في أزمة الصحة العقلية في الوقت الحالي، فليس لأنه ازداد سوءاً بشكل مفاجئ في عام 2012، بل لأن المراهقين قد تلقوه على وجوهم عبر الهواتف مثل صفعة مفاجئة، ولم يكن ذلك في شكل معلومات، بل في شكل منشورات أو تعليقات لشباب آخرين تعبر عن مشاعرهم إزاء عالم يسير نحو الانهيار، وهي مشاعر تنتقل كالعدوى عبر الشبكات الاجتماعية". ألا يكون السبب إذن هو التغير المناخي؟ يمكن أن يُعتبر هذا الأخير تهديداً جماعياً يثير القلق ويحفز المواطنين: "نحن لا نغرق في الاكتئاب عندما نواجه مخاطر جماعية؛ نحن نغرق في الاكتئاب عندما نشعر بالعزلة والوحدة وعدم الجدوى. أما عن كون المراهقين قد أصبحوا اليوم يبوحون بمشاعر القلق بصورة أكثر تلقائية، فلا يمكن لهذا العامل وحده أن يفسر "سيل الألم" العارم هذا.
أما في ما يخص الفوائد المحتملة التي يمكن أن يجنيها الأطفال والمراهقون من استعمال الشبكات الاجتماعية؛ فإن المؤلف قد خصص لها ثلاث صفحات لا أكثر. صحيح أن معظم الشباب يقولون بأنهم يشعرون بأنفسهم أقرب إلى أصدقائهم وأكثر مقبولية بفضل هذه المواقع، وأنهم يحصلون على التسلية، ويستمتعون بمختلف إبداعات صناع المحتوى. لكن المؤلف يرد بأن:
1) هذه الفوائد المحتملة ليست مدعومة بما يكفي من الأدلة.
2) الخير الذي تجلبه الإنترنت كان سيظهر بشكل أوضح في غياب الشبكات الاجتماعية.
3) هناك إمكانية لأن يدعم أفراد أقلية معينة بعضهم بعضا من خلال الشبكات الاجتماعية، لكن هناك إمكانية أكبر لأن يصبحوا هدفًا للتنمر الإلكتروني.
4) المراهقون يمكن أن يجنوا فوائد أكبر مقارنة بالأطفال الأصغر سنًا.
وعلى الرغم من أن جوناثان هايدت لم يستفض كثيراً في مناقشة بعض التحفظات وفضل أن يمر عليها مرور الكرام، إلا أن مؤلفه هذا يشبه حجراً في بركة ماء آسنة، وهو أمر مرحب به لتشجيع البحث العلمي، وتعزيز الجهود السياسية في اتجاه دعم الشباب بشكل أفضل من أجل اجتياز ثورة رقمية ذات تأثيرات عميقة. لقد كان لكتابه صدى فوري. فما إن نشر حتى احتل مكانه ضمن الكتب الأكثر مبيعاً. ولعل أبلغ تلخيص لهذا المؤلف هو وصفه لمراهقي اليوم بأنهم جيل من رواد المريخ تم إطلاقهم من دون بوصلة في عالم جديد ومجهول. "فقبل أن نرسل أطفالنا إلى المريخ، حبذا لو تركناهم أولا يعيشون فوق الأرض".
هوامش:
1. يتعلق الأمر هنا بدار النشر التي أصدرت الترجمة الفرنسية. أما الكتاب في نسخته الأمريكية الأصلية، فوصفه البيبليوغرافي على هذا النحو :
The Anxious Generation: How the Great Rewiring of Childhood Is Causing an Epidemic of Mental Illness, Jonathan Haidt, 2024, Penguin Press. (المترجم)
2. Amy Orben et Andrew K. Przybylski, "The association between adolescent well-being and digital technology use", Nature Human Behaviour, vol. 3, 2019/2
3. Candice L. Odgers, "The great rewiring: Is social media really behind an epidemic of teenage mental illness?", Nature, 29 mars 2024 * online
4. Amy Orben, "Teens, screens and well-being: An Improved approach", amyorben
5. Michaeline Jensen et al., "Young adolescents’ digital technology use and mental health symptoms: Little evidence of longitudinal or daily linkages", Clinical Psychological Science, vol. 7, 2019/6