في موريتانيا يكادُ فن القصة القصيرة أن يكون أنثوياً، إذْ يمكنك أن تعد العشرات من كاتبات ومشاريع كاتبات القصة، "الكوتا" التي تصاحب مشاركة المرأة في الحياة السياسية رفعتها بنات حواء في شنقيط إلى قرابة النصف في ميدان السرد.
رغم أن تاريخ أول قصة نشرت باسم امرأة في البلد يعود الى عام 1978 مع قصة "الفتاة المعذبة" للكاتبة عائشة بنت زين العابدين، إلا أن القصة الفنية المقترنة بتاء التأنيث في موريتانيا عرفت ملامح تشكلها الحقيقي في تسعينيات القرن الماضي، على يد رائدات لا يصلن إلى عدد أصابع اليد، حفرن أسماءهن في الصخر، طرقن موضوعات كان الحديث عنها يدخل في إطار التابوهات في المجتمع التقليدي الذي ينتمي له هذا الرباعي.

الاسم الأول هو خديجة بنت عبد الحي المولودة عام 1965 بمدينة المذرذرة في الجنوب الغربي الموريتاني، وهي شاعرة تنتمي لأسرة محافظة عرفت بالاهتمام بالمعارف الشرعية، ورغم أنها وهبت للشعر الكثير، إلا أنها لم تبخل على القصة بإبداعاتها، فكتبت "نقوش على جدار الحافلة"، وهي معالجة جريئة للصدمة الحضارية التي أحدثها انتقال الموريتانيين من عالم البادية إلى المدينة، وثورة الجديد على القديم، من خلال قصص تتخذ شخوصها من بين الناس العاديين الذين تمتلئ الأزقة الفقيرة بعشرات منهم.
لعل حضور كلمة الحافلة في عنوان المجموعة القصصية الوحيدة للأديبة الراحلة، التي انتقلت إلى العالم الآخر عام 2002، ولما تنفذ مشروعها الإبداعي الخاص بها، توحي أول وهلة بمحاورة واقع البسطاء العاديين، ولا تخلو كلمة "الحافلة" من رمزية، فما الحياة إلا حافلة في معنى من المعاني، وبما أنها وسيلة مغرقة في الشعبية، فمن الطبيعي أن تحفل بشخصيات من مختلف مستويات المجتمع، وفي هذا الإطار تندرج قصص المجموعة.
وفي قصتها "سياحة بين الدروب" تواصل خديجة بنت عبد الحي معالجة ذات القضايا التي تشغل زميلاتها في الوطن العربي، المصطدم بالحداثة الغربية، تلك الحداثة التي تحاول أن تقتلع الآخر من جذورها، مع أننا لن نخطأ نقداً اجتماعياً للواقع المُعاش في المجتمع الموريتاني الذي كان يمر حينها بمرحلة الانتقال من البداوة إلى المدنية، مما يطرح عديد أسئلة كان على الكتاب الانبراء لتقديم إجابات لها.
أما الثانية من هذه الكوكبة النسائية فهي شاعرة مثل سابقتها، الدكتورة مباركة (الشهيرة باسم باته) بنت البراء، المولودة عام 1957 بنفس المدينة، التي تعتبر من قلاع الثقافة في البلد، تنتمي إلى نفس الوسط الاجتماعي الذي تنتمي له سابقتها، ورغم اهتمامها بالإبداع الشعري، وكونها صاحبة أول ديوان ينشر باسم امرأة في موريتانيا، إلا أن القصة أخذت بعضاً من وقتها، فكتبت "الأظافر الحمراء" عن مشاكل الخيانة الزوجية، بطلة القصة يخامرها الشك حول إخلاص ووفاء زوجها، وتنصب له مكيدة أنثوية، ويسقط المسكين في الفخ، ومعه تنهار علاقة الزواج.
كما أن مجموعتها "حكايات الجدة" للأطفال، تسبح في إطار تنشئة الأطفال على الموروث التقليدي وعلى محاربة أو قل مقاومة الواقع الجديد.
ثالثة الرباعي أم كلثوم بنت أحمد، هي أغزرهن إنتاجاً، ربما لتمحضها للسرد، فهي لم تطرق ميدان الشعر، وتشكل مجموعتها القصصية "مارية" نقلة نوعية في الأدب النسائي الموريتاني، وتحكي عن هموم عدة، تتحاور في إطار عام هو الهُوية الموريتانية وتسجيل الدخيل عليها.
ومن بين قصص المجموعة الرمزية، والتي توحي بانهزام القديم أمام الجديد الذي حاربه في عقر داره قصة "تلك المشية"، وهي تدور حول حياة قرية كان أهلها يمشون بشكل طبيعي، قبل أن يباغتهم مرض عجيب قلب عاليهم سافلهم، فأصبحوا يمشون على رؤوسهم، وأقدامهم تعلو متخذة وضعية الرؤوس.
القراءة الأولية للقصة تستدعي في أول مستوياتها أن ما كان عجيباً ومنبوذاً صار طبيعياً وعادياً، فالدنيا قلبت، غير أن الهم السياسي والاجتماعي يحضر أحياناً في المجموعة، التي كتبتها قاصة مخلصة للسرد، لا يفوتنا أن نذكر أنها تنتمي إلى نفس المحيط الاجتماعي الذي تنتمي له زميلتاها.
وفي قصتها "حريـق"، التي كتبت على لسان راوية أنثى، تهرب من عيون جاحظة، تحاصرها في كل مكان، مما يدفعها للعيش على حافة الجنون، تتمنى من فرط ضيقها بالعيون المراقبة أن لو كان الأمر هستيرياً وتخيلات، لكن العيون التي تتراءى لها عيون بوم أو خفافيش، ما انفكت تحكم الخناق عليها، فرامت، وهي الراشدة، أن تلجأ إلى مسكن لتخفيف الآلام، وليس هذا المسكن إلا اللعب.
وتواصل "تذكرت بداية هذا العذاب عذاب العيون الجاحظة.. فمنذ مدة ليست باليسيرة ومعاول تضرب قلبي بلا رحمة ودمار شامل يعصف بي.. أحياناً أقوم بترميمات لقلبي... وأحياناً كثيرة أتركه للمعاول وأتناساه في خضم الحياة.. وكلما اشتدت ضربات المعاول على قلبي كل ما اتسعت رقعة الدمار في داخلي... كل ذلك وأنا أرسم قناعاً سميكاً على وجهي".
ثم أصبحت تتلهى بتخيل أنها تقتل إنسانا "شيخ قبيلتي مثلا أو نائب قريتي أو سر عذابي ودماري"، شخوص مختارة بعناية يتبدى فيها الضيق بالمجتمع "المحنط"، إرادة هدم القديم السيء يدعمها طموح لبناء الجديد الجيد "ومرة أجدني ربة بيت أو أما لأطفال يتامى أو أحفر بئراً وسط الصحراء"، وفي النهاية تفشل ترميمات القلب، ويحترق القناع، والآلام تتنامى، والمعاول تواصل ضرباتها في عناد صبور، لترى أشلاءها تناثرت وبقايا دمائها قد نزفت، حينها تفقد الإحساس بالألم.
وتقول أم كلثوم إنها تأثرت في بداية كتاباتها بنجيب محفوظ، وتواصل: "أسرتني واقعيته الرصينة الهادئة السهلة الممتنعة، فأتت باكورة أعمالي على منواله كقصتي "الأجير"، و"ملتقى طرق"، و"ابن الكبة".... إلخ. إلا أن هذه المحطة سرعان ما تغيرت –أعني مرحلة التقليد والتأثر- فاجتازها قطار إبداعاتي إلى المشاغبة بالأحداث الواقعية ومزجها بالخيال والأسطورة في أسلوب سريالي ضمن قالب شعري نثري، ومثال ذلك قصصي "انتحار"، و"الهزيمة والوهم".
رابعة رائدات القصة في التسعينيات هي الكاتبة الصحافية حواء بنت ميلود التي عرفها قراء صحيفة الشعب محررة اجتماعية في نفس الفترة.
على أنها سرقت من وقت مهنة المتاعب لحظات سطرت فيها سرداً أدبياً لا يبتعد في الموضوع عن اهتماماتها الاجتماعية التي تطرقها في الصحيفة، والتي تتمحور حول مشاكل المرأة الموريتانية وسؤال تقدمها.
في قصتها "هستيريا الغضب" تتحدث عن أكبر مشكلة اجتماعية تعصف بالمجتمع الموريتاني، وهي الطلاق الفوضوي لأبسط سبب، تفقد فيها سيدة بيتها وزوجها للاشيء، فقد أراد الزوج أن يبقى التلفزيون مفتوحاً وهو الأمر الذي رفضته الزوجة، فكان الطلاق، مشهد لا يخلو من الواقعية، ولا يجنح إلى المبالغة، فكثير من الطلقات في موريتانيا تحدث على خلفية أسباب أتفه من هذا.
أما قصة "أريد أن أكون امرأة" فتتحدث عن سيدة شاءت لها الأقدار أن تكون مديرة لمؤسسة اقتصادية عملاقة، فلبست قناع القسوة وغياب الروح الأنثوية فترة كانت تلقي فيها المحاضرات على العاملين حول التعامل الاقتصادي والسوق، وأشياء لا تمت لروح بنت حواء بقرابة، وفي لحظة من اللحظات تجدها بحاجة إلى أن تصرخ ملء فمها أريد أن أكون امرأة، وفجأة تنهار أمام الرجال من موظفيها الذين تخيلوها سيدة فولاذية.
ويرى الناقد والقاص د. محمد الحسن ولد المصطفى أن كتابات قاصات التسعينيات تندرج في إطار الواقعية التسجيلية، وهي مدرسة تجنح إلى توثيق الواقع من دون التركيز على الرمز وجماليات السرد الثانوية.
فيما يقول: إن التماعات سريالية رمزية تبدو أحياناً في قصص الكاتبة أم كلثوم بنت أحمد، خصوصاً عندما تحاول أن لا تكون مباشرة في طرق المشاكل السياسية.
***
وترى الكاتبة السالكة بنت اسنيد (رحمها الله) أنه "مع تطور المجتمع الموريتاني وانتشار التعليم داخل مختلف فئاته بما فيها المرأة، وجدت شاعرات وكاتبات صحافيات وقصاصات ومحاضرات، وتناول الإنتاج النسائي مختلف أوجه الحياة الوطنية والثقافية والاجتماعية، ونشرت دواوين كديوان خديجة بنت عبد الحي، ومباركه بنت البراء، كما ظهرت مجموعات قصصية لبعض الفتيات، وظهرت كذلك أقلام صحفية كهند بنت عينينا (وزيرة سابقة للثقافة)، والدكتورة فاطمة بنت عبد الوهاب".
وفي مقالتها القيمة "مكانة المرأة في الثقافة الموريتانية قديماً" تحدثت الشاعرة والكاتبة الشاملة خديجة بنت عبد الحي (1965-2002م) عن حوافز الإبداع الثقافي النسائي الموريتاني، وقالت إن منها: "عدم وجود ظاهرة الحجاب وحضور المرأة في النشاط العام، إذْ يمكن القول إن طبيعة الحياة البدوية المفتوحة جعلت كسب المعارف من الوسط أمراً سهلاً، لانتفاء الحواجز الموضوعية..".
وتقول القاصة جليلة بنت معلام التي تعد من جيل الألفين من كاتبات القصة في موريتانيا أن الأدب النسائي في موريتانيا يتمحور حول ثلاثة أقسام، هي:
1. كتابة النساء: وهي الكتابة التي تتجه نحو مواجهة سلطة المجتمع الذكوري.
2. كتابة الأنثى: وتحيلنا هذه الكتابة إلى الموقع البيولوجي، فهي كتابة هشة، مهمشة، تتحدث بخنوع وميوعة وخوف.
3. كتابة الأنوثة: وهي الكتابة التي تقع ضمن المحددات الثقافية والأعراف التي وضعها المجتمع لها.
أما زميلتها طيبة بنت إسلم، التي نشرت عام 2007 مجموعة "شغف الذاكرة"، فترى أن "تجربة المرأة الموريتانية في الكتابة لا تزال في طور النشأة والتكوين، ومن السابق لأوانه الحديث عنها كنمط إبداعي يمتاز عن الكتابة الرجالية، ذلك أن أي حديث من هذا القبيل سيكون من باب التقديرات الجزافية، فكل التجارِب النسائية في مجال الأدب لا تزال محصورة في نطاق ضيق من الإبداع والتلقي، وهو ما يصعب معه الحديث بشكل تفصيلي عن هذه التجربة".
فيما تقول الدكتورة مباركة بنت البراء في مقالتها: "حياء معرفي" متحدثة عن السبب في قلة المبدعات في موريتانيا "إن الظروف الاجتماعية والبيئوية قلما تساعد المرأة في تحصيل ثقافي، فمنذ نعومة أظافرها تؤخذ بترتيب شؤون الخيمة أو الحقل أو الرعي ثم تربية الأولاد... وأحياناً يدفع بها إلى التسمين "لبلوح"، فلم يكن الاهتمام منصباً على تدريسها حتى في البيئات المثقفة أحياناً..".
***
الكتابة النسائية في موريتانيا على العموم ضئيلة إذا ما قِيست بحجم الكتابات في البلد بصفة عامة، غير أنه مع الجيل الجديد من القاصات، اللواتي دخلن الساحة بعد الألفين، والمعضد للجيل الأول الذي عرفته التسعينيات، يمكننا الحديث عن نهضة سردية نسائية قادمة في موريتانيا.