زمن الغضب: تأريخ الحاضر

حسان العوض


يستمد هذا الكتاب أهميته من الثقافة المزدوجة لمؤلفه بانكاج ميشرا، الذي يجمع بين ثقافته وتنشئته الهندية واندماجه في الثقافة الغربية الإنجليزية. وفيه يرجع المؤلف أحداثاً قد تبدو متباعدة ومختلفة إلى مصدر واحد، إذْ تعكس كلها الاستياء العميق لدى شباب يشعر بالتهميش بعد قرنين من التقدم الذي روج له فكر التنوير وجسدته الحداثة الليبرالية. في سياق تاريخي فكري سياسي، يبين المؤلف أن الأحداث المتسارعة في عالم اليوم ليست أحداثاً عابرة آنية أوجدتها الظروف والمصادفات، بل تضرب جذورها التاريخية في طبيعة تطور المجتمعات الرأسمالية الحديثة.


يعتمد الكتاب منظوراً مختلفاً جداً عن المقاربة السائدة لأزمة عالمنا، فالمقاربة التي يقترحها المؤلف لأزمة عالمنا ترى أن الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي رافقت نمو الاقتصاد الرأسمالي الصناعي في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وأدت إلى حروب عالمية وأنظمة شمولية وعمليات إبادة جماعية في النصف الأول من القرن العشرين، عمّت الآن مناطق أوسع من العالم. ويتجاوز مدى الأزمة العالمية بكثير مسألة الإرهاب والعنف، فالمتشبثون بفكرة تصادم الحضارات العالمي الذي يواجه فيه الإسلام الغرب، ويقف فيه الدين عقبة أمام العقل، يقفون عاجزين عن تفسير عديد من الأمراض السياسية والاجتماعية والبيئية.

يهدف الكتاب إلى إبراز بعض الظواهر التاريخية المتكررة عبر العالم، كان مصدرها الأساسي المشترك هو ظهور الحضارة التجارية الصناعية في الغرب، واستنساخها في مناطق العالم الأخرى، مع محاولة إبراز كيفية انتشار عقيدة تمكين الفرد والجماعة عبر العالم عن طريق المحاكاة الانتقامية أو الفرض القسري، مما سبب اختلالات حادة، وفقدان التوازنات الاجتماعية واضطرابات سياسية.

يركز الكتاب أساساً على مفكري القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الألمان والروس والإيطاليين الذين غرست أفكارهم في أذهان محبطين دخلوا الحداثة متأخرين، شعوراً لاهوتياً بالقدر، تختلط فيه أحلام وحدة الجماعة بتأكيد الفردانية.

يعتبر الكتاب ظاهرة الاستياء الخاصية الأساسية المميزة لعالم تنتشر فيه بلا حدود ظاهرة محاكاة رغبات الآخرين، ويصطدم فيه وعد الحداثة بتحقيق المساواة بالفوارق الشاسعة في السلطة والتعليم والجاه والملكية.

 منتصرو التاريخ وأوهامهم

قوضت في أوروبا اعتقادات القرن التاسع عشر اليقينية، وعلى رأسها عالمية النموذج الغربي، بسبب الكوارث التاريخية، وأظهرت الحرب العالمية الأولى هشاشة الديمقراطية الليبرالية، وبينت الأزمة الاقتصادية الكبرى تكلفة اقتصاد رأسمالي غير مقنن، ووجهت الحرب العالمية الثانية ضربة موجعة لقدرة بريطانيا على تصدير مؤسساتها وترسيخها. بالرغم من ذلك بعث بعد العام 1945، وهم نشر مثل ومؤسسات أنجلو أمريكية عبر العالم، وهو الوهم الذي أصبح جوهر الفكر السياسي والاقتصادي من قبل وريثة بريطانيا: الولايات المتحدة.

وخلال الحرب الباردة بدأ عدد من الكتاب تزيينهم لظاهرة صعود الغرب الديمقراطي، وتم التقليل من تنوع وتناقضات عصر التنوير باعتماد رواية ليبرالية تاريخية مطهرة قللت من أهمية قرون من الحروب الأهلية والحملات الإمبريالية والإبادة والعبودية في أوروبا وأمريكا.

لقد أحيا رد الفعل الغربي الذي بدا منتصراً في أفغانستان الوهم القديم القائل بأن الليبرالية الديمقراطية، يمكن فرضها بالقوة على مجتمعات لم تختبرها من قبل، بحيث يكون الغزو العسكري أداة لنشر الديمقراطية. وضمن هذا الخطاب المهيمن، يبدو الآخر العرقي والديني وحشاً يتعين إبادته من خلال حرب لا نهاية لها على الإرهاب.

لقد أقحمت الثورتان الفرنسية والصناعية، الإنسانية في عصر جديد من الوعي العالمي، وسرعان ما تخطتا الحدود الجغرافية بالأفكار والبواخر لتفتحا مجالا لا حدود له للفعل الإنساني، وتدشنا ما نطلق عليه اليوم الحداثة.

كانت الحرية صرخة الحرب التي صدح بها قادة الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر والثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر، ورفعت الثورة الفرنسية شعاري الأخوة والمساواة، وابتكر مفهوما القومية والشيوعية، ولقيت الديمقراطية رواجا، واحتضن ونشر الشباب المتعلم في شرق أوروبا هذه المفاهيم، لتنتقل بعد ذلك إلى روسيا وإلى الشرق منها. غير أن إعدام الملك والملكة خلال الثورة الفرنسية، ومصادرة أملاك الكنيسة، وقتل عشرات الآلاف من الناس، كانت ظواهر منذرة بحقبة جديدة في التاريخ الإنساني قوضت كل التوقعات التي حملها انتصار العقل أو الأمل في أن يعم السلم والازدهار والحرية الإنسانية العالم كله.

 التقدم وتناقضاته:

في منتصف القرن الثامن عشر قسم التاريخ إلى المراحل المتعارف عليها اليوم: العصر القديم، العصور الوسطى، العصر الحديث. وبدا المجتمع في هذا التقسيم كأنه يتجه من الحرب وكره الآخرين إلى عالم كوزموبوليتاني يقوم على التجارة والتسامح المتبادل والثقافة الراقية.

أصبح المثقف بدوره داعية للمجتمع التجاري الجديد، ومدافعاً عن مكانته الاجتماعية الجديدة، وقد بين فولتير من خلال مثاله الشخصي أن بطل المجتمع العلماني حديث الولادة هو صاحب الأعمال المثقف والتجاري.

كان روسو أول من بث شكا في أن المجتمع التجاري الخاضع للحكومة والقانون هدفه الإبقاء على الأغلبية في وضع عبيد يخدمون أقلية صغيرة ذات سلطة غير مشروعة.

وقد اتخذ نيتشه من التباين بين المفكرين منطلقاً فكرياً، حيث رأى أن المعركة بين فولتير وروسو تختزل مشكلة حضارة لم تجد حلا. وكان الشرخ الفاصل بينهما فكرياً وأخلاقياً وسلوكياً وسياسياً.

لقد كان فولتير يؤمن بأن التحديث يفرض من القمة إلى القاعدة، ولم يشذ في ذلك عن أغلب فلاسفة التنوير الذين ناصروا بحماس المستبدين والإمبرياليين الساعين إلى تحديث المجتمعات غير المتحضرة مثل الإمبراطورة الروسية كاترين، وهذا ما أبرز في وقت مبكر تناقضاً لمشروع تحرير الإنسان الذي كانوا يدعون إليه. بالمقابل أعرب روسو عن رفضه لكل أشكال الاستبداد بما فيها التنويرية، ونادى بالحكم الذاتي للشعب. عاب روسو على فلاسفة التنوير عدم مواجهتهم لمؤسسات اجتماعية واقتصادية ظالمة على رغم تباهيهم بمحاربة الجور الديني، وكان هدفه من ذلك الدعوة إلى نظام اجتماعي يتمحور فيه العمل السياسي حول الفضيلة والفطرة البشرية، وليس التجارة والمال.

يرى المؤلف أن روسو فهم الآثار المعنوية والروحية لصعود المجتمع التجاري العالمي، ورأى التناقضات العميقة لمنظومة قيم تهيمن عليها النزعة المادية، ولمجتمع يتشكل من أفراد يحركهم الحسد ومحاكاة الأغنياء سعياً إلى الحصول على امتيازاتهم.

 الإسلام والعلمانية والثورة:

عمقت أحداث 11 سبتمبر شرخاً قديماً، وأعلنت إدارة بوش حربا شاملة على الإرهاب تجاوزت الحرب كمؤسسة لها قوانينها، ومع ذلك فشلت هذه الحرب والسياسات المرافقة لها مثل: تغيير الأنظمة، والانتقام الشامل، بينما نجحت الحرب ضد التنوير الغربي التي أعلنها الغرب من حيث لا يدري بسبب استعمال وسائل من قبيل القتل والتعذيب وتسليم المشتبهين.

وفق نظرية تصادم الحضارات؛ فإن الحداثة فشلت في مد جذورها في البلاد الإسلامية المتخلفة والمتشبثة بتقاليدها على رغم محاولات مختلفة لفرضها من قبل قادة علمانيين مثل أتاتورك تركيا وشاه إيران. وكما تبين لاحقا، فشل التحديثيون السلطويون في إدخال أغلب رعاياهم إلى عالم الحداثة ومهدت ثوراتهم الفوقية المجهضة الطريق لثورات أخرى أكثر راديكالية انطلقت من القاعدة. لعل أبرزها الثورة الإسلامية في إيران التي أفرزت دولة قمعية جديدة.

لقد عمق التحول الثقافي المفروض على جماهير ذات ميول اجتماعية محافظة شعوراً عاماً بالتهميش والغبن، وغذت التغييرات الجذرية سخط الأغلبية الكبرى من المهمشين ضد التحديثيين والتغريبيين الفوقيين.

وقد جمع الجيل الأول من المناضلين الإسلاميين بحماسة كبيرة بين المبادئ التي يحملها موروثهم الديني والحداثة على حد سواء كالعدل والمساواة.

 قومية بلا قيد:

فقدت ألمانيا مكانتها الرائدة في نهاية العصور الوسطى بعد أن تزحزح محور الاقتصاد الأوروبي من وسط القارة إلى الساحل الأطلسي، وأجهض الوحدة السياسية والثقافية الألمانية انقسام يعود إلى فترة الإصلاح الديني الذي قسم الألمان إلى كاثوليك وبروتستانت. رحب السواد الأعظم من المفكرين الألمان بالثورة الفرنسية التي رأوا فيها مقدمة لتحررهم من التسلط الاستبدادي ومن تقوقعهم الإقليمي، لكنهم شعروا بالخيبة بعد انتشار الفظائع المرتكبة في فرنسا، هشم الرومانسيون الألمان مفهوم التنوير القائل بوجود حضارة ذات بعد عالمي، وروجوا فكرة الحضارة كمجموعة متنوعة من الحضارات القومية المتميزة، لكل واحدة هويتها الخاصة. غير أن الرومانسية الثقافية لم تتحول إلى رومانسية سياسية إلا بعد أن تجرعت ألمانيا هزيمة نكراء واحتلالا وخاضت حروبا في الفترة النابليونية. فتحولت الكفاحات الرومانسية من أجل بعث الأمل في ألمانيا إلى نزعة شوفينية بل عسكرية، وإلى أساطير تمجد الشعب والوطن والدولة. كان فيخته معيناً للأفكار القومية، إذْ لم يكتف بالقول بضرورة أن تجد ألمانيا طريقاً خاصاً بها إلى الحداثة، بل أضفى على القومية مسحتها العلمانية بتحويل الولاءات الدينية إلى ولاءات قومية. وعلى الخطى نفسها سار عديد من المثقفين الألمان المهملين والمهمشين ليشاركوا في مسعى تحديد خصائص الذات الألمانية. وبينما كانت الدولة الألمانية تعرف حركية تحديث دؤوبة، رأى هيجل أن التاريخ البشري سوف يعرف أوجه في نظام سياسي جديد تنجبه ألمانيا، واعتبر أن الألمان أكثر أهلية من الفرنسيين روحياً وفلسفياً لحمل رسالة العقل والتقدم. وبعد فترة وجيزة من تحقيق وحدتها تفوقت ألمانيا على فرنسا، وهزمتها عسكرياً في العام 1871، كما بدأت تقترب من مستوى بريطانيا الصناعي بفضل ثورتها الصناعية الواسعة المتأخرة. وتقلص الشرخ بين الثقافة الألمانية العضوية والحضارة الغربية الميكانيكية. حلت إنجلترا مكان فرنسا كممثلة للعالم البرجوازي المقيت، تتبعها الولايات المتحدة، غير أن اليهود يظلون هم أبرز ممثلين لانحلال الغرب الأخلاقي وغدره فمعاداة السامية كانت تشفي حاجة ملحة إلى توجيه أصابع الاتهام للآخر. تحول آنذاك التحامل الديني إلى تحامل عرقي بدعم كبير من المفاهيم الداروينية.

روج المتأثرون بقوة الفلسفة الألمانية لقوميتهم الثقافية، ففي بدايات القرن العشرين تحول كثير من المفكرين اليابانيين إلى مدافعين عن يابانية المجتمع؛ أي الاختلاف الروحي والثقافي المطلق لليابان عن الغرب.

 تصورات لاهوتية:

كل الذين كانوا يشعرون بعقدة التأخر أمام تقدم الغرب الأطلسي، كان بإمكانهم الاعتقاد بأنهم ينتمون إلى شعب مختار. وزاد الفشل من سرعة انتشار الأسطورة اللاهوتية عن الخلاص والمجد. وهذا ما تأكد مثلا في إيطاليا التي أسس فيها مازيني منظمة إيطاليا الفتاة، وجمع فيها الوطنيين المتطلعين إلى التضحية بأنفسهم من أجل القضية، وقامت على شاكلتها تنظيمات الصين الفتاة، وتركيا الفتاة، والهند الفتاة. وكان مازيني قد اعتبر إيطاليا روما الثالثة، بعد روما القياصرة وروما الكنيسة، فهي سوف تبني وحدة جديدة متينة تجمع بين كل الأمم الأوروبية. وقد غذت هذه الأساطير مشاعر الإحباط المنتشرة، ولكن فشلت بغرق إيطاليا الموحدة في وحل الفساد السياسي، مما جعل الشباب يلجأ إلى تعاليم باكونين الفوضوية. انتشرت في ربوع أوروبا وحتى أمريكا الخلايا الإرهابية التي قتلت عدة زعماء دول.

طور نيتشه مفهوم الإنسان الخارق الذي تؤهله شخصيته التي تغلبت على ذاتها لاحتقار غيره من البشر والقيم السائدة بينهم، وبذلك يكون قدم الإجابة الأكثر تشويقاً لمواجهة الشعور العام بالقلق في نهاية القرن التاسع عشر، وطرح هربرت سبنسر مفهومه للإنسان العصامي الذي يتغلب على كل العوائق البيولوجية والاجتماعية ليحقق قدره، وتطلع ماكسيم غوركي إلى ظهور إنسان روسي خارق يحرر الجماهير، وفي وقت لاحق أشاد بالإنسان السوفييتي باعتباره الإنسان الجديد الذي يكسر بإرادته عناد الطبيعة، وكذلك كان أمل موسوليني بناء الإيطالي الجديد. تمثلت النسخة المتطرفة لهذا النهج الراديكالي في الإيمان بأن إراقة الدماء ضرورة لحلول الإنسان الجديد، وهي الفكرة التي حملها سابقاً القوميون الإيطاليون، وتبناها الغوغائيون في القرن العشرين. دخلت إيطاليا الحرب ضد الدولة العثمانية بغزوها الوحشي لليبيا.

 إرث العدمية:

طالما كانت الردايكالية الدولية شاهداً غاضباً على أزمات العولمة، ولعل التيار الراديكالي الذي امتد بعيداً خارج أوروبا، أواخر القرن التاسع عشر، هو التيار الفوضوي، وقد كانت الفكرة الفوضوية الفضفاضة القائمة على كره عميق للسلطة حالة ذهنية أكثر منها حركة أو عقيدة، وهذا ما جعل الجميع يجد فيها ما يناسبه، وخاصة في صفوف المهاجرين في بدايات العولمة، والذين كانوا يواجهون قسوة الداروينية الاجتماعية بين النخب. في ماض ليس بالبعيد استعمل أفراد وجماعات العنف الإرهابي كتكتيك في نضالهم، وهناك تاريخ طويل في التعصب والغلو في الدفاع عن المجتمع التقليدي الذي تهدده السلطة الحديثة بالزوال، مع مرور الوقت يتخذ الدفاع المحلي عن الاستقلالية ضد الغزاة والمستعمرين طابعاً أكثر راديكالية، ويصبح مرتبطاً بمعارك ذات بعد عالمي.

وخلافاً للإرهابيين البيض الذين ما يوصفون عادة بالمختلين عقلياً والذئاب المنفردة، أو المناضلين الأفارقة الأمريكيين الذين يتهمون بالحقد العنصري، فإن عنف المناضلين الإسلاميين عادة ما يربط بتاريخ الإسلام، غير أن هذه الأطروحات حول التماسك العقائدي والاستمرارية لا تصمد؛ لأن مناضلي اليوم القادمين من مشارب اجتماعية مختلفة، لا يخضعون لأي تصنيف، فكثير منهم اعتنقوا الإسلام متأخرين، وسرعان ما ساروا على درب الراديكالية، غير أن جميعهم يشهدون على سرعة العولمة التي تجعل من المستحيل التأسيس لنهج ديني أو سياسي مستقر، في حين يميزها عنف واسع الانتشار ولا يمكن التنبؤ به.

انتشر عبر العالم المفهوم الغربي عن الحرب العادلة، وهو مفهوم يشبه الجهاد العالمي في قدرته على التواصل عن طريق العنف المرعب وحده، وعدم قدرته على التأسيس لمنظومة سياسية تكون فيها الحرب والسلم ظاهرتين واضحتي المعالم ومختلفتين. وقد أدى سعي الحرب العادلة الغربية إلى عداوة مطلقة لا تقبل التوافق إلى ظهور أعداء لدودين كثيرين عبر العالم لهم ميل انتقامي إلى المحاكاة من قبيل قتلة تنظيم الدولة الإسلامية الذين يلبسون ضحاياهم ثوب أسرى غوانتانامو.

يرى المؤلف أن تنظيم داعش يدين بوجوده للحرب الأمريكية في العراق وليس لأسس عقائدية إسلامية، فهذا التنظيم نتاج جوهري لحركية العولمة التي تصبح فيه الحكومات غير قادرة على حماية مواطنيها من الغزاة الأجانب وعنف أجهزة الأمن والتقلبات الاقتصادية، فتفقد شرعيتها المعنوية والأيديولوجية، مما يفسح المجال أمام فاعلين من خارج الدولة من قبيل العصابات والمافيا وميليشيات الدفاع وأمراء الحرب والأفراد المتعطشين للانتقام.

 اكتشاف الواقع:

منذ بداياته في عصر التنوير، حرك الفرد المستقل المؤكد لذاته العالم الحديث ورسم معالمه، وقد جسد المثقفون اعتقاداً بالتقدم المستمر، غير أنه اتضح وكأن التاريخ يسير في دائرة مغلقة وليس نحو الأمام.

في هذا العالم الراكد اقتصادياً والذي يقدم حلماً بالتمكين الفردي للجميع، ويلغي حلم تغيير سياسي قابل للتحقيق، تزداد جاذبية العدمية النضالية.

عادة ما تكون درجة الإحباط أعلى في البلدان التي تضم نسبة أكبر من الشباب المتعلم، وتجد المنظمات المتطرفة سهولة في تجنيد الشباب العاطل عن العمل، فهؤلاء عاشوا عدة صدمات وتحولات في انتقالهم إلى الحداثة، غير أنهم وجدوا أنفسهم يشعرون بوجود شرخ بين الوعود المفرطة بالحرية الفردية والسيادة، وبين عجز تنظيماتهم السياسية والاقتصادية عن تحقيقها. تجذر الاستياء في بنية المجتمعات التي تتزامن فيها المساواة الشكلية بين الأفراد مع فوارق صارخة في النفوذ والتعليم والمكانة الاجتماعية والملكية.

قد يبدو الاستياء نتيجة طبيعية للسباق العالمي من أجل الثروة والسلطة والمكانة والإثارة التي تفرزها الرأسمالية العالمية التي تجعل البعض أغنياء، وكثيرين يائسين، ومما لا شك فيه أن وسائل التواصل الرقمية رسخت ميل الإنسان إلى المقارنة الدائمة بين حياته وحياة الآخرين التي تبدو له أفضل. تغذي هذه التناقضات الريبة من أن المنظومة القائمة، في نسختيها الديمقراطية والاستبدادية، شيدت على القوة والزيف.

يرى المؤلف أن ترامب ومناصريه يمثلون العرض الدرامي لأزمة شرعية شاملة، أكثر مما يعبر عنه الإرهابيون الذين يخططون ويوحون بارتكاب العنف على نطاق واسع.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها