المُرادي.. مهندس الصناعات الدقيقة بالأندلس

أحمد بن خلف المرادي مؤلف كتاب "الأسرار في نتائج الأفكار"

د. عبد السلام الجعماطي


في العقدين الأخيرين كشف علماء غربيون متخصصون في الفيلولوجيا أو علم تحقيق المخطوطات القديمة عن كنز علمي وتقني عظيم الأهمية، حين عثروا على مخطوطة نادرة من مؤلف علمي تطبيقي يحمل عنوان "كتاب الأسرار في نتائج الأفكار"، لصاحبه أحمد بن خلف المرادي الأندلسي. وتطلبت عملية تحقيق هذا الكتاب تضافر جهود نخبة من العلماء في مجالات متصلة بعضها ببعض، وأحياناً أخرى تمت الاستعانة بعلماء ومهندسين متخصصين في مجالات بعيدة عن التحقيق والبحث في تاريخ العلوم، كالهندسة الميكانيكية والمعمارية، والفيزياء الكمية والفلكية، والرسم الصناعي وصناعة الساعات الدقيقة (L’horlogerie)، ويعود هذا التداخل في التخصصات إلى طبيعة الكتاب المكتشف نفسه، فهو كتاب في العلوم الصناعية الدقيقة، وخاصة صناعة الساعات الميكانيكية شديدة التعقيد، بالنظر إلى كون صاحبه قد جمع بين النظر والعمل بتعبير القدامى، بمعنى أنّ المرادي كان متمكناً من العلوم الفيزيائية والهندسة الميكانيكية التطبيقية لصناعة الساعات وتركيب الآلات الحربية، في الآن نفسه، فكان عارفاً بمختلِف النظريات والمبادئ العامّة لهذا المجال، كما أنه كان صاحب باع طويل في صناعة الآلات شديدة التعقيد.

لقد أنجبت الأندلس الإسلامية في عهود عطاها الحضاري جهابذة في مختلف العلوم والفنون، وإذا كانت شهرة بعض هؤلاء قد طبّقت آفاق المعمورة، كعباس بن فرناس (ت. 274ه) رائد المحاولات الأولى للطيران في تاريخ البشرية جمعاء، ومسلمة بن أحمد المجريطي (ت. 398ه) ابن مدينة مدريد عاصمة إسبانيا الحالية، وهو عالم فلك ورياضيات وكيمياء، كان قد أجرى عدة تجارِب ناجحة على ثاني أكسيد الزئبق، وأبي القاسم الزهراوي (ت. 404ه) الذي لقب بأبي الجراحة الحديثة، وأبي مروان ابن زهر الإشبيلي (ت. 557ه) الذي اخترع الترياق السبعيني، وبرع في الطب وعلم الأغذية غاية البراعة، وابن البيطار (ت. 645ه) الذي وضع أكبر موسوعة للأعشاب الطبية والمستحضرات الصيدلانية في العصر الوسيط برمته، وأبي الوليد ابن رشد الفيلسوف (ت. 594ه) الذي بثّ روحاً عقلانية ونقدية متجددة في الفكر الأرسطي، ونفض عنه غبار الوثنية والجهل وقيود الجمود والتقليد، وغيرهم كثير من المشاهير، فإنّ أحمد بن خلف المرادي (القرن 5ه/11م)، يظلّ خارج دائرة الشهرة التي حظي بها علماء بلده الأندلس، وجيل عصره القرن الخامس الهجري، وهو قرن التناقضات في التاريخ الأندلسي، ففيه انفصمت عروة الخلافة الأموية التي اختط أساسها الخليفة عبد الرحمن الناصر (300-350ه)، وبلغ إلى مجدها خلفه الحكم المستنصر (350-366ه)، وفيها ظهرت أكبر مكتبة بأوروبا وهي مكتبة قصر الخلافة بقرطبة، فهذا العالم المبدع والمهندس المبتكر شقّ تراثه العلمي والتقني طريقه إلى الشهرة خلال العقود الأخيرة، عقب اكتشاف المخطوطة الفريدة لمؤلفه "كتاب الأسرار في نتائج الأفكار".

فمن يكون أحمد بن خلف المرادي؟ وأين تكمن قيمة كتابه ضمن مساهمة علماء الإسلام في تطوير الآلات الميكانيكية الدقيقة، وفي مقدمتها الساعات وآلات اقتحام الحصون والطواحين الذاتية الحركة ومعدات القياسات الفلكية؟

لقد ظلّ مؤلف المخطوطة العلمية الفريدة خامل الذكر منذ ذلك الحين حتى تم اكتشاف "كتاب الأسرار في نتائج الأفكار"، وهو كتابه الوحيد الموجود حديثاً بمكتبة ميديشيا لوريسنسيانا (Biblioteca Medicea Laurenziana) بفلورنسا، والذي يرجّح المحققون أن تكون مخطوطته قد أتت من الأندلس منذ قرون عديدة إلى إيطاليا، وترجع روعتها إلى رسومها وأشكالها التي تمثل واحدة من أولى الشهادات المكتوبة في تاريخ الآلات معقدة التركيب، حيث اشتملت هذه المخطوطة على معطيات فنية دقيقة للغاية عن تصاميم عدد من الساعات المعقدة والأجهزة المبتكرة، كما تضمنت تصاميم هندسية للطواحين المائية والمكابس الهيدروليكية، وشروح دقية لما مجموعه واحداً وثلاثين نوعاً من الآلات الميكانيكية، إضافةً إلى تصميم لنموذج ساعة شمسية متطورة جدّاً، إذا ما قورنت بالنماذج الساذجة التي انتشرت خلال عصره، وأضاف المرادي إلى كتابه الفريد تصميمين لآلتين تعودان لغيره من العلماء المتقدمين على عصره، قام بتفسير حركتهما ووضع طريقة تركيبهما.

الواقع أنّ معلوماتنا عن المرادي شحيحة للغاية، حتى إنّ أول من عرّفنا به هو المهندس ومؤرخ تاريخ العلوم العربية البريطاني دونالد هيل (Donald Hill) صاحب العديد من الأبحاث التي كشفت جوانب ظلت مغمورة في السابق عن التكنولوجيا الإسلامية في العصور الوسطى، فقد كتب في سبعينيات القرن الماضي أنّ هذا الكتاب يعدّ "مصدراً أولياً لدراسة التكنولوجيا العربية في العصور الوسطى، وحثّ الباحثين ودعاهم إلى الاهتمام به" [مقدمة كتاب الأسرار، ص: 7].

 

هُوية المُؤلِّف:

وإذا كانت هُوية أحمد بن خلف المرادي -مؤلف الكتاب– ظلت شبه غامضة بالنسبة لجمهور الباحثين، فبإمكاننا القول إنّ أحمد بن خلف المرادي هو أحد العلماء الأندلسيين من أصول عربية صريحة، حسب ما يوحي به أصله اليمني، فهو مرادي حضرمي من حضرموت جنوب جزيرة العرب، ويرجح لدينا أنّ أسلافه انتقلوا إلى الأندلس منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، واستوطنوها في فجر تاريخها العربي، كما نستنبط أنّ المرادي كان عالماً ومهندساً متخصصاً في مجال الهندسة التطبيقية، أكثر مما اشتُهِرَ به أقرانه الذي اعتنوا بالهندسة الرياضية النظرية، ولكننا لا نعرف عن حياته سوى القليل جداً من التفاصيل، وذلك استناداً على المعطيات التي تضمنتها مخطوطة كتاب "الأسرار في نتائج الأفكار"، والتي نستنتج أن نسخته الأمّ الأصلية كتبت بقرطبة عاصمة الأندلس، ويكاد الدارسون يجمعون على أنها دُوِّنَت في غضون القرن الخامس الهجري، وحُجَّتهم أنّ نسب المؤلف قد ورد في نصوص أندلسية تعود إلى نفس الحقبة، بينما يرجع تاريخ كتابة نسخة مصنّفه التي بين أيدينا إلى عام 664/1266م، تبعاً لما وجد بصفحتها الأخيرة، ونعتقد أنّ النسخة المكتشفة كتبت في زمن متأخر عن عصر المؤلف، بدليل أنّ كتابه قد اشتهر في أوروبا قبل تاريخ كتابة النسخة الموجودة بإيطاليا حالياً، حيث نقل ألفونسو العاشر عن المرادي عدداً من التصاميم الهندسية في مؤلفه "كُتُب العلم" "Libros del Saber " عام 1227م.

وفي منتصف القرن الثامن عشر، جمعت مخطوطة "كتاب الأسرار في نتائج الأفكار"، مع سبعة مخطوطات أخرى في مجلد واحد، ويرمز لهذا المجلد ضمن محتويات مكتبة مديشيا لورينسيانا برمز "شرقية: 152"، وقد تم جمع هذا المجلّد تحت رعاية أنجيلو ماريا بانديني (Angelo Maria Bandini)، الذي جمع المخطوطات الشرقية (شرقية: 281-282) مع بعضها البعض بسبب تشابه حجمها، وفي تلك المناسبة تم ترميمها وإعادة تجليدها، بعد ذلك شهد المجلد ترميماً آخر في سنة 1977 أزاح عن النص جزءاً من الآثار التي لحقت به جرّاء الترميم الأول، وأصلحت بعض الأوراق التي أتلفها الماء في القرون السابقة [مقدمة تحقيق كتاب الأسرار، ص: 12]. وتحتوي المخطوطة على 48 ورقة (96 صفحة مقاس 200x273 سم) مكتوبة بخط مغربي واضح بدون علامات للترقيم، فيما عدا حالات نادرة وضع فيها الناسخ نقطة في نهاية بعض الفقرات أو الفصول.

مضمون الكتاب:

لقد كانت دوافع المرادي لتأليف كتابه ذات نزعة علمية صرفة، تتجسد في غيرته على التراجع الفظيع الذي عاينه على مستوى علم الهندسة التطبيقية في زمانه، وما استشعر من خطر اندثار العلوم الهندسية من وطنه، بسبب انصراف الناس عن دراستها وتحصيلها، دون أن نغفل السياق التاريخي العام الذي أنتج في ظله هذا التأليف الفريد، والذي اتصف بالتشرذم السياسي بوطنه الأندلس، وبنكبة نخبة علمائها وضياع قواعدها وحواضرها الكبرى، بما اشتملت عليه من جامعات ومختبرات ومكتبات قلّت مثيلاتها في عالمهم يومئذ، وهو ما عبّر عنه في ديباجة المصنَّف بقوله:

"لما رأيتُ علم الهندسة قد دثر، وأثره قد غبر [...] اقتضيت فكري وأخليت سري في أشكال فيلسوفية، فتدبرت إخراجها من العدم إلى الوجود، ومن الخمول إلى الصعود [...]، ورتَّبتُ بعضها بعضا مفسَّرة أبوابها مرسومة أشكالها، وفسّرتُها بطريقة يسهل عملها على الصانع اللبيب، وهي أحد وثلاثون شكلاً خالية من الــزيغ والتحريف والخطأ والتصحيف، منها خمسة أشكال مجسّمة وثمــانية وعشرون شكلاً منها، ليعرف بها الساعات، واحدٌ منها لمعرفة الكواكب العلوية، ومنها أربعة أشكال كريية غريبة... ومنها شكــلين وضعهما غيري، ممن تقدّم، ففسّرتهما، وركَّبْتُ من التركيب ما يلزم، فلتنظرها يا أخي نظر عالِم ماهِر، وتدبَّرها تدبير صانِع لبيب مــاهر؛ فإنك ترى عجائب أفعالها وغوامض أسرارها" [كتاب الأسرار، ص: 31].

نماذج متطورة:

وللوقوف على دقة وصف المرادي لأشكال الساعات المعقّدة التي وضع تصاميمها وكيفية تشغيلها بدقة عالية، نقتبس من وصفه لآلة سمّاها "ساعة القاتل والفتاتان" (الشكل الثاني عشر، ص: 87)، فقد قال في وصفها: "نريد أن نعمل شكلاً بتماثيل مختلفة وهما جاريتان تطلعان بعد فتح باب الشكل المصندق، ويجتمعان على أيدهن ثم يخرج بينهن أسود بيده سكّين فإذا خرج الأسود بينهن رجعن إلى مكانهن، فألقى الأسود من فمه حصاة عند ذلك، ثم عاد إلى مكانه، وانغلق الباب، وذلك عند كمال ساعة يفعل ذلك عند تمام كل ساعة".

ومن نماذج التقنيات المتطوّرة التي اشتمل كتاب المرادي على تصاميمها الفنية، نقف على تصميم لساعة بأربعة وعشرين باباً في صفّين، وأسدين (كتاب الأسرار، ص: 57-62)، وعلى ساعة مصنوعة بالمرايا، (ص: 67-70)، وساعة بفتاة ورجل يحمل أسطرلاباً (ص: 75-80)، وعلى شكل آلتين للتقويم الفلكي ومطالع الأبراج (ص: 103-110)، وسعة الحصوات (ص: 121-124)، وبرج ميكانيكي للوصول إلى أعلى أسوار الحصون المحاصرة (ص: 135-138)، وعلى تصميمين لبئرين إحداهما سحرية في استنباط الماء والأخرى تعمل بطريقة ميكانيكية ذاتية الرفع (ص: 147-154)، ومزولة محمولة، في شكل هيكل زمني يسمح ظله بالإشارة إلى تمام ساعات النهار في أي مكان وفي أي فصل من فصول السنة (ص: 179-182)، إضافة إلى إفادات علمية جمّة نقلها عمن سبقوه من علماء الفلك ا لأندلسيين كابن الصفّار، والمشارقة كالبتّاني.

ومن أكثر تصاميم آلات الحرب التي وضعها المرادي، تمت إعادة بناء إحداها من قبل فريق من المهندسين والباحثين المتخصصين، ويتعلق الأمر بهادم الحصون؛ هي آلة دك الجدران السميكة والتحصينات القوية، وكان هذا النوع من الآلات يسمى في المصادر الأندلسية المعاصرة للتأليف بالنهيسات [كما جاء في نزهة المشتاق للشريف الإدريسي، ص: 158]، ويصفها المرادي على النحو الآتي: "نريد أن نعمل برجاً ويكون نهيساً في رأس هذا البرج تكون في رأس النهيس ليهدم به رأس سور أو رأس برج" [كتاب الأسرار، ص: 139].
 

في عام 2008، نشر معهد الدراسات الإيطالي ليوناردو 3 (Leonardo3) كتاب المرادي مترجماً إلى اللغات الإنجليزية والإيطالية والفرنسية والعربية، إضافة إلى نسخة إلكترونية، والكتاب في مجمله بمثابة دليل تطبيقي لصناعة عدد من الساعات الفنية البديعة والآلات والمعدات الفلكية العالية الدقة، بالنسبة إلى مستويات تصنيع الآلات في ذلك العصر. وقد قام فريق من العلماء بإعادة إنشاء نماذج مصغّرة وأخرى مطابقة لنماذج الرسوم والتصاميم الثلاثية الأبعاد التي وضعها المرادي، وكانت النتائج مبهرة للجميع، حيث كانت معظمها تعمل بشكل فعّال وبإيقاعات مطابقة للغرض الذي صمّمها المؤلف من أجله، ويوجد حالياً معرض دائم لمجسمات وتصاميم هذه الاختراعات بمتحف الفن الإسلامي في الدوحة.

 


المصادر:
- أحمد بن خلف المردي، كتاب الأسرار في نتائج الأفكار؛ آلات مذهلة من ألف عام، دراسة وتحقيق وترجمة جماعة من الباحثين، معهد ليوناردو 3، منشورات متاحف الدوحة، 2008.
- محمد بن محمد الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق؛ فصول مختارة، وكالة الصحافة العربية، 2021.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها