المرأة المتمرّدة في رواية "أحلام نكرة" لشيماء المزروعي

د. كريم الطيبي


شكل تمرّد المرأة تيمة بارزة في النصوص الروائية النسوية الإماراتية؛ ذلك بأن مجموعة من الروائيات عملن على صياغة كون خيالي يستمد مقوماته من خطاب سرديّ بديل، يؤسس صورة مغايرة للصورة النمطية التي سيجت وفقها المرأة العربية عموماً، والمرأة الخليجية على وجه الخصوص، صورة بديلة تستمد أسسها من اقتناع راسخ مؤداه أن للمرأة حقاً في تحقيق ذاتها وأحلامها، بدل من أن تخضع لعادات المجتمع وتقاليده وطقوسه وأفكاره المتخلفة. ضمن هذا الإطار، يمكن أن نؤطر رواية "أحلام نكرة" للكاتبة الإماراتية شيماء المرزوقي (دار التفرد لخدمات التصميم ونشر المطبوعات، دبي، ط1، 2022م)؛ فهذه الرواية تتأسس على تيمة بارزة هي تمرد المرأة على البنية الاجتماعية التقليدية التي تقيّد ذاتها وتجهض أحلامها، وتفرض قيوداً وسلاسل على حريتها وأنوثتها.

 

تيمة التمرد في "أحلام نكرة":

تقوم رواية "أحلام نكرة" على تقديم خطاب مغاير وبديل ينزع إلى التحرر والانطلاق، وهو خطاب مناوئ لخطاب ثقافي سائد في الواقع الاجتماعي تحاوره الكاتبة وتدخل معه في سجال عبر صياغة كينونة سردية، فإذا كان المجتمع يقيّد المرأة ويصادر حريتها في تحقيق أحلامها، فإن الرواية تقدم صورة مخالفة لهذا؛ إذ قدّمت صورة لامرأة متمردة، اختارت أن تحقق أحلامها، بدل الخضوع والخنوع لسطوة المجتمع والأسرة. وتتجلى هذه الصيغة التعبيرية في شخصية بطلة الرواية "ريميديوس" التي نافحت عن مبادئها وأفكارها وأصرّت على تحقيق أحلامها، وتمرّدت على تسلّط مجتمعها، وقمع أسرتها؛ لأن هذا النّسق الثقافي الذي تصدر عنه الأسرة لا يسمح بأن يستوعب أن للمرأة الحقّ في أن تمتلك أهدافًا وأحلامًا وطموحاتٍ تسعى إلى تحقيقها، لتقدّم شيئاً لإنسانية وتنحت لنفسها بصمة في مسيرتها.

الحبكة السردية للرواية:

يمكن تقسيم البناء التخييلي في رواية "أحلام نكرة" إلى مسارين اثنين، يتعلق الأول بحكاية "ريميديوس" بطلة الرواية مع المجتمع الذكوري وأسرتها التي تشبعت بقيم هذا المجتمع الذي لا يقيم وزنا للمرأة ولا يعترف بقيمتها الوجودية، ومن ثم، فقد رصدت أحداث الحكاية، في هذا المسار الأول، واقع هذه الفتاة التي عانت الظلم والحيف من قبل محيطها وأبيها وأمها وإخوتها؛ فـ"صارت "ريميديوس" وحيدةً تماماً، لا أمّ تفهم، ولا أب أهل للثقة، ولا أخت شجاعة، ولا إخوان أحرار، ولا مدرسة مستعدة لإيوائها" (ص: 16). أما المسار الثاني الذي يؤطّر أحداث الرواية فهو اختيار بطلة الرواية "ريميديوس" التمرّد على مجتمعها وقيمه المتخلفة ومبادئه الذكورية، فآمنت بضرورة تحقيق ذاتها وأحلامها بعد أن تخرّجت من كلية الطب، وقد تأتى هذا عبر الانضمام إلى فريق الإغاثة الذي سيتوجه إلى جمهورية "الكونغوريسيا" التي كانت تعاني ويلات الحرب والإبادة، لخدمة الأطفال والضحايا وتقديم المساعدات الطبية لهم، لتنتهي الرواية بوفاة "ريميديوس" أثناء محاولتها إنقاذ بعض الأسرى من سطوة العدو.

المرأة والمجتمع:

تنخرط رواية "أحلام نكرة" في معالجة قضية المرأة في المجتمعات الذكورية؛ إذ تكشف، من خلال هذا البناء التخييلي، أن المرأة ترزح تحت وطأة القمع والمنع والحرمان ومصادرة حقها في تحقيق أحلامها التي تؤمن بها، وقد تجلت هذه القضية من خلال بطلة الرواية "ريميديوس"، وهي فتاة كافحت وناضلت في دراستها، وكانت تحصد أعلى الدرجات، كما أنها مثقفة تمتلك شخصية متنورة اكتسبتها من خلال قراءاتها الكثيرة. وقد انشغل السارد بتوصيف مظاهر القيود والاضطهاد والتمييز التي تعيشه البطلة؛ فقد كافأ والدها إخوتها الذكور بالسفر وقضاء إجازتهم، بينما حبس ريميديوس وأختها ووالدتها في البيت، رغم أنها تحصلت على أعلى الدرجات. كما أن والدها كان يشك في شرفها بمجرد أن يراها تضع مساحيق التجميل، وعدم تركها تسافر لتحقق أحلامها.

"ريميديوس" أو الأنثى المتمردة:

لم يكتف المضمون بالتعبير عن دعوى الرواية المرتبطة بقضية المرأة وما تعانيه من اضطهاد وقيود، بل، إلى جانب ذلك، صاغت الكاتبة شخصيات الرواية بما يتواءم مع هذا المضمون ويزكيه ويعضده؛ فقد تبدّت بطلة الرواية "ريميديوس" في صورة الأنثى المتمردة، التي لا تخضع لنواميس المجتمع وإملاءاته، وهذا ظاهر من خلال تجليات عديدة، من ذلك أنها رفضت تصرفات الأب، وتيقّنت بأن هذا المحيط الاجتماعي هو محيط ظالم ويصادر حقوقها، ويكبح جماح أحلامها المشروعة. كما أنها استعاضت عن هذا الواقع بالتعليم والقراءة وتثقيف نفسها، جاء في الرواية ما يلي: "أما "ريميديوس" فقد قرأت عن السياسة والنضال والحركات الإرهابية والرتب الاجتماعي، وقرأت عن أحزان وطموحات العلماء والمناضلين وظلمهم واضطهادهم، وقرأت قصص التعذيب الدامية، والجرائم الجنسية ضد النساء والرجال على حد سواء..." (ص: 12). ومن مظاهر تمرد بطلة الرواية أيضاً أنها تمتلك أحلاماً، ولها طموحاتٍ تسعى إلى أن تحققها في الواقع، لتقدم شيئاً مفيداً للعالم، وأن تمتلك الأنثى حلماً هو أيضاً جريمة، ولذلك قوبلت أحلامها بالرفض والمنع، وعُدّت كما جاء في العنوان أحلاماً "نكرة". لتثبت بطلة الرواية تمرّدها عبر اقتناعها بضرورة تحقيق هذه الأحلام، لذلك انضمت إلى بعثة الإغاثة المتوجهة إلى جمهورية "الكونغوريسيا"، مجازفة بحياتها ومستقبلها في سبيل ما آمنت به.

وبمقابل هذه الشخصية التخييلية التي اضطلعت بتقديم صورة بديلة للمرأة، صورة الأنثى المتمردة، قدّم نسيج الرواية نماذج أخرى تعبّر عن المرأة المنهزمة التي استسلمت لإملاءات المجتمع وأعرافه، بل صارت صوتاً مدافعاً عن تقاليد هذا المجتمع، وقد تجسدت صورة المرأة المنهزمة في شخصية الأم وشخصية الأخت "روبيكا"، فعلى عكس "ريميديوس" التي رفضت تمييز الأب لهن وعدم السماح لهن بالسفر، تقبلت الأم وروبيكا هذا الأمر يقول السارد: "تقبلت الأم والأخت اعتذاره بصدر رحب، أمها وأختها "روبيكا" كانتا خاضعتين لهذا التمييز، لكن "ريميديوس" لم تكن كذلك" (ص: 11). إن شخصيتي الأم والأخت ريبيكا تمثلان صورة المرأة المهزومة الخاضعة والخانعة لتقاليد المجتمع؛ فالأم "كانت امرأة مهزومة، تكرر قناعات الآخرين ومعتقداتهم دون تفكير كالببغاء" (ص: 13)، والأخت الكبرى لبطلة الرواية "روبيكا" كانت "عاقلة وبريئة وسعيدة ومسالمة متعايشة راضية خاضعة، لا ترفض، ولا تثور، ولا تعصي، ولا تزعج، ولا تؤذي، ولا تجرح، ولا تقلق، كمكينة خياطة لا تحتاج لعامل" (ص: 15). أما ريميديوس فقد كانت "أكثر حركة وجرأة وعناداً ورفضاً وقسوة وحزناً، وهماً وتشاؤماً وسلبية وتهوراً" (ص: 15).

انشغلت رواية "أحلام نكرة" بالانخراط في الدفاع عن قضية المرأة، والتعبير عن ضرورة إفساح المجال لتحقيق أحلامها وما تؤمن به، ويمكن عدّ الرواية ضمن الروايات النسوية التي تؤسس خطاباً ثقافياً يرتكن إلى الدفاع عن المرأة وحريتها وحقوقها، وقد عملت الكاتبة شيماء المرزوقي على صياغة المشهد السردي في هذه الرواية ليكون معرباً عن هذه الأفكار، على الرغم من أنها عمدت إلى صياغة واقع وهمي لا وجود له في الواقع، ويتجلى هذا في أسماء الشخصيات [ريميديوس، ريبيكا، ملكيادس، جمهورية الكونغوريسيا...إلخ]. وهو ما يجعلنا نصل إلى أن قضية تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها وحريتها هي قضية إنسانية كونية.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها