في زوايا إحدى المدن الصاخبة، حيث تتلاصق البنايات وتختنق الشوارع بالحكايات، كان "عصام" يمثل الواجهة التي يطمئن إليها الجميع. معلماً يرتدي ثوب الوقار، ومنمق الكلمات الذي يسكن في شقة منعزلة داخل حيّ راقٍ، لم يكن أحد ليتصور أن خلف هذا الباب المصفح يكمن سردابٌ مظلم يبتلع الحياة. كان عصام يعيش في برزخٍ بين نهارٍ يملؤه بالدروس والمواعظ، وليلٍ يحوله إلى صائدٍ للأرواح التائهة. لم تكن ضحاياه بالنسبة له بشراً بآمالٍ وآلام، بل كنَّ "فرائس" يقتنص لحظات انكسارهن الأخيرة. في غرفته المعزولة التي كسا جدرانها بالصمت، كان يمزج السموم بالوعود، ويراقب تحت وهج العدسة تلك اللحظة التي تنطفئ فيها شعلة الوجود في أعينهن؛ اللحظة التي كان يظن فيها واهماً أنه يمتلك القدرة على تجميد الزمن والموت معاً.
كان يحمل تلك الأجساد الهامدة في عتمة الفجر، يلقي بها في قفارٍ نائية لا يسمع فيها إلا عواء الريح، ظاناً أن الصحراء ستطوي أسراره إلى الأبد. ومع كل جريمة، كان يعود لممارسة حياته ببرودٍ مرعب، يصحح دفاتر تلاميذه ويتبادل التحية مع جيرانه، في انفصالٍ تام عن الوحش القابع في أعماقه. ولم يكن سقوطه ناتجاً عن يقظة ضمير، بل عن خيطٍ رفيع من الأدلة الكيميائية التي قادت رجال القانون إلى وكره، ليفيق المجتمع على صدمةٍ زلزلت كيانه؛ الأستاذ المثالي هو نفسه "الغريم" الذي ملأ الصحراء بجثامين النساء، موثقاً فظائعه في أرشيفٍ مرئي يعكس قاع النفس البشرية حين تتجرد من كل رحمة.
وبينما كانت منصات القضاء تلف حبل المشنقة حول عنقه بعدما تأبد حكم الإعدام في مطلع عام 2026، كانت هناك مأساة أخرى تتدفق في الظل. في بيتٍ يفوح منه عبق القسوة القديمة، كانت والدة عصام تقف حائلاً أمام العدالة، لا دفاعاً عن ضحايا ابنها، بل تمسكاً بـ"سلالة" رأتها فوق الجميع. لم تكن تبكي دماً على ما اقترفه ولدها، بل خاضت معركة قانونية لرفضها تسليم حفيدها، ابنه الوحيد، لجهات الرعاية، مفضلةً أن تقضي شهوراً خلف القضبان بتهمة عرقلة تنفيذ الأحكام، على أن تترك الطفل ينمو بعيداً عن كنفها المسموم. كانت تحاول بصلفٍ غريب أن تحافظ على تلك النبتة الصغيرة في نفس المناخ الذي أنبت الوحش الأول، وكأنها تعدُّ العالم لمأساةٍ جديدة تولد من رحم الوصاية المشوهة والجمود القاتل.
في ليلته الأخيرة، لم ينطق عصام بكلمة ندم، بل ظل سجيناً لنرجسيته المريضة حتى اللحظة التي سرت فيها الحقنة في عروقه. انتهت رحلته، لكنها تركت خلفها جرحاً غائراً وتساؤلاتٍ تدمي القلوب حول طبيعة الشر الكامن خلف الوجوه المألوفة. رحل الجلاد، وبقيت ذكرى الضحايا ترفرف فوق الرمال، وظل الطفل الصغير يحمل في ذاكرته ملامح أبٍ لم يورثه سوى الخزي، وجدةٍ حاولت أن تسجنه في قفصٍ من الكراهية والإنكار. لقد أغلقت القضية، لكن صدى الصرخات المكتومة سيظل يتردد في أروقة الصمت، مذكراً الجميع بأن أبشع الوحوش هم أولئك الذين يبتسمون في وجوهنا نهاراً، ويقتاتون على أرواحنا ليلاً.