مرّ أدب الحرب بمراحل متعاقبة، متجانسة مع ألوان الصراع، وتداعيات الحروب التاريخية، التي تناولها الإبداع الإنساني في سياقات تعبيرية مختلفة:
شعرية، وغنائية، ومسرحية، وصولًا إلى أحدث مستويات التعاطي الأدبي مع تجربة الحرب، المتمثّل في تسريدها الروائي.
✧ أولًا: أدب الحرب والصراع الإنساني ✧
لم يرد مصطلح "أدب الحرب" ــ بإحالته على ارتباطاته ومضامينه ــ في الدراسات النقدية الأوروبية والأمريكية والعربية. وعلى ذلك، فهو ذاك النوع من الأدب، الذي يعبّر عن التجربة الإنسانية الحربية الخاصة والعامة، وعمّا تنفرد به هذه التجربة من خصوصيةٍ، تتمايزُ ــمن خلالهاــ مع التجارب الأدبية الأخرى1.
كما أنه في رؤية الناقد الإنجليزي (صاموئيل تيلر كولردج)2 ذاك الأدب، الذي يتعاطى مع تجربة الحرب، في صيغٍ نقدية للحياة؛ إذ "يتناول الحرب كظاهرة اجتماعية لها تأثيرها على المجتمع داخليًّا وخارجيًّا، اجتماعيًّا واقتصاديًّا أو سياسيًّا"3، مُتّخِذًا من صورِ الصراع والمعاناة موردًا للإلهام في الكتابة الأدبية.
◄ الصراع والمجتمع والأدب:
منذ أن وُجِدَ الإنسان على وجه الأرض، والحروب والصراعات جانبٌ رئيس في حياة المجتمعات البشريّة. بدءًا من قصة "قابيل" و"هابيل"، مرورًا بالصراعات والحروب بين الأمم والشعوب في شتى العصور التاريخية، وصولًا إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحروب التي تناسلت منهما؛ سعيًا إلى غايات متعددة، وبمسمياتٍ اختلفتْ من حرب إلى أخرى.
وبما أن الحرب ظاهرة اجتماعية في رؤية (جاستون بوتول)، فإن ذلك يحيل على ولادة "أدب الحرب" ــ بصورة أو بأخرى ــ من الحروب وسياقات الصراع4؛ فالحروب مسارٌ من مسارات التطور التاريخي والمجتمعي، تفضي إلى ظهور "أدب الحرب"، بوصفه آليةً لفهم تأثيراتها ودورها في تحولات المجتمعات الإنسانية.
وبذلك، فإن العلاقة بين الأدب والحرب، تعود ــ بالدرجة الأولى ــ إلى ارتباط كل منهما بالإنسان؛ إذ يستوعب "أدب الحرب" يوميات الشعوب، وألوان المعاناة، في فترات الصراع. ويعكس الجوانب الإنسانية والنفسية، التي يعيشها أفرادُ المجتمعات البشرية، في محطاتها الحياتية الحرجة. وفي سياق ذلك، تظهر حاجة الشعوب إلى "أدب الحرب"، باعتباره وسيلةً توثيقية للتجارب الإنسانية، والتحولات والأحداث التاريخية.
◄ تاريخ أدب الحرب:
إذا كان "أدب الحرب" قد ارتبط بالحياة الإنسانية منذ نشأتها الأولى، فإنه قد اختلف من عصر إلى آخر، في دوره وطريقته التي يتعاطى من خلالها مع التجارب الحربية؛ ففي العصر البدائي اضطلع بتصوير البطولات، لاسيما ما يتعلق منها بصراع الإنسان مع قوى الطبيعة.
وفي عصر الحضارات الإنسانية الأولى، بدأ التطور التدريجي في تعاطي الأدب مع الحرب؛ إذ استوعب ــ في صورته الشفاهية ــ مضامين المعارك والحروب الطاحنة بين الجيوش، هادفًا من خلال ذلك إلى التعبير عن تمجيد الزعيم وتعظيمه. فعملت الأساطير والحكايات الأدبية، على إعلاء شأن الزعيم والقائد، وصولًا به إلى مصاف الآلهة. من ذلك، ما تضمّنتْه نصوص الأدب العالمي، من تعاطٍ مع حروب قومية وإقليمية، كما في ملحمتي "الإلياذة والأوديسا"، للشاعر اليوناني (هوميروس).
وحَدَثَ في العصر الحديث تحوُّلٌ جذريٌّ في تعاطي الأدب مع الحرب، من خلال دوره الجديد المتمثّل في مناهضتها، وتصويره لمشاعر المقاتل وخوفه واضطرابه وانكساره، وتحولاته الوجدانية بين الفرح والحزن، في ساحة القتال وبعد المعركة، بعد الانتصار، وبعد الهزيمة.
كما أن الأدب في العصر الحديث، قد اضطلع بمهمة التعبير عن كارثية التجارب الحربية، المناقضة لطبيعة النفس البشرية المجبولة على حب الحياة؛ إذ استوعب تساؤل الإنسان عن الحرب والجدوى منها، ورؤيته فيها، وكُلفة الصراع التي يدفعها في الحرب، سواءٌ أحالفه النصر فيها أو انسحق بالهزيمة.
◄ الحرب في الشعر والفن:
تجانُسًا مع تنوّع الأدب والفن، توَزّعَ أدبُ الحرب على الأنواع التعبيرية الأدبية والفنية؛ فتضمّن الشعرُ القديم صورًا من الحرب؛ إذ عبرت ملاحمه عن الفخر والبطولة، سواءٌ في شعر اليونان والإغريق، أو في الشعر العربي الجاهلي، الذي اجتمعت فيه فكرتا الحب والحرب معًا في قصائد عددٍ من شعرائه، منهم: عنترة بن شداد، وثعلبة ابن عمرو، والحارث ابن ظالم، وغيرهم. مع فرادة شعر عنترة بما تضمّنه من خصائص، أهمها أنه كان يتذكّر الحبيبة وسط المعارك، ويربط بين الحب والحرب برباطٍ سببيٍّ (منطقي)، مُتَمَثِّل في شجاعة الحبيبة، وحبها للبطولة والفروسية5.
وفي سياق تطور الأدب في تعاطيه مع الحرب، يأتي الشعر الحديث تعبيرًا عن مواجع الحروب ومأساتها، ودعوةً إلى السلام. ولعل من أهم التجارِب الشعرية في هذا المنحى، تجربة الشاعر الفرنسي (بول أيلوار)، الذي اتّسمت قصائده بالبساطة الحادة التي تلهب المشاعر. من خلال تناوله للأحوال العامة، والمثقفين، والمناخ العام في فرنسا، أثناء الاحتلال الألماني6.
كذلك، يتعطى فنّا "المسرح" و"السينما" مع الحرب، فيستوعبا التعبير عن ويلاتها، في الأفلام والمسلسلات والمسرحيات. ومثل ذلك، هو استيعابُ كلِّ الفنون لأبعاد التجربة الحربية. مع اتّفاقها كُلّها في إحالتها على تأثُّرها بالحروب والصراعات، واضطلاعها بتصوير كارثيّتها، وتوثيق المشاعر والتجارب الإنسانية، التي عاشت مآسيها وتداعياتها.
✧ ثانيًا: رواية الحرب ✧
يحيل مفهوم "رواية الحرب"، على أدبيتها الواقعية في التعاطي مع الحرب، من خلال إلقاء الضوء على سياقات متعددة، متعلقة بآلية الحرب، وأحداثها، وأطرافها المتصارعة7، باعتبار هذا النوع من الرواية نموذجًا للسرد الهادف على المستويين الإنساني والوطني، الذي يتناول الكوارث الحربية وتأثيراتها الاجتماعية والإنسانية8.
فالرواية تُعدّ ــ في حاضرنا الراهن ــ أهم الأجناس الأدبية المأهولة لاستيعاب تجربة الحرب، بمعناها الواسع، وبماهيتها حدثًا وذكرى وواقعةً. وصيغتها التاريخية بوصفها مرحلةً زمنية، يمكن أن تعقب الحرب، أو تسبقها، أو تأتي متوازيةً معها. وما يتعلق بها من رؤية إنسانية فيها، بما هي عليه من أبعاد نفسية، واستجابةٍ للسلطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وكانت قد ظهرت في القرن السابع عشر، تجلياتٌ من التعاطي الأدبي مع التجارب الحربية في أعمال روائية مهمة. من مثل رواية "دون كيشوت"، للكاتب الإسباني (ميغيل دي ثيربانتس)، التي قدمت خدعة الحرب وأوهامها. ورواية "كانديد"، للكاتب الفرنسي (فولتير)؛ بما جسّدته من فكرةٍ للشرّ المطلق، الذي تنطوي عليه الحروب والصراعات، من خلال ما قامت عليه سياقات هذه الرواية، من توظيفٍ رمزيٍّ لتجربة الصراع في "حرب السنوات السبع"، التي عاشتْها أوروبا.
◄ الرواية المناهضة للحرب:
يُعدُّ القرن التاسع عشر هو البداية الأولى، التي ظهرت فيها تجارب روائية، تتناول الحرب وفقًا لرؤيةٍ سردية جديدة، من حيث تأثيراتها المأساوية، في حياة الناس ويومياتهم.
وقد تعددت الروايات، التي قامت على هذه الرؤية السردية. من أبرزها رواية الروائي الروسي (تولستوي) "الحرب والسلم"، التي تدور أحداثها في فترة اجتياح (نابليون بونابرت) لمدينة "بطرسبورغ" الروسية عام 1805، إذ أعلت هذه الرواية من قيمة الحياة، وكشفت عن عبثية الحروب، وتداعياتها المُحزنة، وتكلفتها التدميرية العالية.
وانتقد الروائي الفرنسي (ستاندال 1783 ــ 1842)، في روايته "الأحمر والأسود"، التجهيزات العسكرية في حروب القارة الأوربية آنذاك. كما سرد في روايته "صومعة بارما"، معركة (نابليون) الأخيرة "واترلو"، في "بروكسل"، وما تجرّعه فيها هذا القائد من هزيمة قاسية، وما حفلت به من محارق القتل والدمار والفوضى. ومن خلال تسريد أحداث هذه المعركة نفسها، قدم (فيكتور هوغو) في روايته "البؤساء"، صورها التدميرية، وآثارها الاجتماعية والاقتصادية القاسية.
وتضمّنت رواية "الكارثة"، للروائي الفرنسي "إيميل زولا"، مأساة الجنود، ومعاناتهم، كما تناولت بالنقد سلوكيات الجيش والسلطة الفرنسية أثناء الحرب.
وأضاءت رواية (ستيفين كرين) "شارة الشجاعة الحمراء"، أجواء الحرب ورعبها ومشاهد القتل المفزعة فيها. وَمِثْلَ هذه النماذج، كانت عددٌ من الروايات، التي كتبها أدباءُ وكُتّابٌ بارزون، من مثل (دوستيوفسكي، وتورجنيف)، وغيرهما، ممن سَخِروا من الحروب، ودُعاتِها وأفكارهم التدميرية.
وفي القرن التاسع عشر ــ وامتدادًا إلى القرن العشرين ــ تناولت عددٌ من الرواياتِ الحربَ الأهلية الأمريكية، من زاوية آثارها الكارثية. من ذلك، رواية (مارغريت ميتشل) "ذهب مع الريح". ورواية "غير المقهور"، للكاتب (ويليام فولكنر). ورواية (مايكل شارا) "الملائكة القاتلة".
◄ سرديات الحروب العالمية:
ظهر عددٌ كبير من الروايات، التي كانت الحروب العالمية مادتها السردية. فمن الروايات التي عمل فيها كُتّابها على تسريد أحداث الحرب العالمية الأولى، رواية "وداعًا للسلاح"، للكاتب الأمريكي (إرنست همنغواي)، التي تضمّنت تسريدًا عامًّا لجبهات الحرب المشتعلة، وأوضاع جنودها المزرية، والثمن الباهظ الذي دفعه المدنيّون فيها.
وفي الفترة الزمنية ــالتي امتدت ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانيةــ تبلور نسقٌ من الفكر الإنساني المناهض للحرب، في كتابات روائية وأدبية، لعدد من الكتاب المرموقين، من مثل: (روجيه مارتن ديغار، وإيريش ماريا رُمارك، ولوئي فردينان سلين، وإرنست هيمنغواي). وغيرهم من الكتّاب، بما فيهم عددٌ من المنظِّرين اليساريين والليبراليين. لذلك، كان لهذا الزخم الفكري المناهض للحرب، دوره الفاعل، في اتِّخاذ الحكومات الأوربية سياسةً محافظةً تجاه الحرب.
وحينما لعبت وِلادة حكومات يمينيّة متطرفة ــ في: (فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، والنرويج، والمجر)، وعدد من البلدان الأوربية ــ دورًا فاعلًا في مساندة دعاة الحروب، وتعزيز ميولهم، ظهر في مواجهة هذا الدور موقفُ عددٍ كبير من الكُتّاب، الذين نشروا رواياتٍ مثيرة، تضمّنت تسريدًا لكارثية الحروب، وحرضت الرأي العام، الذي انتصر لمناهضتها في وجه الداعين إليها والمُنظّرين لها.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان هذا الزخم الفكري والروائي -المنتصر للسلام- آخذًا في التنامي المتسارع؛ إذ سار عليه أغلب الرواة، الذين نالت رواياتهم اهتمامَ الرأي العام؛ لِمَا وَصَفَتْه من عبثيةِ تلك الحروب، إذ كانت مُناهَضةُ الحربِ قاسمًا إنسانيًّا مشتركًا فيما بين كُتّابها، على اختلاف اتّجاهاتهم وميولهم الفكرية والسياسية، منهم: (ألبير كامو، روبر مرل، بيكيت، سارتر، رومن غاري، نورمان ميلر).
ومن الروايات التي اتخذت مادتها السردية من الحرب العالمية الثانية -في سياق هذا الاتِّجاه الفكري والأدبي المناهض للصراعات والحروب- رواية "الثلج الحار"، للكاتب "يوري بونداريف"، التي تناولت أحداث معركة "ستالينغراد"، من زاوية أحوال الجنود، بصفاتهم البشرية المجبولة على الخوف، والترقُّب، والارتباك.
ومن روايات الحرب -في أواخر القرن العشرين- رواية "مخاوفي السبعة"، للكاتب البوسني (سلافيدين أفيدتش)، التي تعاطت مع الواقع الدامي، في أحداث الحرب البوسنية، التي اندلعت في العامين 1992، و1995.
ومثلها رواية "عداء الطائرة الورقية"، للكاتب الأمريكي من أصلٍ أفغاني (خالد حسيني). التي تناولت الأحداث الدموية في أفغانستان، بما هي عليه من اضطرابٍ وكارثية، بدءًا من انهيار نظامها الملكي، ومرورًا بالتدخل العسكري السوفياتي، وما تلا ذلك من نزوح اللاجئين إلى أمريكا وباكستان، وصولًا إلى سلطة طالبان.
✧ ثالثًا: خصائص رواية الحرب ✧
◄ بين الرواية ورواية الحرب
يتبادر إلى الأذهان تساؤلٌ حول مدى اختلاف الرواية بمفهومها الأدبي العام، عن الرواية بمفهومها الخاص ونسقها المتعاطي مع تجارب الحرب، وتسريد تفاصيلها المأساوية وأحزانها وبطولاتها.
ويفضي البحث عن إجابة عن هذا التساؤل، إلى ما تحيل عليه الرؤية النقدية العامة من مساواةٍ بين هذين النسقين الأدبيين (الرواية/ ورواية الحرب)؛ إذ لا فرق بينهما عند عددٍ من النقاد، من مثل: الناقد (تيزفيتان تودوروف). والناقد الإنجليزي (والتر ألن) في كتابه، الذي تناول فيه تاريخ الرواية الإنجليزية والأمريكية. والناقدان (رونالد بورنيف، وريال أوليت)، في كتابهما "عالم الرواية". ومثلهما الناقدان (رينيه وولك، وأوستن وارن)، في كتابهما "النظرية الأدبية".
وتفسير ذلك كامنٌ في أن رواية الحرب -مثلها كمثل غيرها من الروايات الأدبية- هي صياغةٌ فنيّةٌ نثريةٌ، تستهدف توصيف فهم الحياة الإنسانية. وعلى ذلك، فلا يمكن إغفال تمايُزها التفصيلي، من حيث: خصوصية قاموسها اللغوي، وشخصياتها، وحيزها الزماني والمكاني.
◄ رواية الحرب بين الصورة واللغة
في سياق الانفجار المعرفي والتقني المتسارع، ارتقت الصورة إلى مستوىً متقدمٍ في إمكانيات استيعابها للأحداث. لاسيما الصورة السينمائية والتليفزيونية، والمقاطع التصويرية المختلفة.
ولذلك، كانت الصورة أوضح التقاطًا للحرب وأحداثها، وأدقّ نقلًا لتفاصيلها بما هي عليه من رعبٍ ووحشية، وأبلغ تجسيدًا للَّحظة. على مستوى التوثيق والنشر، بشكلٍ لا يصل إليه العمل الأدبيّ أيًّا كانت أساليبُه وتقنياته الكتابية.
والرواية -بوصفها عملًا أدبيًّا- ليس في مستطاعها منافسة الصورة، في استيعاب الحرب وتفاصيلها، التي تقدمها تقنية التصوير بامتيازٍ واقعيٍّ لا يمكن إنكارُه.
وعلى ذلك، فإن الموازنة بين الصورة والرواية في هذا النسق التوثيقي، لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار ماهيةَ كلٍّ منهما. فإن كانت ماهية الصورة هي التوثيق المباشر للواقع بمعطياته المحسوسة، فإن ماهية الرواية هي اللغة، بما فيها من فضاءاتٍ تتجاوز اللقطة المباشرة، إلى ما وراء اللقطة، وإلى ما تنطوي عليه حركيّة المشهد المرئي.
وبمعنى آخر، إن مهمة الرواية ليست النقل التفصيلي لحقائق الحروب الدائرة على المستوى الواقعي، وإنما التعاطي مع ما وراء الصورة، وما يترتب عليها، وما يتعلق بها من حياةٍ مثخنةٍ بتداعياتها ومآسيها، وما يتناسل منها من أبعادِ المعاناة في مجتمعات الصراع الدموي، وفي حياة ذوي الضحايا والمنكوبين بآثارها الكارثية.
◄ من أحداث الحرب إلى تسريدها
لا يحيل الانتقال المباشر من الحدث إلى تدوينه الكتابي على ما يتجانس مع هذه المباشرة من وسيلةٍ تعبيرية، بقدر ما يحيل على ارتباطه بالحال السايكولوجية القريبة من الحدث، الهادفة إلى تخليد اللحظة قبل الموت المحدق في الذات الكاتبة. لذلك، لا تتّسقُ كتابةُ رواية الحرب مع هذه المباشرة التدوينية، وإن كان هناك من الروايات المهمة المتعاطية مع تجارب حربية، ما كُتب قبل أن تضع الحرب أوزارها، من مثل رواية "الأمل"، للكاتب الفرنسي (أندري مالرو).
إن أجود سرديات التجارِب الحربية، هي تلك الأعمال، التي كُتبت بعد انتهاء الحرب9. ويعني ذلك، أن تسريد أحداث الحرب بحاجةٍ إلى مسافةٍ زمنية فاصلة بين الحدث وتدوينه، تكفي لاستيعاب ما حدث، وتأمُّل أبعاده وتجلياته.
ويرتبط تحديدُ مقدار هذه المسافة، بخصوصية الجيل والزمن ومتغيرات الصراع؛ إذ الغاية منها هي الوصول إلى رؤية واضحة فيما جرى. وبذلك، فقد تمتد هذه المسافة -من أجل الوصول إلى رؤيةٍ في حربٍ من الحروب- إلى زمنٍ طويل، قد يصل إلى عقود. كذلك، يرتبط تحديدُ مقدار هذه المساحة الزمنية بالعامل الأيديولوجي، الذي يستدعي تأجيل الكتابة عن الأحداث، حتى تزول مخاوف التعاطي السردي مع تفاصيلها وأبعادها الطائفية.
وإلى ذلك، فإن كثيرًا من مآسي الحرب وتداعياتها، لا تتجلّى بصورةٍ واضحةٍ إلّا بعد انتهاء الحرب. حينها تُسهم في إنضاج الرؤية السردية، التي تتراكم في الذهنية الروائية، مع احتفاظها المتتابع بكل حدثٍ ومشهدٍ من مأساوية الحرب. ومن ثم تأتي اللحظة التدوينية المناسبة، للخروج من تجربة الحرب بمُنْجَزٍ من الإبداع الإنساني السردي.
كما أن تدوين أحداث الحرب بعد زمن كافٍ لتسريدها، متوائم مع ما تسعى إليه الرؤى السردية في رواية الحرب، من إعادة النظر في أسئلة الحرب وجدواها، وتحويرها إلى أسئلة جديدة، في صدارتها ما يتعلق بجوهر الرواية، والجدوى منها في التعاطي مع الحرب وتداعياتها الكارثية.
هوامش: 1. السيد نجم، "أدب الحرب: الفكرة ــ التجربة ــ الإبداع". كُتب عربية، د.ت. ص: 139،138. ┋ 2. نفسه، ص: 145. ┋ 3. رباب أحمد أحمد مجاهد، "البعد الاجتماعي في أدب الحرب دراسة سوسيولوجية لرواية الحرب في بر مصر". مجلة كلية الآداب ــ جامعة بور سعيد، العدد (25)، أكتوبر 2023م، جـ2/ ص: 204. ┋ 4. جاستون بوتول، "الحرب والمجتمع". عباس الشربيني (ترجمة). ط1، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، د.ت، ص: 113. ┋ 5. السيد نجم، "أدب الحرب". مرجع سابق، ص: 194ــ196 ┋ 6. نفسه، ص: 197. ┋ 7. نجاح العطار، وحنا مينا، "أدب الحرب. دار الآداب، بيروت، 1980، ص: 5. ┋ 8. نجم عبد الله، "مقالات في النقد الأدبي والظاهرة الأدبية". ط1، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2010، ص: 93. ┋ 9. السيد نجم، "أدب الحرب". مرجع سابق، ص: 142.