
تعود مفردة كاريكاتير في اللغة الإيطالية إلى "كاريكاتورا" التي تفيد المبالغة والمغالاة في إظهار العيوب بغاية الإصلاح وتصويب الأخطاء.. وبسبب تعاطيه الساخر مع قضايا الوجود عُدّ الكاريكاتير فنّاً مشاغباً ومحرضاً على تجاوز الهنات اعتماداً على تفاعله المباشر مع جمهور المتلقين. ولربما بسبب اعتماده في الغالب على تجاور الرسم بالنص المكتوب ظل انتماؤه غير محدد وعانى بسبب ذلك من إهمال الباحثين له إلا فيما ندر. أما تضخيمه للأشياء فأسعفه في التعبير القوي عن الفكرة مع سهولة إيصالها إلى المتلقي العادي. وتظهر بساطته اللونية في اعتماده –في الغالب- اللونين الأبيض والأسود فقط. أطروحياً، يتأسس فن الكاريكاتير على القضية والابتسامة.. رافعتان جعلته منحازاً لعموم للناس.. وظيفته النقد عبر التقاط الأعطاب ورميها في وجه المسؤولين عليها.
تاريخياً، عد الكاريكاتير من أعرق الفنون المثيرة للجدل بسبب توسله السخرية واختزال كم هائل من المشاعر والمواقف في مشهد واحد. وعندما نقول عراقة فن الكاريكاتير فهذا يعني أنه سبق الكتابة في التواجد، تكفي مراجعة رسومات الإنسان البدائي على جدران الكهوف. فن مركب من عنصري التشكيل والسخرية، من المغالاة وتضخيم أبعاد عدة أسعفته على النقد الاجتماعي والسياسي من خلال تحريف الملامح الطبيعية للموضوع المطروق أو قلب حدي المعادلة.. وذلك من خلال المفارقة التي تجعل الذئب مثلا يرعى الغنم، والراعي يبيع الحليب للبقرة وما شابه ذلك.. أو عن طريق المبالغة في رسم عضو بعينه كإطالة لسان السياسي المدعي، وتضخيم أنف المخبر الذي يحشر نفسه في كل شيء وما إليه.
أطروحياً، ينتصر الكاريكاتير للقيم الإنسانية النبيلة وهو في ذلك ذو صلة مباشرة بقضايا اجتماعية مثل الإدمان والطلاق وتدهور القيم. أو قضايا سياسية مثل الانتخابات وعلاقة الحاكم بالمحكوم وما إليه. واشتباكه بالقضايا السياسية والاجتماعية يجعله في قلب المعارك الطبقية والفكرية المولدة للقيم الاجتماعية المأمولة.. يقول هنري برغسون في كتابه "الضحك": "إن الضحك يتجه إلى الذكاء الخالص وله وظيفة اجتماعية". قولة تفيد ضمنيّاً أن سخرية الكاريكاتير تُعيد الإنسان إلى عالمه الأول الذي كان يتمتع فيه بالتصالح مع الذات على اعتبار أن السخرية قوة كالضحك من جهل الذات ونقائصها قبل سخريتها من الآخر. سياق نستحضر فيه سقراط باعتبار أشهر المتهكمين والساخرين، وذلك من خلال تظاهره بالجهل وهو يطرح السؤال البريء حد السذاجة التي تضحك محاوريه وإن كان هو من يضحك الضحكة الأخيرة. ولربما لهذا السبب قال كيركجورد: "جدية التهكم ليست جادة".
يعود ارتباط الكاريكاتير بنص مكتوب إلى الكوميديا اليونانية الساخرة؛ يكفي ذكر مسرحية "الضفادع" لأرسطوفان.. وعاود الظهور ذات الارتباط لاحقاً في "دون كيشوط" لسرفانتس الذي سخر من التراث الكلي لعصر الفرسان في العصور الوسطى. فضلاً عن شعر الهجاء العربي.. وسخرية الجاحظ في كتابه "البخلاء" من الضعف لا من الشخص الضعيف.. والقصة الساخرة كما وردت في "كليلة ودمنة" التي رصدت عيوب المجتمع على لسان الحيوانات، ومقامات الهمداني والحريري وطرائف جحا وما إليه.
فلسفيّاً يبدو فن الكاريكاتير فن الكشف عن عبثية العالم ولا جدوى من الحياة دون سؤال ومراجعة مادام الموت يترصدنا في أول منعطف.. إلى درجة أن هناك من توسل هذا الفن للسخرية من الموت سواء في الرسم كما فعل ليوناردو دافنتشي، أو في فنون مجاورة كما في الشعر مع الشاعر الفرنسي أندري بريتون، أو في الرواية السوداء مع الروائي البريطاني جونتان سويفت (ق18).. وقس على ذلك مروحة من التجارب الأخرى التي سنتوقف عندها بعجالة.

خصوصية كاريكاتير ليونارد دافنتشي:
تعددت مواهب ليوناردو دافنتشي (1452/1519) وتوزعت بين الموسيقى والرسم والنحت والهندسة والتشريح.. فعلى الرّغم من كونه عالماً ومخترعاً، إلا أنّ موهبته في الرسم أكسبته شهرة واسعة. فلواحته تميزت بمجموعةٍ من الصّفات الَّتي طالما سعى طلَّاب الفن إلى تقليدها واتباع مدرسته، حتى وُصف بكونه رساماً خارج التصنيف، وأكثر ما ميّز أعمال دافينتشي ابتكاراته الفنية في وضع الألوان والطلاء، معتمداً على معرفته علم التشريح، والضوء وعلم النبات والجيولوجيا، بالإضافة لاهتمامه بعلم الفراسة، وكيفيّة التّعبير عن العواطف بالتّعابير والإشارات، فضلا عن استخدامه الفريد لتشكيل جسم الإنسان، والتدرج الدقيق للألوان، كل هذه القيم اجتمعت في أشهر لوحاته: الموناليزا، والعشاء الأخير، وعذراء الصخور.. لكن أهم ما يحسب له في فن الكاريكاتير هو سخريته من عصر الفروسية الواهمة.

في فن النحت وفي فترة شبابه صنع من الطين بعض الرؤوس لسيدات كانت تضحك من عبثية الحياة، وشُكلت ضمن فن الطباشير.. وامتدت سخريته الفنية من عدم اكتفائه بمشي الإنسان إلى رسمه بجناحين ضخمين، وبات يؤمن بإمكانية طيرانه إلى آخر حياته.. وهذا ما يبرر حضور الطيور في الكثير من لوحاته فضلا عن الإنسان المجنح.. ففي لوحته البشارة (1472/1475) تبدو فيها المرأة بجناحين وكذلك لوحة "التنين والأسد". وذات الشغف رافقه وهو يصور غواصات تسير تحت الماء وعصر النهضة في بداياته. وتبدو سخريته واضحة كذلك من حياة العدو في رسمه لآلات القتال الحربية وذلك من خلال رسوماته السابقة لزمنها بكثير، يكفي مراجعة رسالته عام 1482 إلى أحد القادة العسكريين، والمرفقة برسم القوس والنشاب العملاق المطلق للنار والصخور والقنابل.. لكل هذا نتصور أن هذا الفنان مثل بحق روح سخرية عصر النهضة الأوروبية في بداياتها الأولى.

خصوصية كاريكاتير ناجي العلي:
تميز الكاركتريست الفلسطيني ناجي العلي (1937/1987) بالنقد اللاذع لسياسة الاستيطان، ولتخاذل السلطة الفلسطينية أحياناً في الدفاع عن كرامة المواطن.. وعد واحداً من دعاة التغيير السياسي عن طريق لوحاته التي تعاطف معها الجمهور العربي. لوحات انفردت بحنظلة منذ هزيمة 1967: الطفل الغاضب والمدير لظهره للأنظمة العربية.. يقول ناجي العلي: "إن حنظلة بمثابة الأيقونة التي تمثل الانهزام والضعف في الأنظمة العربية". وعندما سئل عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".

ولناجي العلي –إلى جانب حنظلة- المرأة الفلسطينية (فاطمة) التي تتكرر في لوحاته.. وهي شخصية متمردة ولا تهادن.. وبمقابل هاتين الشخصيتين تقف شخصيتان: الأولى شخصية السمين ذي المؤخرة العارية والذي لا أقدام له (سوى مؤخرته) ممثلا به بعض القيادات الفلسطينية والعربية المرفهة. وشخصية الجندي الإسرائيلي، طويل الأنف، الذي في أغلب الحالات يكون مرتبكاً أمام حجارة الأطفال، وخبيثاً وشريراً أمام القيادات الانتهازية. ولنقده الجدري لكل أشكال التهاون بات المسؤول عن اغتياله بلندن سنة 1987 موزعاً بين الموساد واليمين الفلسطيني المتطرف.
بالنتيجة يمكن القول؛ إن فن الكاريكاتير بقدر اتصافه بالمبالغة في تصوير شخصياته ومواضعه لغرض النقد الاجتماعي والسياسي- بقدر ما يمتلك قدرة تفوق الكلمة والتقارير الصحافية في إدانة قبح الواقع وكشف مآسي العالم.. فن ينتعش في ظل هواء الحرية والحق في إبداء الرأي المختلف عما هو رسمي وسائد.. إن الكاريكاتير بهذا المعنى أحد أهم الفنون المحرجة للقامع والمستبد ومراجعة القيم السلبية، ولذلك فهو يحقق شرط التواصل بين الناس ويقف على النبض الحقيقي للشارع.