القراءة وتطور الحامل

مدخل للمصالحة بين الكتاب الرقمي والكتاب الورقي

سعيد سهمي


ليس بدعاً أن تلاقي الرقمية اليوم بعض المناوئين لها، الرافضين للانخراط فيها؛ شأنها في ذلك شأن كل الإبدالات التي تكون دخيلة على المجتمع. هذا الموقف يأتي، في الواقع، بسبب غياب مراكمة ثقافة كافية حولها، بحيث لو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن الموقف من الرقمية اليوم لا يختلف عن الموقف من ظهور الطباعة في ما سبق، بل إن الكتاب كمفهوم حين ظهر اتخذ الناس في سالف الزمان منه الموقف نفسه، لاسيما الكنيسة التي كانت تحصر مفهوم الكتاب في الإنجيل أو الكتاب المقدس، بل إنه إلى حدود العهد النبوي، كان العرب المسلمون يرون في كتابة غير القرآن الكريم بدعة وضلالة، بما في ذلك الحديث النبوي الذي نهى الصحابة عن كتابته كما في كتب السير، وهو ما يعني أن المشكل ليس في الرقمية وفي قراءة الكتاب الرقمي؛ وإنما في الموقف منها والذي يتخذ صبغة ثقافية عند العرب الذين تغلب عليها ثقافة المشافهة.
 

من جهة أخرى؛ فإن الموقف من الرقمية؛ من الكتاب الرقمي، والمعاملات التجارية والمالية الرقمية، والصداقة الرقمية، والتواصل الرقمي، والتعليم الرقمي، باعتبار مشكلاتها وسلبياتها المفترضة، هو موقف عام من التكنولوجيا ككل، فرفض الانخراط في الكتاب الرقمي يأتي كاستمرار عادي لرفض التكنولوجيا من جهة، ورفض التغيير من جهة ثانية، والذي يمكن أن نعتبره بمثابة خاصية للثقافة الشرقية، والعقلية الشرقية التي ترفض كل جديد في بدايته.


الكتابة وتطور الحامل:

لقد تطورت الكتابة بتطور الحضارات وقد كان طبيعياً أن تتطور لتصل إلى ما هي عليه اليوم؛ فالرقمية تشكل إبدالاً جديداً (nouveau paradigme) عمَّ الحياة الإنسانية ككل، وكان من الطبيعي أن يغزو الثقافة ويعمل على تجديد في طبيعة الحامل (le support)؛ ففي العصر الحجري كان الحجر هو المادة الأولى التي اعتمد عليها الإنسان في صناعة الأدوات الخاصة بالأكل والشرب وغيرها من الأمور المرتبطة بمجالات حياته البسيطة، وهو ما جعل الكتابة أيضاً تتم بالحجر الذي يمكن أن نعتبر الطبشور اليوم المستعمل في الكتابة على السبورة استمراراً لاستعمال الحجر في الكتابة؛ وقد كان الإنسان انطلاقاً من ذلك يستعمل الرسومات وغيرها على الأسطح للتعبير والتواصل وتخليد بعض المناسبات كطقوس العبادة ومراسيم الدفن وغيرها؛ ثم تطور الأمر إلى الكتابة على الطين، ومع تطور الزراعة وتطور أدواتها انتقل الفراعنة إلى الكتابة على ورق البردي الذي استمر لقرون طويلة وشكل تحولا على مستوى حامل الكتابة.

قياساً إلى واقع اليوم، لا شك أن مواقف في ذلك الزمن قد سُجلت من طرف السياسيين أو العلماء أو الزراعيين من هذا الانتقال الذي يمكن أن يعتبر إفساداً للطبيعة أو استغلالا للنبات أو قتلا للزراعة التي كانت تعتبر عصب الحياة الاقتصادية، وأن فئة عريضة من المجتمع كانت مع الاستمرار في النقش على الحجارة والحفظ في الصدور، بدل استغلال الأرض في زراعة البردي عوض الحنطة، وهي نفسها المواقف التي نجدها اليوم تُسَجَّل ضد الكتاب الرقمي الذي يرى فيه البعض تدميراً للصحة، واستنزافا للطاقة البشرية، ومضيعة للكهرباء، وغيرها من الحجج التي تدعو المتشبثين بالتقليد إلى الاقتصار على الكتاب الورقي في القراءة.

ظهور الطباعة وموقف الممانعة:

يمكن القول؛ قياساً إلى الواقع وإلى بعض الوثائق التاريخية، أن الموقف من الطباعة التي ظهرت في النصف الأول من القرن الخامس عشر، لا يختلف عن موقفنا اليوم من الرقمية، وأن أول من واجه الطباعة هم رجال الدين، الذين أفتوا بتحريمها، ولا نشك أن موقف العامة منها آنذاك لا يختلف عن موقفهم اليوم من التعامل مع الآلة، فرجل الدين اعتبرها بدعة وذات صلة بالشيطان، وابتعاداً عن روح الدين الذي يرى في كتابة اليد من طرف القس بركة أشبه ما تكون ببركة بعض الفقهاء اليوم الذين يداوون مرضاهم بالرقية المكتوبة (le talisman) بخط اليد والتي لا يمكن للكتابة المطبوعة حسب اعتقادهم أن تؤدي ذات المعنى وذات المهمة، خاصة أن الإنسان انتقل إلى تقليد جديد يمكن أن نسميه بالتحضر، وهذا الانتقال بتعبير بعض علمائنا من رجال الدين يعتبر من البدع التي لا يمكن أن تكون ذات خير على الأمة؛ ومن ثمة فضلوا عليها كتابة خط اليد واستمروا يؤلفون بها الكتب ويسودون بها الرسائل وغيرها، والتي من تقاليدها كوننا نجد، إلى اليوم، في جل المؤسسات الرسمية والإدارات يطالبون الراغبين في الانتساب إليها أو الاستفادة من خدماتها أن يضعوا طلباً خطياً، درءاً لاحتمالات التزوير والغش.

كما أن المعطى الطبي أيضاً يهمنا، فلا شك أن الأطباء والعشابين نبهوا، مع فجر ظهور الطباعة، إلى أضرار جسيمة قد تصيب من يتعاملون مع الكتب المطبوعة، خاصة على مستوى العين، والتي تتأتى بفعل القراءة في الأوراق المطبوعة نظراً لأن الأصباغ وطبيعة الورق المصنع قد تؤثر على العينين، فضلا عن صغر الحروف والكلمات وهو ما يرهق، لا محالة، القارئ الذي اعتاد على القراءة في المواد الطبيعية كالجلود والطين وأوراق البردي المحبرة بالأقلام يدوياً وبخط بارز وواضح.

رغم انتشار الرقمية عبر تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال (TIC) في العالم، منذ ما يناهز العقدين، نلاحظ أننا نحن العرب ما نزال بعيدين كل البعد عن الانخراط الجاد في الرقمية في المجالات الحيوية كالتعليم والمعاملات التجارية والمالية؛ كما نلاحظ أن هناك امتعاضاً كبيراً من طرف البعض حول قضية الانتقال الفعلي إلى ما يمكن أن نسميه التطبيع مع الكتاب الرقمي، وهذا التحدي يمكن أن نعزوه إلى واقع القراءة بشكل عام في الدول النامية، ومنها الدول العربية؛ غير أن هذا الموقف من الكتاب الرقمي والقراءة فيه أقوى؛ لأن الإنسان على النقيض من تعامله مع الكتاب الرقمي، نجده يعتمد على الوسائط التكنولوجية في التواصل المباشر والتراسل السريع وما إلى ذلك، ولا يقبل على الكتب التي أصبحت متاحة بشكل منقطع النظير في مواقع التواصل الاجتماعي وعبر بوابات مكتبية خاصة.

هذه الفئة المعارضة للكتاب الرقمي تبرر إعراضها بعيوب القراءة في الوسيط التكنولوجي، من خلال ربط هذا الإعراض ببعض المبررات الصحية التي تستدل على ذلك بخطورة الوسيط الإلكتروني على العينين والدماغ أحياناً، أو المبرر النفسي الذي يرى أن التعامل الآلي يؤدي إلى أمراض نفسية مثل التوحد والاكتئاب؛ وغيرها من المبررات التي جعلت اليوم البعض يفتخرون بأنهم لا يستطيعون ولا يقدرون على القراءة في غير الكتاب الورقي، وأنهم لا يجيدون الكتابة على الحامل الإلكتروني ولا يجيدون التعامل مع الحاسوب.

التقليد في العقلية الشرقية:

يكمن العائق الأكبر وراء الانتقال إلى الرقمية في العقلية التقليدية لدى الإنسان الشرقي الذي يبدو دائماً ضد التجديد وضد التغيير، وهو ما يحول دون الانتقال إلى براديغم جديد يتمثل في الرقمية التي فرضها العصر التكنولوجي كمستوى التفاعل مع الجيد ومن الإبداع والابتكار ولذلك فهو يرى في كل شيء جديد أمراً مرعباً قد يشكل خطورة على ثبوتيته ووثوقيته المعرفية والعملية؛ خاصة عندما يرتبط الأمر بمجال التقنية؛ وهذا ما يفسر التعامل الحذر اليوم مع التكنولوجيا ومع الرقمية.

في هذا السياق، يمكن القول إن مفهوم البدعة في الثقافة العربية ليس بجديد؛ وإنما هو في الأساس لا بد أن يواكب كل جديد، وهو ما يقدم الدليل على أن الموقف من الرقمية ومن الكتاب الرقمي وقراءته هي من قبيل الامتداد لهذا الامتناع الذي يرى في الأشياء الجديدة والمغايرة نوعاً من الفوبيا العامة التي لها خطورة على الإنسان وفق الفهم المحدود للحديث النبوي الذي يقحم في المجال إقحاماً: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".

فوبيا التقنية:

هناك عامل آخر يدعو البعض إلى النفور من الكتاب الرقمي ويتمثل في الخوف من التقنية، والسبب يعود إلى كون التقنية في البلدان العربية وفي الدول النامية تستورد ولا تستوعب، ولذلك فإنها تأتي إلى عالم الإنسان العربي من بوابة الغرب، عبر الاستيراد، وهو ما يعزز النفور من الرقمية كبراديغم جديد، والذي غير كثيراً من المفاهيم التقليدية في حياتنا.

نعتمد –نحن العرب- على ثقافة السماع، ولذلك فالموقف من الكتاب لا يختلف عن الموقف من التلفاز حين ظهر أو المذياع الذي كان المسلمون في بداية ظهوره يعتبرونه بدعة أو من وسوسة الشيطان، كما أطلق بعضهم على التلفاز صندوق العجائب، كما أن الهاتف حين ظهر في بداياته صار بعض الفقهاء يفتون بتحريمه تارة وبكراهته تارة أخرى، وهو ما يبرر الموقف ذاته اليوم من الرقمية ومن الكتاب الرقمي، بحيث تحوم حوله فيها ضروب من الشك الدائم ونوع من النفور.

القراءة الرقمية ضرورة العصر:

من الأمور الجديرة بالذكر هنا أن القراءة في الرقمية هي أكثر بكثير من القراءة في الكتاب الورقي، وهذه الحقيقة لا غبار عليها فإن الاحتكاك اليومي والدائم بالهاتف الذكي والحاسوب تجعل المرء يقرأ ويعي ما يقرأه وهو أكثر بشكل كبير من القراءة في الكتاب ما يجعل التفاضل ضرباً من الوهم؛ إذ إنّ الجميع يقرأ في الرقمي ولا يقرأ في الكتاب.

إن واقع المتعلم والطالب على مستوى البحث العلمي مثلاً ينحو بشكل دائم نحو الرقمية والكتاب الرقمي، بل صار النفور من الكتاب الورقي مع الانتقال الرقمي في أمور الحياة بشكل عام؛ فالهاتف والحاسوب واللوحة الإلكترونية والتلفاز وغيرها من الوسائط الرقمية، حالت دون التشبث بالكتاب، ولعل هذا ما يدعو إلى الانخراط الأمثل في الرقمية بشكل يتماشى مع الحياة ومستجداتها، دون إقصاء الكتاب الورقي؛ إذ إنّ البحث في أسباب الإعراض عن الكتاب الورقي اليوم يعود إلى الانشغال بالتكنولوجيا والرقمية، وهو ما يدعو إلى جعلها وسيلة للقراءة لا الاعتراض عنها في وقت صارت إبدالا لا مفر منه.
 

من مميزات الكتاب الرقمي:

لا يخفى على قراء الكتاب الرقمي ما له من مزايا وحسنات، والتي قد تتجاوز مزايا الكتاب الورقي، ومن بين هذه المزايا:

سرعة انتقاء المقروء:

 يتيح الحامل الرقمي بشكل منقطع النظير وبسرعة قياسية البحث عما نريد قراءته سواء تعلق الأمر بتحديد الكتاب، أو تحديد فصل من الكتاب، أو صفحة من الكتاب عبر ما يتيحه الحامل الجديد من خيارات أوتوماتيكية؛ بحيث نقرأ بمرونة من خلال انتقاء ما نقرأه.

مسألة التوافر:

تتيح المكتبات الرقمية والإلكترونية المنتشرة عبر مختلف المواقع الإلكترونية أو المحمولة على الجهاز أو على الشرائح الإلكترونية، تتيح توفير ملايين الكتب، كما أن الرقمية سهلت الولوج إلى المكتبات العالمية لشراء الكتب، فضلا عن نشرها وترويجها وتبادلها.

القراءة التفاعلية:

لا يخفى ما للقراءة التفاعلية من أهمية بالنسبة للقارئ، بحيث تمنحه ثقافة ومعرفة بما يقرأه بشكل مباشر وسريع؛ حيث يسمح الحامل الإلكتروني بالانتقال من مجال إلى مجال وبالتفاعل مع المقروء بشكل مباشر كتدقيق معلومة، أو التعريف بشخصية، أو معرفة ما كتب حول النص أو حول المؤلف، وهذا مفيد بالنسبة للباحث الذي أصبح بإمكانه أن يتنقل بحرية وبمرونة من نص إلى آخر، وهو ما لا يتيحه الكتاب الورقي.

يسر القراءة:

رغم أن البعض يرى أن الكتاب الورقي سهل القراءة إلا أن التعامل مع الكتاب الرقمي يجعلنا نكتشف المرونة التي يتمتع بها الكتاب الرقمي من خلال اختيار ما نريد قراءته، والبحث المباشر عن الفقرة التي نريد والصفحة التي نريد، ببساطة، فضلا عن التحكم في حجم المقروء وفي الإضاءة، وغيرها من الإمكانيات التي يتحها الحامل الرقمي.

على سبيل الختم: الورقي والرقمي يكمل بعضهما البعض:

كما نتحدث اليوم عن ضرورة المصالحة بين التراث والحداثة، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين القديم والحديث، باعتبار ضرورة القديم والجديد في بناء صرح الحضارة المعاصرة، كذلك لا بُد من التأكيد على أهمية كل من الكتاب الرقمي والكتاب الورقي؛ بحيث لا بُد من التأكيد على أهميتهما معاً؛ لأنهما معا يمثلان الحضارة والعصر، والحق أن المؤرخين والأركيولوجيين، إلى اليوم، يعودون إلى الوثائق المكتوبة على الحجر أو الطين أو إلى ما كتب على ورق البردي في سالف الأزمان وبقي حياً بيننا من أجل التوثيق وقراءة التاريخ، فكذلك لا يمكن أن نستغني عن الكتاب الورقي الذي يعتبر أصلا ووثيقة مادية ذات أهمية ولهذا؛ فإن البعض يعولون على الكتاب الورقي باعتباره وثيقة مادية لا يمكن الاستغناء عنها اليوم؛ بل إن الكتاب الرقمي يعتمد على الورقي، ولولاه ما كانت لدينا كتب رقمية بهذا الكم، بحيث إن مرحلة الانتقال إلى الرقمية تشبه عملية التدوين التي انطلقت عند العرب في القرن الثاني الهجري، من خلال نقل التراث الشفهي إلى تراث مكتوب، وهو ما نجده اليوم من خلال رقمنة التراث المكتوب رقمياً للتعريف به عالمياً.

إن العصر الذي نعيشه عصر السرعة ولهذا فإن الانتقال إلى الرقمية في أمور الحياة كلها مطلب أساسي، ولا شك أن العرب مطالبون أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة رقمنة التراث للتعريف به عالمياً ولتيسير التواصل مع الكتاب، خاصة بالنسبة للباحثين الذين نرى أنهم اليوم أكثر إقبالا على الرقمية وعلى الكتاب الرقمي الذي لا يقل أهمية عن المراجع الورقية التي تتطلب مجهوداً أكبر للحصول عليها.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها