المعنى والرؤية الشعرية

مقاربة نقدية في ديوان "متأخرات وادي النمل"

د. عبده منصور المحمودي


في ديوانه "متأخرات وادي النمل" -الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة- يقيم الشاعر محمد نعمان الحكيمي رؤيته الشعرية، على أنساقٍ من نسيج الشعرية الاحتفالية بالمعنى. ذلك؛ من خلال ما يتجلّى من هذا النسيج في علاقته بالشعر وفضائه الإبداعي المأهول به. وما يتجلّى -أيضًا- من علاقته بالقصيدة؛ بوصفها محراب ارتعاشٍ لدهشة المعنى، وأنساق الخطاب الشعري.

 

توصيفٌ مُكثّف:

في توطئة الديوان المعنونة بـ"محمد نعمان الحكيمي متوالية الرَّوي المسيَّج بلغة باذخة" [الديوان؛ ص: 9،8،7] قدم الكاتب والناقد الأكاديمي الدكتور عمر عبد العزيز توصيفًا مكثّفًا لمعالم الديوان وأبعاد الاشتغال الشعري فيه. إذ يشير إلى أن هذا العمل يأتي "تواصلًا مع إصدارات دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة الخاصة بالشعر الحميني اليماني، وما يفيض حول هذا التحديد التوصيفي من تنويعات شعرية تُجسِّر العلاقة بين الفصحى والكلمات الدارجة". بوصف هذا الديوان ممثّلًا لطبيعة البحث عن تجليات الشعر الحميني في الشعر اليمني المعاصر. وذلك؛ بحثًا عن المشتركات بينهما، وتجسيرًا للعلاقة بين الفصحى واللهجات الدارجة. وخاصة تلك التي اكتست قميًا دلالية عامة، وأصبحت تمثل ما يمكن تسميته بـ"اللهجة المدينية العربية".

وفي سياق ذلك، يشير الكاتب إلى ما قام عليه الديوان من حال "التصوْفُن" المقرون بالروح والما وراء". لا سيما فيما يتعلق بالابتهالات النبوية. ناهيك عما في العمل من فاعلية الذائقة والمعرفة لدى الشاعر، في تعاطيه مع الأبعاد الدلالية التي يزخر بها التراث العربي. وما تتميز به تجربته من خاصية النص "المُشعرن بالغنائية الصادحة"؛ اعتمادًا على "الروي المقرون بالتسكين على الطريقة البردونية، مما يمكن ملاحظته في أكثر من قصيدة في المصفوفة الماثلة".

كما تتضمن تلك التوطئة توصيفًا موجزًا للغة العمل. إذ تتشكل نصوصُه بصيغٍ لغوية باذخة، ومُسيّجة بأجمل البحور الخليلية ذات الجرس الموسيقي الواضح. بما في ذلك تجاور البُنى الإيقاعية لهذه البحور مع مسارات الأنين، التي تستوعب واقع اليمن البائس. اليمن الآخذ نحو التشظي "هنالك حيث يتم استبدال الغنى بالفقر، والحكمة بالحماقة، واللحمة الواحدة للوطن الكبير بالاستيهامات الأيديولوجية القاصرة".

واتفاقًا مع هذا التكثيف التوصيفي، للتجربة الشعرية في هذا العمل، تأتي مقاربتنا النقدية -هذه- لأنساق الاشتغال على بناء الرؤية الشعرية فيه، بتيمة المعنى وتجلياته في النص الشعري.

معنى المعنى ومسارات استقصائه:

تتعاطى السياقات الشعرية في هذا العمل، مع المعنى -ومعنى المعنى- بوصفه متغيّرًا متخلّقًا من تفاصيل الحياة. وتأسيسًا على ذلك؛ فإن الشاعر لا يكلف نفسه البحث عن المعنى. كما أنه لا يبحث في معنى المعنى وفضاءاته التأويلية، بقدر ما يأتي إليه المعنى وأبعاده الإيحائية، متجسّدًا في صيغٍ شعرية لائقة به [ص: 27]:
وحدي، والليل بُرَاق هُدىً .. يتقصّى في العتمةِ عَرْشَةْ
لا أبحث في معنى المعنى .. أو أطرق ما بعد الدهشةْ

وفي هذه الرؤية الشعرية، يتجلّى المعنى مُتمثِّلًا الشاعر، لا مستدرجًا إيّاه إلى اجتراح أنساق استيعابه النصي [ص: 100]:
وكم تقمّصني المعنى كأي صدىً .. ظل امتدادًا لبوحٍ شبه مزدوجِ!

وعلى المساحة الزمنية الشاسعة بين الشاعر المعاصر (الحكيمي)، والشاعر القديم (المتنبي)، إلا أن الشاعر المعاصر يلتقي مع الشاعر القديم في هذه الرؤية. بجوهرها الذي ينأى بالشاعر عما يكلف الشعراء به أنفسهم من مشقة البحث عن المعاني المبتكرة. تلك المعاني التي انقادت إلى "المتنبي"؛ فلم يُجهد نفسه في استقصائها:
أنامُ ملئ جفوني عن شواردها .. ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصم

ومثل ذلك، هو ما تجلى من هذه الرؤية، في تجربة "الحكيمي". حينما لم تستدرجه شوارد المعنى في صورتها المعاصرة، التي تأتي في هيئة برامج تدريبية مكثفة [ص:28]:
والآخر يبدع أخيلةً .. من ورشةِ رسمٍ، في ورشةْ

المعاني المسكونة بالدهشة:

لقد تعددت السياقات الشعرية، التي تضمّنت الإحالة على المعنى وتجلياته، في هذا العمل. وبذلك؛ فإننا قد نجد المعنى والدهشة تتقدّمه عكازةً له، في مثل قول الشاعر: "بالدهشة المعنى تعكز" [ص: 113].

كما أننا قد نجد المعنى، في عددٍ من السياقات. ضمن نسقٍ من الشعرية المنسوجة بأنسنة المفاهيم، التي تضفي عليه صفات الطبيعة الإنسانية. فتصير له ألسنة، في قول الشاعر: "تجري على ألسن المعنى" [ص: 99].

وإلى ذلك؛ فقد يأتي المعنى، في صيغة جمع (المعاني) بتجليات مختلفة. منها ما تتمازج فيه المعاني بالحبيبة، كقول الشاعر: "تداخلت الحبيبة بالمعاني" [ص: 101]. ومنها ما يأتي متضمّنًا تساؤل الشاعر الذي يراوح بين تجريسها: "تجريس المعاني" [ص: 20]. كما أنّ منها تلك المعاني التي تتميز بآفاقٍ خاصة بها: "أفق المعاني" [ص: 68]. أو تتجلى سياقًا، تتمكن لوعة الشاعر من اجتيازه: "لوعتي تشق المعاني" [ص: 85].

المعنى قصيدةٌ ورؤية:

1. انتصار التجربة للقصيدة: تمثّل القصيدة فضاء لتجليات المعنى في أيّة تجربة شعرية. وهو ما استندت إليه شعرية هذا العمل. إذ تجلى ذلك في انتصار التجربة الشعرية للقصيدة أفقًا لاستيعاب الرؤى والمواقف والانتماءات. من مثل قول الشاعر [ص: 65]:
أرضي، وتنبهر الوقاحة .. أن ليس لي فيها مساحةْ!
ولها سماوات بقلبي .. وعلى ضفافي ألفُ واحةْ!
بالوجدِ أكتبها شموسًا .. وقصيدتي أفقٌ، وساحةْ
وبسندس المعنى تراها .. قمرًا تسربل بالفصاحةْ

فهنا تتجلى شعرية المفارقة، بين حالين: الأولى، تلك الحال التي تعترض فيها طريق الذات المبدعة -شعرية وغير شعرية- عددٌ من العوائق، التي تحول دون استحقاق الذات ما يمكن استحقاقها إيّاه من خير بلدها. والحال الثانية، هي الحال التي تُجسّد مكانة البلد، في وجدان الذات المحرومة من خيراته.

واتصالًا بهذه المفارقة بين الحالين، تأتي شعرية المفارقة بين واقعين: واقع الاحتفاء بالأعياد الوطنية. وواقع البؤس، غير المتسق مع بريق الاحتفاء، في قول الشاعر [ص: 122]:
عيدٌ، وفي وجه البلاد أسىً .. يطغى على إشراقة التقوى
ما لي سوى الوجدان أضحيةٌ .. لأحبتي، وقصائدي حلوى

 كما يتجلّى -في هذا التعاطي الشعري مع هذه المفارقة- نسقٌ تعبيريٌّ عن البؤس المستشري في البلد. بما فيه من شمولٍ يمتد إلى الذات الشاعرة، فلا تجد ما تستطيع تقديمه للأحبة، في مثل هذه الاحتفالات سوى العاطفة أضحيةً، والقصيدة قطعة حلوى.

2. تيمة المعنى في هيئة القصيدة: يبدو في سياقات العمل نسقٌ من التنوع في الاشتغالات الشعرية، على تيمة المعنى في هيئة القصيدة. من مثل الإخلاص الوجداني للقصيدة، في قول الشاعر [ص: 122]:
ريحان عاطفتي أنا خصصته .. لقصيدة من أنهر النسرينِ

كذلك هو الأمر، في التوصيف الشعري للفرحة الغامرة التي تعيشها الذات الشاعرة، بأنها ليست سوى نسقٍ من تصفيق ذائقة الشاعر للقصيدة. في لحظة استقبالها للإلهام الشعري [ص: 102]:
وذائقتي الشفيفة من أمامي .. تصفق للقصيدة حين تهطل

وصولًا إلى ذروة العلاقة بين الذات الشاعرة والقصيدة. في نسقٍ من شعرية الأحزان، التي تستوي بها هذه الذات ذهولًا متدفقًا من شفاه قصيدة مترعة بها [ص: 51]:
تتفوّد الأحزان زئبق أحرفي .. وأنا على شفة الذهول قصيدة

وبذلك يمكن القول؛ إنّ الرؤية الشعرية -في هذا الديون- قد تشكّلت من خلال قصديةٍ اشتغالية على ممكنات الشعرية في المعنى: تيمةً، وتفاصيلَ حياة. تلك التفاصيل، التي تشتبك معها الذات الشاعرة، فتستوعبها لحظات الإلهام الشعري. ومن ثم تعيد صياغتها في صيغ متعددة، من الإنجاز الإبداعي المترع بالحيوية والدهشة والجمال.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها