راعي الذئب وحاضن الأرنب!

جوزيف بويس Joseph Beuys الفنان الثائر

عز الدين بوركة



نحات المجتمع: فن الجميع

"يوجد إبداع كامن في جميع مجالات العمل الإنساني"، هكذا يلخّص الفنان الألماني المعاصر" جوزيف بويس (1921-1986) Joseph Beuys" تصوره وفلسفته تجاه الفن، ويضيف في موضع آخر أنّ "كل إنسان [هو] فنان"؛ فقد سعى هذا الفنان إلى جعل العمل الفني أكثر بساطة وأكثر قرباً من المتلقي، قادماً من العالم الاعتيادي، إذ جعل كل أعماله مركبة من مختلف الخامات والمواد الممكن الحصول عليها في الشارع وفي كل مكان. إذ تقوم فلسفته الفنية على دمج عمله وحياته مع بعضهما البعض ضمن ما يسمى بــ"الفن الكلي" Art-total، حيث يعمد الفنان إلى الدمج بين عدة وسائط فنية للتعبير عن وحدة الحياة. مستخدماً مواد متنوعة ظلت نادرة الاستخدام في عملية الإبداع، قبل بزوغ فجر المعاصرة: (الشحم، الدهون، التراب، الدم، الكبريت، الخشب...).

كان مسعى بويس التمرد على كل النُّظم التي ظلت تؤطر الفن داخل محددات مسبقة، جمالياً وتعبيرياً، إذ يصرح قائلاً: "لقد مرّ وقت طويل منذ أن تركت ما يُسمى بالفن الحديث". هذا القول مردّه إلى ما خَبره الفنّان في حياته وما عاشه زمن الحرب العالمية الثانية، وما شهده من دمار وحرب وقتل ودماء وموت، فبالتالي سعى إلى الانقلاب على كل النُّظم العقلانية والحداثية.

وبالتالي، كان لا بد أن يثور بويس على كل تلك المحددات العقلانية التي رأى فيها أنها سبب ما وصل إليه البشر من قتل ودمار، مما دفعه إلى ابتكار ما سماه بـ"النحت [=الفن] الاجتماعي"، في ستينيات القرن الماضي. ويدل هذا المفهوم على استخدام موسع للفن، الذي يدمج في طياته النشاط الإنساني في سعي لبناء وهيكلة المجتمع والبيئة المحيطة. فـ"النحات الاجتماعي" هو فنان يخلق بنىً في المجتمع بمساعدة اللغة والأفكار والأفعال والأشياء الاعتيادية... عكس النحت السياسي، فالنحت الاجتماعي أقل مثالية، فهو لا ينطلق من معطى مثالي بل من البيئة والواقع اللذيْن يسعى إلى تغييرهما وتحويلهما. وبالتالي، فالفنان يصير أكثر انخراطاً في بيئته ومجتمعه، وذلك عبر تحويل الجمهور العادي إلى مشاركين بدل أن يكونوا متفرجين فحسب.

 انطلاقاً من هذا صاغ جوزيف بويس في ستينيات القرن الماضي نظرياته حول الوظائف السياسة والاجتماعية والثقافية للفن. فقد كان مدفوعاً بالإيمان بقدرة الإبداع العالمي للإنسان وإمكانية الفن في أن يحدث تغيرات ثورية... لهذا ظل ملتزماً تجاه قضايا إنسانية عديدة، خاصة بفعل ما عاشه في سنوات الحرب حينما كان جندياً في القوات الألمانية، قبل أن يثور على ماضيه ويحوّل كل طاقته صوب الفن، ليجسد تصوره تجاه الحياة والإنسان.

تتصل أصول أفكار بويس بعلم طبائع البشر (الأنثروبوسوفيا) منجز الفيلسوف النمساوي رودلف شتاينر (1861-1925)، الذي تأثر به كثيراً هذا الفنان. وبموجب هذا التأثر اشتق هذا الفنان مصطلحه الشهير "النحت الاجتماعي"، حيث يمكن للجميع المساهمة في المنجز بطريقة إبداعية. فالكل فنان؛ وبالتالي يمكن للكل أن يُبدع، إذ لا حدود ولا مصوغات ولا مؤطرات سابقة للفن، فقد بات –في نظره- كل إنسان باستطاعته الإبداع. ما يجعل من الفن حقاً مشروعاً لكل فرد، وأما "النحت الاجتماعي فهو علاج لشرور المجتمع ولذلك فمن الواجب تدريسه للجميع، ليس بهدف أن يصبح الجميع فنانين، بالمعنى الكلاسيكي، وإنما ليتاح للجميع تطبيق مفاهيم الفن والإبداع في حياتهم اليومية"، يقول بويس.

لقد آمن جوزيف بويس طيلة حياته، وعبر كل ما وضعه لصياغة تصوره الفني، أن كل نشاط إنساني هو نشاط فني، إذ يقول: "كل جانب من جوانب النشاط البشري، حتى تقشير البطاطس يمكن أن يعتبر عملاً فنياً، طالما أنه عمل واعٍ". فالفكرة تكمن في أن كل قرار نتخذه يجب التفكير فيه، وذلك محاولة لصنع أو المساهمة في عمل فني، الذي يعود في آخر المطاف لصالح المجتمع. حيث تدعو وجهة النظر هذه أتباعها إلى أن يصبحوا أكثر تواضعاً في إدراك أنهم جزء مهم من الكل وليسوا أفراداً فقط.


العرض الأدائي "كيف تشرح الصور لأرنب ميت" (How to Explain Pictures to a Dead Hare (1965


الأرنب الميت: نهاية الفن

تتمركز فلسفة بويس حول ضرورة خروج الفن إلى الفضاء المجتمعي، ليرتبط بالمجتمع والإنسان، أي أن يكون أفراد المجتمع فاعلين في بناء العمل والفعل الفنييْن، من حيث إنّ المجتمع في حد ذاته عمل فني، بل إنه أكبر عمل فني على الإطلاق. ومن هنا فإن الغرض من العمل الفني أن يكون ذا فائدة وقيمة اجتماعية، وما العالم كله سوى مسرح وجميع البشر هم بمثابة ممثلين وليس أكثر. وتنبع هذه الفلسفة من رؤية فنية مفادها أن الجمال والمعرفة هما عنصر واحد لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض. وبالتالي، فبويس يتمرد على كل القيم الفنية الكلاسيكية والحداثية، التي ظلت تحدد وتؤطر الإدراك البصري للعمل الفني التقليدي المرتبط بالناحية الجمالية فقط. إذ إن "هدف الفن هو تحرير الإنسان، لذلك فالفن هو علم الحرية"، كما يقول.
ولأنه يصعب فصل العمل الفني لجوزيف بويس عن حياته وما عاشه وخبره من تجارب، خاصة المتعلقة بزمن الحرب، فهذه الفلسفة الفنية التي يمارسها ويُنظّر لها هذا الفنان، قد يكون أهم حدث نبعت منه متعلق بالحادثة التي وقعت له وهو في مهمة حربية. إذ في الخمسينيات من القرن العشرين، جسّد بويس "أسطورة" خاصة به من خلال نشر قصة إنقاذه من قبل فلاحي شبه جزيرة القرم في عام 1943، عندما كان طياراً لقاذفة قنابل ألمانية، وقد تمت تغطيته بالقماش اللباد والدهون الحيوانية، وفقاً لتقنية قديمة للوقاية من انخفاض حرارة الجسم. وهذه من العوامل التي جعلته يركزّ في عمله على موضوعات القيامة والطاقة الحيوية وعلاقة الفرد بالمجموعة وبالكون. فما خبره من الموت المتكرر في ساحة الحرب، جعله بعد انتهائها يفكر في إعادة قيام المجتمع وتغيير قيمه التي ظلت سائدة، والتي في نظره أدت إلى تدمير العالم. كأنه يقوم بتكفير عما ساهم فيه من خراب.

وبسبب ذلك الحدث الذي "بُعث" إلى الحياة من بعده، سيعتمد بويس في أعمال عديدة له على الدهون الحيوانية وقماش اللباد، مغطياً جسده بالكامل أو جزءاً منه بإحدى هاتين المادتين أو مواد أخرى. ومن بين أهم العروض الأدائية الفنية التي قام بها هذا الفنان، تلك التي سيدهن وجهه بالكامل بالعسل وأوراق مذهبة. يتعلق الأمر بالعرض الأدائي "كيف تشرح لوحات لأرنب ميت"، الذي قام بأدائه سنة 1965، في غاليري Schmela، بمدينة ديسلدورف الألمانية. سيشكل هذا العرض/الحدث وقعاً كبيراً في تاريخ الفن، وخاصة المعاصر منه، إذ سيضع الفنان الجمهور أمام ضرورة ملحة لإعادة التفكير في شرائع الجمال والفن وحتى العرض والتلقي. فهذا الفنان الذي قطع مع الفن الحديث، كما يقول، سيعمد في أدائه ذاك إلى غلق أبواب قاعة العرض، عازلاً الجمهور لمدة ثلاث ساعات، ليشاهد العرض فقط من خلال النوافذ الزجاجية للصالة. برأسه المغطاة بالكامل بالعسل والأوراق المذهبة يعمد بويس إلى حمل الأرنب الميت كأنه طفل صغير، ومن ثم سيطوف به القاعة من لوحة إلى أخرى وهو يشرح له اللوحات كأنهما في حوار متبادل. وبعد مرور الساعات الثلاث سيسمح للجمهور بولوج القاعة، جالساً على كرسي عند باب الصالة حاملاً الأرنب الميت برفق، وظهره إلى الجمهور.

لا يزال هذا الحدث الفني مثيراً للدهشة، ومثيراً للنقد والتحليل، إذ لم يتوقف النقاد والباحثون عن قراءته ومناقشته وتحليله. لكن وكما سبق وذكرنا، لا يمكن عزل أعمال بويس عن حياته، إذ لم يكن من العبث أن يختار الأرنب لأداء عرضه الفني، والأرنب حيوان ذو رمزية مكثفة وغنية، يكاد يكون موجوداً في العديد من الأديان والثقافات. ارتبط في الأساطير اليونانية بإلهة الحب أفروديت، أما بالنسبة للرومان والقبائل الجرمانية فقد كان رمزاً للخصوبة. وفي المسيحية ارتبط الأرنب بالقيامة. يدعم هذا التفسير أيضاً "القناع" الذي يرتديه الفنان أثناء الأداء: الذهب كرمز لطاقة الشمس والحكمة والنقاء، والعسل كرمز للنهضة في الأساطير الجرمانية، وهو الأمر المرتبط بنجاته من الموت بعد سقوط طائرته. ومن زاوية أخرى يمكن أن نقرأ هذا الأداء الفني، على أنه إعلان عن موت الفن الحديث، وميلاد (أو انبعاث) رسمي لبراديغم معاصر، حيث تمّ قلب كل القيم، وعلى الجمهور أن يغيّر طريقة تلقيه للعمل الفني، فالأرنب في هذه الحال هو إعلان عن موت المتلقي القديم، غير المتفاعل مع الحدث، وبعث متلق جديد، يشكل ذلك المد والاندفاع إلى داخل القاعة، متلق متفاعل ومشارك في بناء العمل الفني.
 


العرض الأدائي: "أحب‭ ‬أمريكا‭ ‬وأمريكا‭ ‬تحبني" (I Like America and America Likes Me (1974


ذئب بويس: إدانة للعالم

انشغل كثيراً جوزيف بويس بالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، فلم يكن أبداً بعيداً عما يطرأ على العالم من صراع وتغيير... إذ بعد وفاة "بينو أونيسورج" الطالب الألماني الشهير الذي توفي إثر مشاركته في المظاهرات الطلابية سنة 1967، أسس بويس حزب الطلاب الألمان (نوع من الميتا-حزب، للخروج عن كل السياسات القائمة التي تدعهما الأحزاب السياسية). كما أسس منظمة "غير المنتخبين"، كنوع من الثورة على الأوضاع السياسية في ألمانيا في تلك الآونة. لكن تبقى "حرب الفيتنام" الحدث الأهم الذي انطبع في ذهنه وجعله يُقسِم ألا تطأ قدماه الولايات المتحدة، لكنه سيجد نفسه مدعوا لإقامة حدث فني بمدينة نيويورك الأمريكية، الذي سيختار له عنوان: "أنا أحب أميركا وأميركا تحبني"؛ وكي لا يخلف قسمه الذي قطعه على نفسه، يشترط الفنان أن يتم نقله من منزله في مدينة ديسلدورف إلى المطار في سيارة إسعاف، مغمض العينين، وعند وصوله إلى نيويورك سيجد في انتظاره سيارة إسعاف ثانية، لتنقله معصوب العنين ومغطى بالكامل بلحاف إلى قاعة العرض René Block، حيث تمّ وضع قفص بداخله ذئب القيوط البريّ. سيلج بويس القفص مغطى باللباد بالكامل حاملاً عصا؛ كأنه يحاول ترويض القيوط الذي شاطره الفضاء. وبعد مرور خمسة أيام صحبة الذئب، الذي ظل يقرأ له يومياً صحيفة "وول ستريت"، التي انتهى صفحاتها مع الوقت إلى فراش للحيوان البري، سيرجع بويس إلى موطنه عبر ذات الخطوات محمولا على سيارة إسعاف. وبالتالي، طيلة هذه الرحلة لم تطأ قدمه أرض أمريكا، وظل وفياً لوعده.
لم يكن هذا العرض الأدائي الذي امتد لأيام، سوى إدانة صريحة لما ارتكبته أمريكا من حرب مدمرة في الفيتنام، حيث إن القيوط يعد رمزاً للهنود الحمر الذين استوطنوا القارة الأمريكية قبل استكشافها. إدانة تدعوا أعظم دولة في العالم ألا تعيد الكرة التي وقعت في حق الهنود الحمر؛ من أجل بناء اقتصاد عالمي على حساب الأرواح التي زهقت، ويتمثل الأمر في قراءته الجريدة الاقتصادية الأشهر في العالم للذئب، الذي سيفترشها في آخر مطاف. سيقول بويس فيما بعد "أعتقد أني كنت على اتصال مع النقطة الحساسة نفسياً لتوزيع الطاقة في الولاية المتحدة: الصدمة الأمريكية بأكملها مع الهنود "الرجل الأحمر".
لقد وجد بويس في الحيوانات الطاقة الخفية والروحانية الأصلية، المرتبطة بالبعد الأسطوري والرمزي والإنساني. حيوانات تعبر عن الاستيطان والقتل والإبادة والتهجير، وحتى الانبعاث والحياة. إذ عبر الأرنب الميت سيدعو إلى إحياء و"قيامة" فن جديد، موسوم بالمعاصرة، وعبر القيوط سيسلط الضوء على الحياة الأمريكية التكنولوجية والتجارية والبراديغمية التي ستغزو العالم. عبر حوار روحاني بين السكان الأصليين والمستوطنين الأوروبيين القدامى. هذا الحوار الذي ظل قائماً بمختلف الأشكال في معظم أعماله عبر ما يحمل من حمولات "اللغة" و"التفكير"، إذ يقول الفنان عينه: "أن تفكر، يعني أن ترسم"، ويضيف "اللغة هي التي تجعلني أهتم بالرسم"، بالتالي تمتزج عنده اللغة والتفكير في بناء رمزية مكثفة لأعماله الفنية، وذلك ضمن سياق الفن المفاهيمي القائم على ثنائية "الفن واللغة".

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها