أسطرة الطبيعة في ديوان "كيف نضحك أمام القتلة"؟

 للشاعر العُماني سماء عيسى

عماد الدين موسى


تكادُ قصيدة الشاعر العُماني البارز سماء عيسى أن تكون تحفة إبداعية بحدّ ذاتها، لما تتسم به من خصوصية جليةٍ، سواء من جهة البنية الأسلوبية الرصينة أو من حيثُ التناول الإنساني الحميم لجوانب حياتية عديدة، تبدأ من الهمّ الشخصي إلى الهمّ الجمعي العام. قصيدة سماء عيسى ذات نبرةٍ خافتة ومُغايرة؛ وهو، دون شك، صوت شِعريّ مُتفرّد ورائد من روّاد الحداثة الشِعريّة لا في الخليج فحسب، بل وفي العالم العربي أيضاً.

 

في مجموعته الشِعريّة الأحدث "كيف نضحك أمام القتلة"؟ الصادرة عن دار نثر في مسقط 2025، يؤكّد الشاعر سماء عيسى على حيويّة قصيدته، فهي قصيدة شابّة لا تشيخ، حيثُ تُجدّد قاموسها، مفردةً مفردة، مع كل مجموعة جديدة له، مضيفاً إليها المزيد، دون رتابةٍ أو تكرار مملّ، قصيدةٌ روحيّة ووجدانيّة، تصلح لكلّ زمان وكل مكان، يقول: "امنحيني بعضَ بكائكِ/ أيتها الحرية/ امنحيني دمَ الغزالة/ امنحيني جناحَ الطيرِ المهاجر/ عبر البحارِ إلى المجهول".

ثمّة نَفَس درامي متواتر، هادئ ومُحبّب، نجده في القصيدة السابقة، يُضفي المزيد من السلاسة إلى أجوائها، عدا عن بنية الجُملة الشِعريّة وما لها من جماليّاتٍ آسرة تبهر القارئ وتشدّه إلى عوالمها.

قصيدة الخلود:

يؤسطر سماء عيسى (من مواليد مسقط عام 1954) الفراشة والزهرة والأشجار والمطر والحقل، وكل ما هو دافئ ورقيق من حولنا؛ أساطيره حقيقيّة ومنبثقة من الطبيعةِ وحدها، لكأنّها الحبر الذي يكتب به قصائده ويخلدّ من خلالها عالمه الخاصّ وما يؤنس ذاك العالم، الغريب والمألوف في الآنِ معاً، حيثُ التجلّي الصوفيّ المؤثر في نبض كلماته وحيثُ "الشِعرُ" وسيلة للهروب من العدم والتعبير عن مكنون الروح، تلك الروح الهاربة في تمرّدها والتي حملها المتصوفة والشعراء والفنانون وهم في رحيلهم الدائم نحو المجهول.

في قصيدة بعنوان (أتحدّثُ عن الزهرة) يقول الشاعر:
"عن الزهرةِ أتحدّث
على بابِ البيتِ وهي تذوي
مثلما يذوي الزمنُ بي
ونغدو معاً في اليباسِ وفي اليباب.

هي الأسرعُ في الرحيل
الأكثرُ جمالاً وبراءةً ونقاء
اختارَها الملكُ
وأبقاني أذبلُ رويداً رويداً.

ذاتَ يوم سيطرقُ باب بيتي ملك
لا أراه ولا يحدّثني
فقط يقتادني صامتاً إلى الموت
لأرى الزهرة تنتشر في الكون
عبقاً وجمالاً لا يُضاهَى.

أتحدّثُ عن الزهرة
عمّا يعودُ ولا يفنى
أتحدّث أنا الراحل دون عودةٍ إلى التراب".

تقسيم القصيدة السابقة هكذا إلى اسكيتشات أو مشاهد متتالية، أو ما يسمّى بتقنيّة المقطع، بحيثُ كلّ مقطع يأخذُ مساحة (هايكو).. ثلاثة جُمل/ أسطر أو أكثر قليلًا، يُسهّل على القارئ عمليّة التلقّي، ويتيحُ له الانتقال بسلاسة من مقطعٍ لآخر، بالإضافة إلى عنصر المفاجأة في نهاية كل مقطع، وصولاً إلى نهاية النهاية أو القفلة، حيثُ ذروة الشِعريّة والإدهاش.

اللعبة اللغويّة:

يكتب سماء عيسى عن الشمس والجَمال والسماء والحريّة والحُبّ الجارف، يكتب بمنتهى الرويّة والأناة؛ "ليس لتلك الطرق الموحشة/ في الجبال البعيدة/ غيرُ الحنين/ غيرُ الجمالِ اللامرئي"، ثمّة تدفّق شِعريّ سلس يبدأ ولا ينتهي في معظم قصائد هذه المجموعةِ، الواقعة في 64 صفحة من القطع المتوسط؛ يقول: "انصتي قبلَ النوم/ قبلَ رحيلِكِ الأبديّ/ إلى حديثِ الوردةِ الغافية/ انصتي في سَيْرِكِ البطيءِ إلى الموت/ سيأخذكِ النسيانُ بعيداً عنّا/ الشمسُ زرقاءُ بلونِ الطفولة/ زرقاءُ بلونِ الحب".

ما نجدهُ هنا، في هذا القصيدة، من انسيابيّة وديناميكية في اللغةِ أو تلاعب بالمفرداتِ ومن ثمّ رصفها هكذا بدقّة وذكاء، حيثُ الجُمَلُ تتوالد واحدةً تلو الأخرى، ما يضفي المزيد من الربط والليونة على أجواء المجموعة، حتى تكاد أن تكون أشبه بقصيدةٍ واحدة، طويلة وغايةً في البراعة والإتقان.

أصالة قصيدة النثر:

تجربة الشاعر سماء عيسى الممتدّة على مدار خمسة عقودٍ؛ أي منذ نشره لأولى قصائده/ بواكيره في منتصف السبعينيات من القرن الفائت، تُعدّ تجربةً ثريّة وواحدة من أكثر التجارِب اللافتة في العالم العربي، لما لها من تأثير في تجارِب شبابية لاحقة ولأكثر من جيل من جهة، وتأسيسها إلى جانب تجارب أخرى لأصالة قصيدة النثر العربيّة من جهةٍ ثانية.

ولعلّ أهمية تجربة سماء عيسى، بحسب الشاعر صالح العامري، "ليست في الكلمات التي تشكِّل معمار بنائه الشعري، بل في معماره الكلِّي، في مناخاته، في القسوة التي انسحب إليها، أو بالأحرى في تلك القسوة الشفيفة التي أغوته وسحبته بقوَّتها، فوقع في طقسها ومفاتنها وفي حبائل جمالها المرعب".

"لن أعود إليكِ أيّتها المدن الغبية/ أيتها المدن حاملةُ الكآبة والعدم واللصوص/ والمشوّهين من رداءةِ الأعماق".. يقولُ الشاعر.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها