لم تكن المكتبة في الحضارة الإسلامية مخزنًا صامتًا للكتب، ولا غرفةً جانبية تحفظ فيها المصنفات بعيدًا عن حركة المجتمع؛ بل كانت مؤسسة حية تتقاطع فيها المعرفة بالتعليم، والكتاب بالعمران، والوقف بالمنفعة العامة، والفن بصناعة المخطوط. ومن يقرأ تاريخ المكتبات الإسلامية قراءةً متأنية يدرك أن الكتاب لم يكن مجرد وعاء للنص، بل كان كائنًا حضاريًا كاملًا: يُنسخ، ويُصحح، ويُجلّد، ويُوقف، ويُعار، وتُثبت على صفحاته آثار مالكيه وقرائه وسامعيه. لذلك لا يصح أن ننظر إلى المكتبة الإسلامية بوصفها تاريخًا للرفوف والخزائن فقط، بل بوصفها تاريخًا مبكرًا لتنظيم المعرفة وإدارتها وإتاحتها.
ومن هذه الزاوية يلتقي تاريخ المكتبات الإسلامية بعلم المكتبات والمعلومات؛ فالسؤال الجوهري في الحالتين واحد، وإن اختلفت الأدوات والمصطلحات: كيف تُجمع المعرفة؟ وكيف تُنظم؟ وكيف تُحفظ؟ وكيف تصل إلى من يحتاج إليها؟
وقد لخص رانجاناثان، في قوانينه الخمسة لعلم المكتبات، روح العمل المكتبي الحديث حين جعل الكتاب للاستعمال، وربط بين القارئ والكتاب والوقت ونمو المكتبة بوصفها كائنًا متطورًا. وإذا انتقلنا بهذه المبادئ إلى التجربة الإسلامية وجدنا أن مكتبات المساجد والمدارس ودور العلم وخزائن الوقف كانت، بدرجات متفاوتة، تسعى إلى الغاية نفسها: ألا يبقى الكتاب حبيس الحيازة، بل يتحول إلى معرفة متداولة1.
نشأت المكتبات الإسلامية في بيئات متعددة. ففي المسجد ظهرت الخزائن المرتبطة بحلقات العلم والقراءة، وفي المدرسة ارتبطت الكتب بالتعليم المنظم، وفي دور العلم اتسعت وظائف النسخ والبحث والمناظرة، وفي قصور الخلفاء والأمراء صارت الخزانة علامة على الرعاية الثقافية والهيبة السياسية، أما في بيوت العلماء والأسر العلمية فقد تكونت مكتبات خاصة تعكس مسارات التلقي والرحلة والاقتناء. وقد بيّنت الدراسات المتخصصة في تاريخ المكتبات العربية الإسلامية أن هذه الأنماط لم تكن نمطًا واحدًا ثابتًا، بل منظومة متنوعة من المكتبات الدينية والتعليمية والخاصة والعامة، تفاعلت مع حاجات المجتمع العلمي في عصور مختلفة2.
وكان الوقف أحد أهم العوامل التي منحت المكتبة الإسلامية بعدها الاجتماعي. فالكتاب الموقوف لم يعد ملكًا خاصًا مغلقًا، بل صار منفعةً مستمرة مرتبطة بالقارئ والطالب والعالم. وبهذا المعنى نقل الوقف الكتاب من دائرة الاقتناء الفردي إلى أفق الخدمة العامة، وجعل المكتبة جزءًا من بنية المجتمع، لا مجرد مظهر من مظاهر الثراء الثقافي. ومتى ارتبط الكتاب بالوقف، صار حفظه وصيانته وإتاحته واجبًا أخلاقيًا ومؤسسيًا، لا رغبة شخصية عابرة.
غير أن أهمية المكتبة لا تقاس بعدد ما تملكه من مصنفات، بل بالنظام الذي يحكم هذه المصنفات. فالكتاب الذي لا يُعرف موضعه، ولا تضبط نسبته، ولا تحفظ نسخته، ولا يصل إليه القارئ، يظل معرفةً ناقصة الفاعلية. من هنا برزت حول الكتاب وظائف متعددة: الخازن الذي يعرف مواضع الكتب ويصونها، والورّاق الذي ينسخ ويبيع ويروّج النصوص، والناسخ الذي يضبط العبارة ويقابل النسخ، والمجلد الذي يحفظ الجسد المادي للمخطوط، والقارئ الذي يعلّق ويصحح، والواقف الذي يضمن دوام الانتفاع. هذه الأدوار لا تماثل بالضرورة وظائف المكتبات الحديثة في صورتها المؤسسية، لكنها تكشف وعيًا عمليًا بأن المعرفة تحتاج إلى إدارة، وأن الكتاب يحتاج إلى وسيط يحفظه ويعرّف به ويقربه من مستعمليه.
وتتضح بدايات التنظيم المعرفي في عناية العلماء والوراقين بتقسيم العلوم، وضبط أسماء الكتب، ونسبة المصنفات إلى مؤلفيها، وتمييز النسخ، وإعداد القوائم. وليس كتاب «الفهرست» لابن النديم مجرد قائمة لعناوين متناثرة، بل خريطة واسعة لعالم التأليف والعلوم واللغات والفرق وحركة الترجمة والكتّاب. ومن ثم يمكن النظر إليه بوصفه شاهدًا مبكرًا على الوعي الببليوجرافي؛ أي الوعي بأن الكتاب لا يكفي أن يوجد، بل ينبغي أن يوصف، وأن يوضع داخل شبكة من العلاقات: مؤلف، وعنوان، وموضوع، ولغة، ومصدر، وسياق. وهذا المعنى يقترب مما تؤكد عليه دراسات تنظيم المعلومات الحديثة من أن الوصف ليس عملًا شكليًا، بل بنية فكرية تساعد على تمثيل مصادر المعرفة واسترجاعها3.
ولذلك؛ ينبغي أن نكون دقيقين: لا يصح أن نقول إن المكتبات الإسلامية عرفت الفهرسة الحديثة بمعاييرها المعاصرة، فذلك حكم غير علمي؛ لكن يصح أن نقول إنها عرفت ممارسات مبكرة للتعريف بالكتب وتنظيمها وإسنادها وتداولها. وبين العبارتين فارق كبير؛ فالأولى إسقاط للمصطلح الحديث على الماضي، أما الثانية فقراءة تاريخية منضبطة ترى في الخبرة القديمة جذورًا عملية لما ستطوره علوم المكتبات لاحقًا في صورة قواعد ومعايير. وقد جاءت المعايير الدولية للوصف الببليوجرافي في العصر الحديث، مثل ISBD، لتؤكد أن ترتيب عناصر الوصف وتوحيدها ليس ترفًا فنيًا، بل وسيلة ضرورية لتيسير التعرف إلى المصادر واسترجاعها عبر اللغات والبيئات المختلفة4.
ومن الناحية الفنية، تكشف المخطوطات الإسلامية أن المكتبة كانت أيضًا حافظة لفنون الكتاب. فالصفحة المخطوطة ليست مساحة للكلام وحده، بل بنية بصرية تتداخل فيها هيئة الخط، واتساع الهوامش، وعلامات التصحيح، ورؤوس الأبواب، والفواصل، والتذهيب، والزخرفة، والرسوم العلمية والجداول أحيانًا. كما أن الغلاف والتجليد ونوع الورق والحبر لا تمثل تفاصيل مادية عابرة، بل شواهد على اقتصاد الكتاب وذوق العصر ومكانة النسخة. ومن هنا يلتقي أخصائي المكتبات بمؤرخ الفن؛ لأن وصف المخطوط لا يقف عند العنوان والمؤلف، بل يمتد إلى مادته وصنعته وزخرفته وسجل استعماله.
لقد كان المخطوط العربي الإسلامي وثيقة مركبة: نصًا، وشيئًا ماديًا، وأثرًا فنيًا، وشاهدًا اجتماعيًا. فالحواشي والتملكات والوقفيات والسماعات لا تقع على هامش التاريخ، بل في صميمه. ختم التملك يخبرنا عن انتقال النسخة بين الأفراد، وعبارة الوقف تكشف صلتها بالمؤسسة والمجتمع، وقيد السماع يدل على حضورها في مجلس علم، وتصحيحات القارئ تشهد على تفاعل حي مع النص. ولهذا فإن دراسة المخطوط لا تكتمل بقراءة المتن وحده؛ إذ كثيرًا ما تحمل أطراف الصفحة من الأخبار ما لا يحمله النص نفسه. وقد عالجت دراسات المخطوط العربي هذه العناصر بوصفها مفاتيح ضرورية لفهم النسخة، وتاريخها، وسياقات تداولها5.
ومن منظور علم المعلومات، يمكن اعتبار هذه العلامات نوعًا من البيانات الوصفية التاريخية. فهي لا تقدم مضمون النص فقط، بل تقدم بيانات عن حياته: من امتلكه؟ من قرأه؟ أين استُعمل؟ كيف انتقل؟ ولأي غرض حُفظ؟ وقد نبّه مايكل بكلاند إلى أن «المعلومة» قد تكون شيئًا ماديًا أو وثيقة أو أثرًا قابلًا للوصف والاستخدام، لا فكرة مجردة فحسب6. وهذا التصور يساعدنا على فهم المخطوط الإسلامي بوصفه «معلومة مجسدة»؛ فهو نص ومعمار مادي وتاريخ استعمال في آن واحد.
ولا يكتمل فهم المكتبات الإسلامية من دون الوقوف عند مكتبات المساجد. فالمسجد لم يكن في التجربة الإسلامية موضع عبادة فقط، بل كان فضاءً للتعليم والقراءة والتلقي. ومع نمو حلقات العلم ظهرت الحاجة إلى كتب تحفظ وتتاح للمدرسين والطلاب، فتكونت خزائن ارتبطت بالدرس والوقف والاستعمال اليومي. وقد خُصصت لمكتبات المساجد دراسات تاريخية وببليوجرافية تؤكد مركزيتها في تاريخ المكتبات الإسلامية، وتبين أنها لم تكن خزائن ثانوية، بل جزءًا من البنية العلمية للمسجد بوصفه مؤسسة تعليمية وثقافية7.
أما مكتبات المدارس ودور العلم فقد منحت الكتاب بعدًا مؤسسيًا أوضح. فالمدرسة تحتاج إلى كتب مقررة وشروح ومراجع، وتحتاج إلى نسخ متاحة للمدرسين والطلاب، وإلى من يضبط استعمالها وصيانتها. ومن هنا أصبحت المكتبة جزءًا من العملية التعليمية نفسها، لا مرفقًا تابعًا لها. وإذا كانت المكتبات الخاصة تكشف ذائقة أصحابها وامتداد صلاتهم العلمية؛ فإن مكتبات المدارس تكشف حاجات الجماعة التعليمية ومسارات التخصص وخرائط المعرفة المعتمدة داخل المؤسسة.
وللأسواق دور لا يقل أهمية عن المؤسسات الرسمية. فسوق الورّاقين كان مجالًا حيًا لتداول النصوص، ومعرفة المصنفات، وتبادل الأخبار العلمية. ولم يكن الورّاق مجرد ناسخ أو بائع كتب، بل كان وسيطًا ثقافيًا يعرف قيمة النسخ، ويدل القراء، ويسهم في رواج بعض المصنفات أو انحسارها. وقد أظهر تاريخ الكتاب العربي أن الوراقة والنسخ والتجليد والبيع كانت حلقات مترابطة في دورة حياة الكتاب قبل الطباعة8. ومن دون هذه الحرفة الواسعة لم يكن لكثير من المؤلفات أن ينتقل من يد المؤلف إلى مجال القراءة والتداول.
ثم إن انتشار الورق في العالم الإسلامي أحدث أثرًا عميقًا في تاريخ المعرفة. فقد أتاح الورق توسيع حركة النسخ، وخفف من صعوبة تداول الكتاب، وأسهم في نمو مهن الوراقة والتجليد والتدوين. ولم يكن ذلك أثرًا تقنيًا فحسب، بل تحولًا حضاريًا؛ لأن المادة التي يُكتب عليها النص تحدد جزئيًا قدرته على الانتشار والبقاء. وقد درست أبحاث تاريخ الورق أثر هذه المادة في تشكل الثقافة المكتوبة في العالم الإسلامي، وفي ازدهار صناعة الكتاب قبل ظهور الطباعة9.
وترتبط المكتبات الإسلامية كذلك بالسلطة، لكن علاقتها بها لم تكن بسيطة. فقد أدرك الخلفاء والسلاطين والأمراء أن رعاية الكتب تمنح الحكم صورة رمزية راقية، وأن جمع العلماء والمترجمين والنساخ حول الخزائن يرفع من شأن الدولة بوصفها راعية للعلم. غير أن المعرفة لم تكن حكرًا على البلاط؛ إذْ حفظت المساجد والمدارس والزوايا والأسر العلمية جانبًا واسعًا من التراث خارج مركز السلطة. وهنا تظهر المكتبة باعتبارها مساحة تفاوض بين الرعاية السياسية، والمبادرة العلمية، والمنفعة الوقفية، وحركة المجتمع.
وقد امتدت جغرافية المكتبات الإسلامية خارج العواصم الكبرى. فالكتب رحلت مع العلماء والقوافل، وانتقلت عبر المراكز العلمية والأسواق والطرق التجارية، واستقرت في خزائن المساجد والمدارس والأسر. وهذا الاتساع يجعل تاريخ المكتبات الإسلامية تاريخ شبكة لا تاريخ مركز واحد؛ شبكة حملت العلوم الدينية واللغوية والطبية والفلكية والأدبية، وسمحت للمعرفة بأن تتحرك مع الإنسان لا أن تبقى أسيرة المكان.
وفي العصر الحديث، عادت هذه الأسئلة القديمة في صورة جديدة. فالرقمنة لا تعني تصوير المخطوط ووضعه على منصة إلكترونية فحسب، بل تعني وصفه وصفًا دقيقًا، وربطه بنسخه وسياقاته، وتحديد مادته وتاريخه وحواشيه وتملكاته، وإتاحته للباحث بطريقة قابلة للبحث والاسترجاع. فكثير من المخطوطات المصورة قد تظل غائبة عمليًا إذا أدرجت في مستودعات ضعيفة الوصف أو فصلت عن بياناتها التاريخية. وهنا يظهر دور أخصائي المكتبات والمعلومات بوصفه حارسًا للمعنى لا حارسًا للملف فقط.
إن أخصائي المكتبات المعاصر ليس موظفًا تقنيًا بعيدًا عن الذاكرة، بل امتداد حديث لوظيفة حضارية قديمة. فإذا كان الخازن القديم يخشى على المخطوط من الرطوبة والحريق والسرقة؛ فإن الأخصائي اليوم يخشى عليه من رداءة الوصف، وفقدان السياق، وضعف الإتاحة، والعزلة داخل أرشيف رقمي لا يهتدي إليه الباحثون. وإذا كان الورّاق وسيطًا بين النص والقارئ، فإن أخصائي المعلومات اليوم وسيط بين التراث وقواعد البيانات، وبين المخطوط والمستفيد، وبين ذاكرة الورق وذاكرة الشبكات.
ومن هنا تكشف قراءة المكتبات الإسلامية من زاوية مكتباتية وحضارية وفنية أن تنظيم المعرفة لم يكن عملًا إداريًا هامشيًا، بل شرطًا لبقاء العلم نفسه. فالكتاب الذي لا يُفهرس، ولا تُعرف نسبته، ولا يُتاح للدارسين، قد يضيع وهو حاضر. والمخطوط الذي تُهمل حواشيه يفقد جزءًا من سيرته، والنسخة التي تُرقمن بلا سياق تتحول إلى صورة لا إلى شاهد حضاري. لذلك كانت المكتبة الإسلامية ذاكرةً للعلم، ومرآةً للفن، وأداةً لتنظيم المعرفة. وبين خزانة المخطوط والفهرس الرقمي تبقى الرسالة واحدة: أن يجد القارئ طريقه إلى النص، وأن يبقى التراث حيًا في البحث، لا ساكنًا في الرفوف.
الحواشي:
[1] S. R. Ranganathan, The Five Laws of Library Science, Madras: Madras Library Association, 1931.
[2] Ribhi Mustafa Elayyan, “The History of the Arabic-Islamic Libraries: 7th to 14th Centuries,” International Library Review, Vol. 22, No. 2, 1990, pp. 119–135.
[3] Elaine Svenonius, The Intellectual Foundation of Information Organization, Cambridge, MA: MIT Press, 2000.
[4] IFLA Cataloguing Section and ISBD Review Group, ISBD: International Standard Bibliographic Description, Consolidated Edition, Berlin and Boston: De Gruyter Saur, 2011.
[5] Adam Gacek, Arabic Manuscripts: A Vademecum for Readers, Leiden and Boston: Brill, 2009.
[6] Michael K. Buckland, “Information as Thing,” Journal of the American Society for Information Science, Vol. 42, No. 5, 1991, pp. 351–360.
[7] Mohamed Makki Sibai, Mosque Libraries: An Historical Study, London and New York: Mansell, 1987؛ Mohamed Taher, “Mosque Libraries: A Bibliographical Essay,” Libraries & Culture, Vol. 27, No. 1, 1992, pp. 43–48.
[8] Johannes Pedersen, The Arabic Book, translated by Geoffrey French, edited with an introduction by Robert Hillenbrand, Princeton: Princeton University Press, 1984.
[9] Jonathan M. Bloom, Paper Before Print: The History and Impact of Paper in the Islamic World, New Haven and London: Yale University Press, 2001.