مقصديّة المؤلف في النّقد العربيّ

د. وليد قصّاب


طُرِحت في النّقد الحديث فكرة ما يُسمّى "مقصِديّة المؤلّف"؛ أي الاعتداد برأيه في تأويل نصّه الأدبيّ. وكان ذلك من خلال بعض المناهج التي تهتمّ بسيرة المؤلّف، وترى ما يكتبه تعبيرًا عن شخصية، حتى كان واحد مثل الفرنسيّ سانت بوف- وهو من أبرز رواد هذا النّقد- يقول: "شخص الكاتب، بل تركيبته برمتها، تسري في أعماله، وتتجلى فيها ملامحه؛ فهو لا يكتب بفكره المحض وحده، بل أيضًا بدمه وعضلاته"1.


وكان للنقد العربيّ آراء ناضجة في هذه القضية، وذلك من خلال خصوصية متميِّزة في التّعامل مع النّصّ الأدبيّ، وهي خصوصية قامت على نظرة تكاملية تراعي أبعاده جميعها؛ إذْ تضعه في جو إنشائه، والملابسات المختلفة التي كانت وراء ولادته على هذا النحو أو ذاك.

ثراء النّصّ الأدبيّ:

نقرأ أوّلًا أنّ النّصّ الأدبيّ المتميِّز غنِيّ بالدّلالات، عميق الغور، متّسع التأويل، يحتمل عددًا من القراءات. وما أكثر ما وجّه النّقّاد العرب -ومن وقت مبكر جدّاً- أقوال الشّعراء أكثر من توجيه، وقرأوها أكثر من قراءة، واختلفوا في تفسيرها؛ بسبب طبيعة صياغتها المكتنزة الغنية

قال أبو عبيدة في توجيه قول امرئ القيس:
ألا إنْ لم تكُنْ إبلٌ فمعزى ... كأنّ قرونَ جِلّتها العِصِيُّ
فتملأُ بيتَنا أقِطًا وسمنًا... وحسبُك من غِنى شِبعٌ وريُّ
:
"هذا يحتمل معنيين: أحدهما يقول: أعطِ كلّ ما كان لك وراء الشِّبع والرّيّ، والآخر القناعة باليسير؛ يقول: اكتفِ به، ولا تطلب ما سوى ذلك. والأوّلُ الوجهُ؛ لقوله:
فلو أنّما أسعى لأدني معيشةٍ ... كفاني –ولم أطلبْ- قليلٌ من المالِ
ولكنّما أسعى لمجدٍ مُؤثّلٍ ... وقد يدركُ المجدَ المؤثّلَ أمثالي.."
2.

وأبو عبيدة –في هذه القراءة التي اعتمدها، وهي أن يكون الشّاعر ذهب إلى أنه سيهب كلّ ما وراء شبعه وريّه- ينفي وجود تناقض بين قول امرئ القيس الأول وقوله الثاني، كما ذهب إلى ذلك قدامة بن جعفر، الذي رأى أنّ ثمّة تناقضًا بين ما قاله الشاعر أولاً وما قاله بعد ذلك؛ إذْ عكس في الحالة الأولى قناعة ورضى بالقليل، وعكس في الثّانية طموحًا باذخًا، وهو السّعي لمجد مؤثّل3.

وجاء في "الوساطة" في نَقْد الجرجاني لِبَيْت أبي الطَّيب المتنبي:
مَا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي ... وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لاَ بِجُدُودِي:
"خَتَم القول بأنه لا شرَف له بآبائه، وهذا هَجْو صريح، وقد رأيت مَن يَعْتذر له، فيزعم أنَّه أراد: ما شرفتُ فقط بآبائي؛ أيْ: لي مَفاخرُ غير الأبُوَّة، وفِيَّ مناقِبُ سوى الحسَب، وباب التَّأويل واسع، والمقاصد مُغيَّبة، وإنَّما يُستشهَد بالظَّاهر، ويتبع موقع اللَّفظ.."4.

وهي قولة تضع قاعدة علميّة للتّأويل، وهي الاعتماد على ما يمليه الظاهر من دلالة ألفاظ الكلام، وليس الاعتماد على حدس المؤوِّل أو تخمينه، أو ما يكون القائل قد أراد..

وتعمّق ابن رشيق في هذه المسألة أكثر، فأشار إلى ظاهرة تعدّد القراءات، وإلى غنى النّصوص الشّعرية خاصّة بالدّلالة، ممّا يفتح الباب واسعًا أمام تأويلها، فيؤسس "ثقافة التّعدد" بدلاً من "ثقافة الوحدانيّة".

مقصِدِيّة الشّاعر:

يورد ابن رشيق بيتَ امرئ القيس في وصف فرَسِه:
مِكَرٍّ، مِفَرٍّ، مُقْبِلٍ، مُدْبِرٍ مَعًا ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

تحت ما سَمَّاه "باب الاتِّساع"، وعرّفه بأنه: أن "يقول الشَّاعر بيتاً يتَّسِع فيه التأويل، فيأتي كلُّ واحدٍ بِمَعنى، وإنَّما يقع ذلك لاحتمال اللَّفظ، وقُوَّته، واتِّساع المعنى، وأورد في تفسيره أكثر من تأويل، ثمّ وضع قاعدة نقديّة نفيسة تتعلّق بـ "مقْصِدِيّة المؤلف" التي هي موضع حديثنا؛ إذْ ذكر أنّ معوّل من استنبط هذه التأويلات المحتملة إنما كان على ما توجبه ألفاظ البيت، وليس على مقصدية الشاعر؛ إذ "لعلّ هذا ما مرّ قطّ ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده ولا روعه.."5،
ورسّخ البغداديُّ في "خزانة الأدب" ما أثبتَه ابنُ رشيق في التعويل على دلالات اللّغة فقط، وأشار إلى دور المتلقي في استنباط هذه الدّلالات.

قال: "هذا ولم تَخْطر هذه المعاني بخاطر الشَّاعر في وقت العمل؛ وإنَّما الكلام إذا كان قويًّا مِن مثل هذا الفحل احتمَلَ -لقوَّتِه- وُجوهًا من التأويل؛ بِحَسب ما تحتمل ألفاظه، وعلى مقدار قُوى المتكلِّمين فيه..6.

وواضح من خلال ما تقدّم أنّ النَّقد العربي يحترم النَّص ودلالاته اللغويَّة، وذلك مقدَّم عنده على ما يسمى بـ"مقصديَّة المؤلِّف". التي هي –بطبيعة الحال- غير حاضرة ولا معروفة دائماً.

وقد رأيت ابن رشيق وغيره -وهم يؤوّلون قول الشّاعر ينصُّون صراحة أنه لا عبرة أن تكون تأويلاتهم خطرت على بال الشاعر أو لم تخطر؛ إذْ لا أهمية لذلك، ولا اعتبار له، إذا كانت لغة النّصّ تحتمل ما يذهب إليه الشّارح من التفسير.

وها هو ذا الآمدي -صاحب كتاب المُوازنة بين الطائِيَّيْن: أبي تمام والبُحْتري- يوضّح ذلك بشكل لا يقبل اللّبْس.

يردُّ الآمديّ على تهمة وجَّهَها إليه أنصارُ أبي تمام؛ إذْ رمَوْه بأنه لم يَفْهم ما قصد شاعِرُهم من كلامه، ولم يدرك ما رمى إليه في قوله:
الوُدُّ لِلقُرْبَى وَلَكِنْ عُرْفُهُ ... لِلأَبْعَدِ الأَوْطَانِ دُونَ الأَقْرَبِ

فأبو تَمَّام الذي نقَدَه الآمديُّ بأنَّه قد نقَصَ الممدوح بِرُتبةٍ من الفضل، وجعَلَ وُدَّه لذوي قرابته، ومنعهم عرفه، وجعله في الأبعدين دونَهم، لَم يفهم -في زَعْم ناقديه- كلام أبي تَمَّام، فأبو تمَّام أخرج أقارِبَه من المعروف؛ لأنَّهم في غِنًى وسعَة.

يردُّ الآمديُّ على هؤلاء النَّاقدين قائلاً: "وكيف يُعلَم أنَّهم أغنياء، وليس في ظاهر لَفْظ البيت دليلٌ عليه، قالوا: نَوى وأراد، قلتُ: ليس العمل على نيَّة المتكلِّم، وإنما العمل على ما توجبه معاني ألفاظِه، ولو حمل كلام كلِّ قائل، وفعل كلِّ فاعل، على نيته؛ لَما نُسِب أحدٌ إلى غلطٍ ولا خطأ في قولٍ ولا فعل، ولكان مَن سدَّد سهمًا وهو يريد غرَضًا فأصاب عين رَجُل فذهبَتْ، غيرَ مخطئ؛ لأنَّه لم يعتَمِدْ إلاَّ الغرض، ولا نوى غيرَ القِرْطاس"7.

وهي عبارةٌ نقدية مهمّة، تستنبط منها -على وجازتها- مجموعةٌ من الأحكام التي تتعلَّق بتأويل الكلام أو تفسيره، منها:
1 - أن النصَّ وحْدَه هو المخوَّل بإعطاء الدلالة، وفَرْز المعنى المُراد، ومنه وحده تُستنبط الأحكام، وتستخرج المفاهيم، وبذلك يحتفِظُ النصُّ -بما تعطيه معاني ألفاظه- بِهَيبته ومكانته وسُلْطانه، ولا يعتدي عليه معتدٍ.

​2 - أنَّ فكرة "أنّ حقيقة المعنى عند القائل" -كما يَقُول بعضهم- غيرُ دقيقة، ولا مكان لها في تفسير الكلام أو شرحه؛ لأنَّ الناقد لا يُعوِّل على نوايا المتكلِّم، وهو غير قادرٍ على ذلك أصلاً: لا واقعًا، ولا عُرفًا، ولا شرعًا؛ فالنِّيات لا يَعْلَمها إلاَّ علاَّم السرائر، والناقد ليس عرَّافًا ولا قارِئَ فنجان، وإنَّما هو متلقٍّ يقوم بنشاطٍ عقليّ تُمْليه لغةُ النَّص الذي أمامَه، وطبيعة ألفاظه وعباراته؛ تُمْليه -كما يقول الآمديُّ- "معاني ألفاظ المتكلِّم".

وهذا عندئذٍ يُلْغي فكرةَ "مقصديَّة المتكلِّم"، ويحيل على "مقصديَّة النَّص"، ويعطيه السُّلطان على نَحْو ما فعلَت البنيويَّة بعد ذلك بقرون.

وها هو ذا عبد القاهر الجرجانيُّ يؤكِّد في نصٍّ بالغِ الدلالة أهميَّةَ مرجعية النص، وأنَّ احتماليّة ألفاظه هي الأساس في كلِّ ما يذهب إليه المؤوِّل، أو يَعْدل إليه المفسِّر، وهو ينعي على قومٍ يُفْرِطون في التأويل، والتكثُّر من الْتِماس دلالات متعدِّدة من النَّص من غيرِ سنَدٍ لفظي يُرشِدُهم إلى ذلك.

يقول عبد القاهر: إنَّ الإفراط هو ما يتَعاطاه قومٌ يحبُّون الإغراب في التأويل، ويحرصون على تكثير الموجود، وينسَوْن أنَّ احتمال اللفظ شرطٌ في كلِّ ما يُعدَل به عن الظَّاهر، فهم يستَكْرِهون الألفاظ على ما لا تقلُّه من المعاني"8.

​3 - أنَّ سلطان القارئ -خلافًا لما يقوله التفكيكيُّون وأصحابُ نظرية التلَقِّي- منضبطٌ بالنَّص المقروء، محكومٌ بدلالة ألفاظه، ومعاني عباراته، وليس سلطانًا مطلَقًا، يجعل هذا القارئَ يُؤوِّل النصَّ كما يشاء، أو يَقْرؤه على هواه، حتَّى ليقوِّله ما لم يقل، أو يُنطِقه بما لم يَنْطِق.

وعبارة الآمديِّ النقديَّة التي أشارت إلى ما يحمله النصُّ الأدبيّ من دلالات متعدِّدة، تجعل ذلك نابعًا من النصِّ ذاته بما فيه من إمكانات، وبما يفرزه من المعاني والأفكار، وليس بما يُحْمَل عليه حملاً، أو يُكْره عليه إكراهًا، استجابةً لسلطانِ زاعم أنَّ القارئ وحده هو الذي يمتلكه.

إنَّ الصيد في جوف النَّص، والقارئ يستخرجه، ولن يستطيع أن يستَخْرِجه -دائمًا- أيُّ قارئ، بل القارئُ الدَّرِبُ المتمرِّس، وبذلك نحترم طرفَيْن من أطراف معادلة العمَلِيَّة الأدبية، هما النصُّ والقارئ.

​4 - وأخيرًا: فإنَّ الاحتكام إلى النصِّ لا يعني تجريدَه -كما يفعل البنيويُّون والتفكيكيون وغيرهم- من كلِّ خارج: كالمجتمَع، أو التَّاريخ، أو السِّيرة، أو ما شاكلَ ذلك؛ لأنَّ هذا الخارج قد يكون في أحيانٍ غير قليلة جزءًا من الداخل، وقد تكون "معاني ألفاظه" التي يستنبطها المفسِّر محكومةً بهذا الخارج، بل آخذةً أبعادها الحقيقيَّة من خلاله، فقد يكون -وما أكثرَ الأمثلةَ على ذلك- هذا الخارجُ هو الذي شكَّلَها على هذا النَّحْو أو ذاك، فأصبح جزءًا من دلالتها.

وها هو ذا الآمديُّ نَفْسه الذي يُحيل على سلطان النَّص، وما توجبه معاني ألفاظه، يُحيل في شعر أبي تمام نفسِه إلى هذا الخارج، ويُوضِّح أنَّ التقاط معاني الألفاظ قد لا يتَّضِح إلا بِمَعرفة هذا الخارج.

 يورد الآمديُّ بيت أبي تمام:
تِسْعُونَ أَلْفًا كَآسَادِ الشَّرَى نَضِجَتْ ... جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التِّينِ وَالعِنَبِ

وهو بيتٌ عابَه بعض النُّقاد، ومنهم أبو العبَّاس، واستنكَروا إيراد هاتين الفاكهتَيْن، فيقول الآمديُّ مدافعًا عن البيت، مبيِّنًا ارتباطَ اللَّفظ المعيَّن بخارج معيَّن: "لهذا البيت خبَرٌ لو انتهى إلى أبي العبَّاس لما عابه"9.

استحضار مقصدِيّة المؤلّف:

وعلى أنّ تغييب المؤلِّف ليس دائمًا، ولا هو حكم مطّرد باستمرار؛ فقد يستحضر الناقد "مقصدية المؤلف" إذا كان هنالك سياق يدلّ عليها، كأن يستحضرها من خلال عقيدة المؤلف، أو توجهه الفكريّ، أو سلوكه الاجتماعيّ، أو ما شابه ذلك.

أورد ابن رشيق قولَ أبي نواس في الخمر:
"ألا فاسقِني خمرًا وقل لي هي الخمرُ"

وذكر أنّ هناك من وجّهه على أنّه: "إنما قال: وقل لي هي الخمر، ليلتذ السمع بذكرها، كما التذّت العين برؤيتها، والأنفّ بشمّها، واليد بلمسها، والفمّ بذوقها..".

ويرفض ابن رشيق هذا التفسير استنادًا إلى سياق يتعلّق بالشاعر، وهو ما عُرف به أبو نواس من مجون واستهتار بالقيم الدينية، فيقول عن التفسير السابق: "وأبو نواس ما أظنّه ذهب هذا المذهب، ولا سلك هذا الشّعب، ولا أراه أراد إلا الخلاعة والعبث الذي بنى عليه القصيدة" ثمّ يستأنس بدلالة النّصّ نفسه، فيقول: "ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت:
"ولا تسقِني سرًّا إذا أمكن الجهرُ"

فذهب إلى أنّ الأقربَ أن تكون مقصديّة المؤلّف هي المجاهرة، وقلّة المبالاة بالنّاس، والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها"10.

لقد استحضر ابن رشيق وهو يقبل تفسيرًا ويرفض آخر بعناصر داخلية وخارجية معًا، كان أمامه النّصّ، والمؤلف، وملابسات بعرفها عن سيرة الشّاعر وسلوكه الاجتماعيّ. لم ينطلق من سلطان خاصّ به ليؤول النصّ كما يشاء.

مقصديّة المؤلّف أم مقصِدِيّة القارئ:

إنّ مقصِدِيّة المؤلّف مغيّبة أصلًا، ويندر أن نعرفها أو يصرِّح بها أصحابها، ثمّ إنّ النّصّ لا يعبِّر دائمًا عن شخصيّة قائله؛ فقد يكون هروبًا من هذه الشخّصيّة، أو قناعًا تختفي وراءه، أو ادّعاء لما تأمله، أو تزييفًا لما قد يحقّق لها طموحًا من نوع ما.

وإذا احتمل النّصّ مقصديّة صرّح بها القائل، واحتمل مقصديّة أخرى استنبطها المتلقّي؛ فأيُّهما أجدر بالاحتفاء؟ قال بعضهم يُعَدّ رأي صاحب النّصّ هو القول الفصل، أي إن "مقصدية المؤلف" هي ذاتَ الاعتبار الأول في توجيه النّص. من منطلق أنه هو صانع هذا النّصّ، والصّانع أدرى بما صنع.

ومن هذا ما كان من أبي نواس، فقد سئل عن رأيه في كلّ من جرير والفرزدق، ففضّل جريرًا، فقيل له: إنّ أبا عبيدة معْمر بن المثنّى لا يوافقك على هذا، فقال: "ليس هذا من علم أبي عبيدة، فإنما يعرفه من دُفع إلى مضايق الشّعر.."11.

ويؤيّد أنّ نقد الشّعر وتأويله لا يعرفهما إلا من يقوله ناقدٌ معروف هو المظفر العلويّ، فيقول: "إنّ نقد الشعر لا يعرفه إلا من يقوله.. إنّ نقد الشعر صناعة لا يعرفها حقّ معرفتها إلا من دُفع إلى مضايق القريض، وتجرّع غصص اعتياصه عليه، وعرف كيف يتقحّم مهاويه ويترامى إليه.."12.

وقد رأيت ابن رشيق –وهو يتحدّث عن بيت امرئ القيس "مكرّ مِفَر.." ينصّ صراحة على استبعاد مقصديّه، ويقول: "ولعلّ هذا ما مرّ قطُّ ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده، ولا رُوعه".

وكان شاعر العربية الأكبر أبو الطيّب المتنبي كثيرًا ما يحيل من يسأله عن بعض ما أشكل عليه من قوله إلى ناقده، الذي فسّر شعره، وعني به، وهو ابن جني، ويقول له: "اذهبوا إلى ابن جني؛ فإنه يقول لكم ما أردته، وما لا أردته.."13.

كما رضي عن تأويلات المتلقِّين لقصائده، وأن يقولوا فيها ما يرون:
أنامُ ملء جفوني عن شوارِدِها ... ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ

ورأى بعضهم أنّ المتلقّي -ولا سيما عندما يكون ناقدًا مثاليًا خبيرًا- هو الأقدر على أن ينبش في النّصّ- كما نصّ على ذلك ابن رشيق وغيره- ما لم يخطر في بال المؤلّف؟

والحقّ أنّ "مقصِديّة المؤلّف" لا يمكن ضبطها، والمؤلِّف لا يعرف أكثر من النّاقد؛ النّقد نشاط علميّ جادّ، وهو مختلف عن الإبداع، وهو يحتاج إلى خبرة وحصيلة معرفية عميقة، إنه وليد ذوق مدرّب، واطلاع غزير على النصوص الأدبية، وهو نشاط عقليّ منظم، يقوم على مناهج وضوابط وهو لا يتم بصورة عفوية أو تلقائية.

وقد يكون الناقد أخبر بالعمل الأدبيّ من المبدع نفسه، وكم استنبط الناقد من نصّ المبدع أشياء لم تخطر في بال هذا المبدع نفسه.

 


المصادر والحواشي:
1-النقد الأدبيّ المعاصر، آن موريل، ترجمة إبراهيم أولحيان ومحمد الزكراوي، ص: 41. ┇ 2- تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون، للصفدي، ص: 109. ┇ 3- نقد الشّعر، ص: 18. ┇ 4- الوساطة، ص: 374. ┇ 5-العمدة، ص: 2/84. ┇ 6- خزانة الأدب، ص: 3/144. ┇ 7-الموازنة، ص: 1/179-180. ┇ 8-أسرار البلاغة، لعبد القاهر الجرجاني، ص: 343. ┇ 9- النظّام، لابن المستوفي، ص: 2/64. ┇ 10- العمدة، ص: 2/93- 94. ┇ 11- السابق، ص: 2/104. ┇ 12- نضرة الإغريض في نصرة القريض، ص: 322. ┇ 13- سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، لابن نباتة المصريّ، ص: 18.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها