الماءُ في قصائد الغزل العربيّ القديم

مقاربة بلاغية ثقافية

د. ناصر ظاهري


استقرّ عند نقّاد الشعرِ العربيّ القديم رأيٌ قوامهُ توّزعُ الخطابِ اللّغوي الذي ينشئهُ الأديبُ إلى جنسينِ بارزين: خطابٍ منظومٍ موزونٍ له معنى هو الشعر وآخر منثورٍ مرسلٍ له طرائقهُ المخصوصة في التصوير والتعبيرِ. وأنّى يكن من شأنِ هذه القسمةِ السائدةِ، فقد استوى جنسُ الشعرِ فنّاً مهيمناً في الثقافة العربية القديمة، فجعلوه أقدرَ بفنونهِ المختلفةِ وأغراضهِ وأساليبه البيانيةِ على استثمارِ كلّ ممكناتِ اللّغةِ للتصوير والتعبيرِ عمّا يسري في نفسِ منتجهِ من مشاعِرَ متباينةٍ، إذْ يهتدي النّاظمُ مستنداً إلى التخييلِ إلى مسالكِ التأثيرِ في المتلقّي، فيسحرهُ القولُ الموقّعُ المخيّلُ بما يحملُ من معاني يخرجها الشّاعرُ مخرجاً على غيرِ الإلفِ والعادةِ، وتستوي صورًا باهرةً تردّدُ ما يجيشُ بالخاطرِ، وتتراءى صدى لأوجاعِ الذّاتِ متقلّبةً بين حرقةِ الفصلِ وشهوة الوصل لا سيما إن تعلّق الأمرُ بفنّ الغزل وحديثِ العشقِ والهوى وسرديةِ الألف، وقصص المُحبينِ في أدبِ العرب القدماء منظوماً أو منثوراً.

ونسعى في هذه الدراسةِ إلى مقاربةِ غرضِ الغزلِ الشعريّ بضربيهِ العفيفِ البدويّ والحسّيّ الحضريّ برصدنا مسألةَ حضور معجمِ الماءِ وطرائق ذكره وصياغةِ أهمّ المعاني المتصلةِ به ووجوه إنتاج استعاراتِ مائية صدرت عن تصورّاتٍ ذهنيةٍ تصبغُ الأقاويلَ الغزليةَ بصباغٍ خاصٍ، وتجعلهُ أعلقَ بثقافةِ الذاتِ وأقربَ صلةً بالبيئةِ التي نشأ فيها، فنستجلي أهمّ الاستعارات التي يسترفدها الخطيبُ المتغزل، فيجعل من عاطفة الحبّ بكونها انفعالا مخصوصاً قريبة المأخذ أقرب إلى الحسّ، فيتراءى الحبُّ في تضاعيف الغزليةِ سَيْـلًا له مسار حركة الماءِ، ويكون الوصالُ ارتواءً. وبالمقابل، يضارعُ الهجرُ حالا من ظمأٍ شديدٍ وعطشٍ مميتٍ ويشاكل طور الجدبِ، فيرسمُ صورة الموتِ في بعدٍ من أبعادهِ. وهكذا، يستمطرُ الشاعِرُ القطرَ، ويتطلّعُ إلى مواردِ الماءِ الذي يبعثُ الحياةَ في نفسٍ يُفنِيهَا البعادُ شأن كلّ أرضٍ يبدّدُ قطرُ السماءِ عنها الجدبَ، ويخرجها من حالٍ من الجدبِ إلى الخصبِ، ومن الموتِ إلى الحياةِ. ونروم في هذه المحاولة مستعينين بمنهج تحليلي لسانيّ، تتبع مواضعِ ذكر معطى الماء ووجوه نشأة الاستعارات الدائرة في فلكه طيّ القصيدة الغزلية العربية القديمة.

تعريف فنّ الغزلِ الشعريّ في مصنفات النقد القديمة

أورد ابن منظور في لسان العرب معان كثيرة ترتبط بالجذر اللغوي الثلاثي (غ ز ل)، فذكر أنّ الغَزلَ مشتق يدلّ على معنى "حديث الفتيان والفتيات.. والغزَلُ اللهو مع النّساء، ومغازلتهن: محادثتهنّ ومُراودتهنَّ، والتّغزّلُ التكلّف لذلك"1. وأضاف قائلا: "تغزّل أي تكلّف الغزل... ورجل غَزِلٌ: مُتغزّلٌ بالنّساء"2. وأمّا الغزل اصطلاحاً فقد عُدَّ غرضًا من الأغراضِ الشعرية العربية القديمة، وجعلوه مرتبطاً بِـــ"إلف النساء والتخلق بما يوافقهن"3. وقد عقد ابن رشيق باباً للنسيب، فذكر حقّه بأن يكون "حلو الألفاظِ رَسْلَها قريب المعاني شهلها غير كزٍّ، ولا غامضٍ، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى لين الإيثار رطب المكسر، شفّاف الجوهر يطربُ الحزين ويستخفُّ الرّصينَ"4. ووصلًا بذاتِ السياقِ، فقد أشار إلى مصطلحات مجاورة للغزل كالنسيبِ والتشبيبِ، وارتأى أنّها متداولة بمعنى واحدٍ، ثم آثر اختيارَ نماذج جيّدة من نسيب المتقدمين والمحدثين. وحريّ بنا الانتباه إلى نظامِ المعاني التي تستدعى في نظمِ الغزلِ من أهمّها ذكر الشوقِ والصبابةِ والتغنّي بمحاسنِ الحبيبِ، ثم ذكر العشقِ ومَنْ بلي بهِ والافتخار بالعفاف، فقد وصفوا العشق، فهو "اسم لما فضل عن المحبّةِ، قال أعرابيٌّ: العشقُ خفيّ حتى يرى وجليّ أن يخفى، فهو كامن ككُمُونِ النّار في الحجرِ إن قدحته أورى، وإن تركته توارى. وقيل: أوّل العشقِ النظرُ"5. وممّا أُثِرَ عند الحكماء والبلغاء أنّهم عرّفوا العشقَ بقول يحيى بن أكثم: "هو سوانح تسنحُ للمرْءِ، فيهيمُ بها قلبُهُ، وتؤثرها نفسهُ"6. وقال ثمامة: "العشق جليس ممتع وأليف مؤنسٌ، وصاحب ملك مسالكه ضيقة ومذاهبه غامضةٌ وأحكامه جائرة، ملك الأبدانَ وأرواحها والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها، تراءى عن الأبصارِ مدخله وخفي في القلوب مسلكه"7. ولعلّ ما يلفت الانتباهَ أنّ ماهية الغزلِ لا تعدو أن تكون ضربًا من ضروبِ الحديثِ المخيّلِ أو الكلامِ الفنّيّ لأنّ العشقَ "يطلق اللسان ويفتح جبلة البليد والبخيلِ، ويبعثُ على التّلطّفِ وتحسين اللباسِ، وتطييبِ المطعمِ، ويدعو إلى الحركةِ والذكاءِ وتشريف الهمّة"8. وعليه، فإنّ التغزّلَ في بعدٍ من أبعادهِ نشاطٌ تلفّظيّ وفعلٌ خِطابيّ يستثمرُ اللغةَ لبناءِ كونهِ المخصوص، وأقاويله الشعريةِ الموصولة بالوصلِ وبالفصلِ من ذلك ما ذكره قيس بن الملوّح [الطويل]9:
فَيَا حَبَّذَا إِعْرَاضُ لَيْلَى وَقَوْلُهَا... هَمَمْتَ بِهَجْرٍ وَهيَ بِالهَجْرِ همَّتِ

وممّا يعزّزُ تفرّد الغزليةِ بمعانٍ مخصوصةٍ أنّ الشاعرَ والأديبَ عامةً يجرّ المعطى الطبيعيّ كالبروقِ والسحابِ والمطر والماءِ إلى حوزةِ التخييليّ، فتتشابك العبارةُ السلسة مع وقعِ الماءِ. فقد أورد القرشي على لسانِ الفرزدقِ أنّه قال: "أصابنا بالبصرةِ مطر جود ليلا، فلمّا أصبحت ركبت بغلة لي حتى انتهيتُ إلى المربدِ، وإذا آثارُ دواب قد خرجن، فظننتُ أنهم قد خرجوا يتنزهون وخليق أن يكون معهم طعام وشرابٌ، فاتبعت آثارهم حتى أتيتُ إلى بغالٍ عليها رجال جنبَ الغديرِ، فأسرعتُ السيرَ، فإذا في الغدير نسوةٌ مستنقعاتٌ، فقلت: لم أرَ كاليومِ قطُّ ولا يوم دارة جلجل"10. وهكذا، لم يخلُ النظمُ والقصّ في أدبِ العربِ القدامى في إنشاءِ غزلياتهم من استحضارِ معطى الماءِ الذي يتخطّى كونه محضَ سائلٍ ليضحي مادة من موادِ البيانِ، يحمل دلالاتِ شتّى ويشبعُ بأبعادٍ رمزيةٍ تعضدها الثقافةُ التي ينتسبُ إليها الخطيبُ الغزِلُ.

استعارات الماء التصوّريةُ في القصيدة الغزلية

يحسنُ بنا القولُ إنّ القصيدة الغزليةَ في أشعار العربِ القدامى خطابٌ شعريّ مخيّلٌ، يشدُّ إلى معنى عمدةٍ قادحهُ شكوى الذاتِ البعادَ والهجرَ، الأمرُ الذي يستوجبُ تصريفَ مختلفِ الانفعالاتِ الشعرية والأحوالِ المتباينة التي يعيشها الشاعرُ متردّداً بين ذكر الصبابة والجوى والكلفِ والهيام والجنونِ، وفي نفسِ العاشقِ رغبةٌ في طلبِ الوِصَالِ وسخطٌ من الهجرِ والقطيعةِ. بيد أنّ النّاظرَ في قصائد الغزلِ العربيةِ القديمةِ يدرك بيسرٍ أنّ الكونَ الشعريّ الموصول بحديثِ المحبّين، محكوم بثنائياتِ الوصل والهجر والخصبِ مقابل الجدبِ. وهكذا، نلفي النّاظمَ الغَزِلَ يُنشئُ استعاراتٍ ذهنيةً ترتبطُ بمعطى الماءِ، وهي استعاراتٌ تجسّدُ مدى تمثّلِ القائلِ لمعطى الماءِ، فيجعلهُ ميدان مصدر أو ميدان هدف. وعليه، تكونُ الغزليةُ مجمعَ استعاراتٍ عرفانيةٍ يتقاطعُ فيها معطى الماء بمعطى الوجدانِ. وبذلك، يستقبلُ القارئُ استعارةً مائيةً تمزج بين الطبيعي والانفعالي، فاستعارة "الحبُّ ماءٌ" العرفانية تمثّلتْ في إسقاطِ الشاعرِ المتغزّلِ سماتِ الماءِ الحسية على معطى عاطفي. فأضحى هذا الانفعالُ محسوساً بآثاره من ذلك قولُ قيس بن الملوّح [الطويل]11:
أُلاَمُ علَى لَيْلَى وَلَوْ أنَّ هامتي... تُداوى بليلى بعد يُبسٍ لَبُلّتِ

فالشاعر يردّ على خصومه ممن لاموه على حبّ ليلى، فقد جهلوا أنّ جثتهُ إن يبست تداوى بحبّ ليلى ووصاله معها. ومن ثمة؛ فإنّ الجسد العليل يشفى بحبّ ليلى، إنّه يرى الجسد أشبه بأرضٍ تخصبُ بالماء، وتيبسُ إن غار القطرُ.

يقول قيس بن الملوّح في قصيدته التائية [الطويل]12:
إِذَا نَظَرَتْ نَحْوِي تَكَلَّمَ طَرْفُهَا... وَجَاوَبَهَا طَرْفِي وَنَحْنُ سُكُوتُ

ثم يختم قصيدته قائلًا:
فَلَوْ خُلِطَ السُّمُّ الزُّعَافُ بِرِيقِهَا... تمصّصتُ منها نهْلةً وَرَوِيتُ.

تتيح القراءةُ المتأنيةُ لهذين البيتين الانتباه إلى لحظة البوح بما يشعرُ به العاشقُ من حبٍّ شديد وفرط تعلّقهِ بالحبيبة، وآيةُ ذلك أنّه استعاض عن لغة اللّسانِ بلغة الجوارح، فأضحى الطرفُ ناطقًا، وللبيان في الكون الغزليّ حقيقةٌ أخرى تنأى عن وسائط التواصل المألوفة، ونكون إزاء بلاغة السكوتِ والصمتِ. وتتأسّسُ استعارةٌ مائية في البيت الأخير؛ إذْ ينقلبُ ريقها نهلةً تروي وتهبه الحياة، والريق شفاءٌ يعطّل السُّمَّ الزعافَ، ومن ثمة، حضر متصوّرُ المَــــــــاءِ بوصفهِ علامةً تهبُ الحَيَاة للجسدِ العليلِ.

وتستوقفنا استعارةُ "الحبّ موردٌ" التصورية في قول مجنون ليلى [الكامل]13:
إقرأْ على الوشلِ السلامَ وقلْ لهُ... كلّ المشاربِ مذْ هجرْتَ ذمِيمُ
لَوْ كنتُ أملِكُ مَنْعَ مائكَ لمْ يذُقْ... ما في قلاتكَ ما حييتُ لئيمُ

فقد جعلَ من الماءِ مصدرًا وأسقط سماته الدلالية على عاطفة الحبِّ، فتمثّل له هذا الانفعالُ أشبه بمورد ماءٍ جبليّ إلى جانب مناعته تمنّى أن لا ينالهُ لئيمٌ، فيبقى صافياً لا عكراً، قليله يشفيهِ. ومما سلف، نخلصُ إلى القولِ إنّ الغزليةَ نظامٌ من المعاني محكوم بالتقابل، استعارت من سماتِ الماء بوصفه عنصراً طبيعيّاً سماته، فجمعتْ إلى الوفرةِ الندرةَ وإلى الصفاءِ الكدر، وإلى الحركةِ السكوتِ وإلى متلازمةِ الخصبِ والجدبِ الحياة والموت. فجرت صورها ومجازاتها مجرى مخصوصاً عندما افتكت من الماءِ كلّ أسراره وأغواره، فأحيتْ النّصَّ بأقاويلهِ وأروتَ غلّةَ القارئِ وأمتعته.
 

✲✲✲
 

سعينا في هذه المقاربةِ إلى فحص مسألة شعرية الماء في الشعر الغزلي العربي القديم، وتبينا أنّ الشعر الغزليّ لكونهِ خطاباً مخيّلًا مداره أحاديثُ العاشقينَ قد يتفرّدُ باستثمارِهِ معجمَ الماءِ الطبيعيّ، فنشأت استعاراتٌ ذهنيةٌ تجسّدُ إلى حدّ بعيدٍ وجوه تمثّلِ الشاعرِ المتغزّلِ لحقيقةِ الوصلِ، الأمرُ الذي نزعَ بهِ إلى تخصيبِ صورهِ وإثراءِ معانيهِ عمدتُـــــــهُ جمالُ الماءِ وجلال الإنشاءِ.

 


الهوامش: 1. ابن منظور، لسان العرب، المجلد الحادي عشر، دار صادر، بيروت، ط3، 1994، ص: 492.┋2. نفسه، مج11، 492.┋3. ابن رشيق القيرواني: العمدة، قدم له وشرحه صلاح الدين الهواري وهدى عوده، دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان، ط1، 1996، ج2، ص: 188.┋4. العمدة، ص: 187.┋5. المستطرف من كلّ فنّ مستظرفٍ، شهاب الدين الإبشيهي، دار الفجر للتراث، القاهرة، ط1، 2011، ص: 609.┋6. المستطرف، ص: 609.┋7. نفسه، ص: 609.┋8. نفسه، ص: 610.┋9. ديوان مجنون ليلى، قيس بن الملوح، شرح عدنان زكي درويش، دار صادر، بيروت، د.ت، ص: 58.┋10. ديوان مجنون ليلى، ص: 55.┋11. نفسه.┋12. نفسه.┋13. ديوان مجنون ليلى، قصيدة زفرة محبّ، ص: 58.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها