مركز مليحة للآثار.. ذاكرة التراب وحوار الحضارات

أنوار فاتي


إن التراب لا ينسى، فهو الحافظ الأمين لذاكرة البشرية، والسجل المفتوح الذي تقرأ فيه الأجيال المتعاقبة سير أسلافها، وخطواتهم الأولى نحو بناء الحضارة. وفي قلب شبه الجزيرة العربية، حيث تتقاطع قوافل التجارة العابرة للصحاري مع مسارات الهجرات البشرية الأولى، تقف منطقة "مليحة" في إمارة الشارقة كواحدة من أهم الحواضر الأثرية التي أعادت تشكيل فهمنا التاريخي والأنثروبولوجي لتاريخ الاستيطان البشري في المنطقة. لا يقتصر دور "مركز مليحة للآثار" على كونه مجرد متحف يضم المقتنيات القديمة ويحفظ الشواهد المادية، بل إنه يمثل نافذة زمنية تتصل بفترات مفصلية من التاريخ البشري، تمتد من العصور الحجرية الأولى، مروراً بالحقبتين البرونزية والحديدية، وصولا إلى العصر الهيلينستي والعصر الإسلامي المبكر. إنه يرصد قصة مجتمعات استطاعت تطويع قسوة البيئة الصحراوية، وبناء شبكات تواصل معقدة مع أعتى حضارات العالم القديم.

 عبقرية المكان والزمان

​تقع مليحة في موقع استراتيجي فريد ضمن إمارة الشارقة، وتحديداً في منطقة الخطم بالقرب من سلاسل جبل الفاية. هذا الموقع لم يكن مجرد صدفة جغرافية فرضتها الطبيعة، بل كان خياراً استراتيجياً واعياً للمجتمعات القديمة عبر العصور، فالقرب المباشر من جبال الحجر وفر للمنطقة مصدراً حيوياً للمياه من خلال الشبكات الأودية والينابيع التي كانت أكثر غزارة وانتظاماً في الحقبة المطيرة القديمة، في حين شكلت السهول الحصوية والرملية المحيطة بها بيئة مثالية لممارسة أنشطة الرعي والزراعة الأولية والتمركز السكاني.

​تكتسب مليحة أهميتها الاستثنائية في الأدبيات الأثرية من تسلسلها الطبقي الزمني الذي لا ينقطع تقريباً. لقد كشفت التنقيبات الأثرية المعمقة في محيطها، وتحديداً في ملجأ جبل الفاية الصخري، عن أدوات حجرية يعود تاريخها إلى أكثر من 130 ألف عام. تشكل هذه الاكتشافات دليلًا مادياً قاطعاً على أن هذه المنطقة كانت أحد الممرات الرئيسية التي سلكها الإنسان الأول (Homo Sapiens) في هجراته الخروجية الأولى من إفريقيا عبر باب المندب، مستفيداً من الظروف المناخية الملائمة آنذاك للانتشار نحو آسيا وبقية قارات العالم.

​ومع توالي العصور التاريخية، لم تندثر الحياة في مليحة، بل شهدت تطوراً تعاقبياً متماسكاً، فمن العصر الحجري الحديث، مروراً بالعصر البرونزي الذي تجسد بوضوح في المقابر الدائرية النمطية لثقافة "أم النار"، وصولًا إلى العصر الحديدي الذي شهد تطور أنظمة الري التقليدية (الأفلاج)، استطاعت المنطقة أن تجتاز التحولات البيئية والاجتماعية بنجاح. لكن الحقبة الأكثر إشراقاً وتأثيراً في تاريخ مليحة هي تلك الممتدة من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي (فترة ما قبل الإسلام أو الحقبة الهيلينستية). في هذه المرحلة بالتحديد، تحولت مليحة من مجرد مستوطنة زراعية ورعوية إلى مملكة مزدهرة وعاصمة جنوبية ذات ثقل سياسي، ونقطة ارتكاز حيوية على طرق القوافل البرية وكذا البحرية التي ربطت بين المحيط الهندي وحوض البحر الأبيض المتوسط.

 مليحة كملتقى للطرق العالمية

​لم تكن مليحة في أي مرحلة من تاريخها واحة معزولة في بحر من الرمال، بل كانت عقدة تواصل حضاري ومحطة استراتيجية لا غنى عنها في شبكة التجارة الدولية القديمة. إن المكتشفات واللقى الأثرية التي تحتضنها قاعات مركز مليحة للآثار تقف شاهداً فصيحاً على عمق هذا الانفتاح الاقتصادي والثقافي الذي تجاوز الأبعاد الجغرافية المباشرة ليربط بين مجتمعات متباعدة.

​من أبرز الشواهد المادية على هذا التبادل التجاري الممتد، العثور على أعداد كبيرة من الأواني والجرار الفخارية الضخمة (الأمفورا) المستوردة من جزيرة رودس اليونانية ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، والتي كانت تستخدم ونقل أثمن البضائع كالزيت والنبيذ. كما كشفت أعمال التنقيب عن فخاريات مزججة، وفخاريات ذات جودة عالية استقدمت من بلاد الرافدين، وأوان حجرية وأختام دلمونية من البحرين، وعاجيات مشغولة بدقة من الهند، إلى جانب المباخر واللبان المستورد من جنوب الجزيرة العربية (ممالك اليمن القديمة). هذا التنوع المذهل في المقتنيات يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مليحة كانت سوقاً عالمية حرة تتلاقى فيها بضائع الشرق والغرب وتتعايش في جنباتها الثقافات.

​ولعل الاكتشاف الأكثر دلالة على النضج السيادي والاقتصادي لمجتمع مليحة، يتمثل في صك العملة المحلية. لم يكتف سكان مليحة بتداول العملات الأجنبية المستوردة، بل قاموا بسك عملاتهم المعدنية الخاصة داخلياً، حيث عثر في الموقع على قوالب الصك وقطع نقدية برونزية وفضية تحمل تقليداً دراماتيكياً لعملات الإسكندر الأكبر والملوك السلوقيين. يظهر على وجه هذه العملات رأس هرقل، وعلى الظهر رسم للإله زيوس وهو يجلس على العرش، ولكن مع تحوير ثقافي لافت يظهر في إضافة رموز محلية وكتابات بالخط الآرامي (لغة التجارة والدبلوماسية في الشرق القديم)، ومنها اسم "أبيل" ملك مليحة. إن هذا المزج البصري بين الرموز الإغريقية واللغة الآرامية والتقنيات المحلية يعكس حالة متقدمة من التفاعل والمثاقفة، ويؤكد أن مليحة كانت تمتلك سلطة مركزية ونظاماً مالياً مستقلاً قادراً على التعامل كطرف ند مع القوى الإقليمية العظمى في ذلك الزمن.

 العمارة والطقوس الجنائزية

​إن دراسة المعالم المعمارية والطقوس الجنائزية في مليحة تمنح الباحثين في التراث والأنثروبولوجيا الثقافية رؤية عميقة لفهم البنية الاجتماعية، والهياكل الطبقية، والمعتقدات الروحية التي وجهت سلوكيات سكان هذه المنطقة.

​على مستوى العمارة المدنية والعسكرية، يبرز "حصن مليحة" كأحد أهم المجمعات المعمارية المكتشفة في شبه الجزيرة العربية. وهو بناء ضخم مربع الشكل، مدعم بأبراج دفاعية دائرية ومربعة في زواياه، بني باستخدام قوالب الطين المجفف بالحرارة (اللبن) على أسس متينة من الأحجار الطبيعية. هذا الحصن لم يكن مجرد منشأة دفاعية لمواجهة الأخطار الخارجية، بل كان المقر السياسي للحاكم وموقعاً لإدارة الشؤون الاقتصادية وتخزين البضائع وتوزيعها. وفي محيط الحصن، امتدت الأحياء السكنية والورش الصناعية التي كشفت عن تخصصات دقيقة في صهر المعادن وتصنيع حديد الأسلحة والأدوات الفخارية، مما يعكس تقسيم العمل الاجتماعي، ووجود طبقات حرفية وتجارية وسياسية داخل المستوطنة.

​أما في الجانب الجنائزي؛ فإن المقابر المنتشرة في مليحة توفر مادة غنية لدراسة تصدمنا برقيها الفكري والمادي؛ إذْ تتنوع المدافن بين القبور الأرضية البسيطة الخاصة بعامة الناس، والمقابر الضخمة المبنية فوق الأرض أو الحفائر الغرفية المجهزة للنخبة والوجهاء. وتعد "القبور البرجية" المربعة ذات الغرف المتعددة والواجهات المزخرفة، ابتكاراً معمارياً وهندسياً بارزاً يعكس الرغبة في التخليد والتعبير عن المكانة الاجتماعية للمتوفى.

​غير أن الطقس الجنائزي الأكثر ثراء وإثارة للدهشة في مليحة يتمثل في "مدافن الخيول والجمال". لقد كشفت التنقيبات عن مدافن خاصة ألحقت بقبور الشخصيات الرفيعة، ضمت هياكل عظمية كاملة لخيول أصلية وجمال دفنت جنباً إلى جنب مع أصحابها المتوفين. ولم يكن هذا الدفن عملية عشوائية، بل تم بأسلوب طقسي منظم، حيث وضعت الحيوانات في وضعيات محددة داخل قبور مبنية خصيصا لها، وزينت بأدوات زينة وجنائز ثرية؛ إذْ عثر على خيول ترتدي أقراصاً ذهبية وفضية وألجمة برونزية متقنة الصنع.

​إن هذا السلوك الجنائزي المكلف، والذي يتضمن التضحية بحيوانات ذات قيمة اقتصادية وعسكرية عالية في ذلك العصر، يقدم دليلًا أنثروبولوجياً على وجود إيمان راسخ بفكرة البعث والخلود والحياة الثانية بعد الموت، حيث كان يعتقد أن المتوفى يحتاج إلى جواده أو جمله المفضل لامتلاكه في العالم الآخر. كما يعكس هذا الطقس الرمزية العميقة والارتباط الوجداني الفائق بين العربي وحيواناته في الصحراء، فضلا عن كونه وسيلة لإظهار الثراء والنفوذ الاجتماعي للطبقة الحاكمة حتى بعد الممات.

 صرح للتوثيق والاستدامة الثقافية

​أمام هذا الموروث الأثري والتاريخي الهائل، جاء إنشاء "مركز مليحة للآثار" بتوجيهات ورؤية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ليجسد الرؤية الحضارية لإمارة الشارقة في حفظ التراث الإنساني وصونه. لم يشيد المركز ليكون مجرد متحف تقليدي يكتفي بعرض القطع في خزائن زجاجية، بل صمم وفق مفهوم المعمار البيئي المندمج مع السياق الأثري للموقع.

​لقد تم تصميم المبنى الحديث لمركز مليحة بحيث يحتضن ويلتف ببراعة هندسية حول واحد من أهم المعالم الأثرية الميدانية، وهو "ضريح أم النار" الدائري الضخم الذي يعود للعصر البرونزي (حوالي 2300 قبل الميلاد). يخلق هذا التصميم حواراً بصرياً وثقافياً مستمراً بين حداثة المعمار والتقنيات المعاصرة، وبين أقدم الشواهد الأثرية في المنطقة، كما يضمن حماية هذه الآثار الشاخصة من التعرية والعوامل المناخية مع إتاحة استكشافها للزوار والأكاديميين من الداخل والخارج على حد سواء.

​من الناحية العلمية والتوثيقية، يلعب المركز دوراً حيوياً في تحقيق الاستدامة الثقافية، فهو يجمع بين أساليب العرض المتحفي الحديثة الشاملة للقطع الأثرية الأصلية، وبين وسائط التفاعل الرقمي، والعروض ثلاثية الأبعاد، والخرائط الجغرافية التفاعلية التي تُعيد بناء المستوطنة القديمة وهيئتها العمرانية بأسلوب علمي دقيق. ولا يقف دور المركز عند العرض فقط، بل يمتد ليكون مقراً للأبحاث والبعثات الأثرية ومختبراً لترميم المكتشفات وتوصيفها. إن تحويل مليحة إلى وجهة سياحية وبيئية متكاملة يعبر عن فهم عميق لمفهوم حفظ التراث، حيث لا يعزل الأثر عن مجتمعه، بل يعاد إدماجه في التنمية الثقافية والاقتصادية الحديثة ليبقى مصدراً للإلهام، وجزءاً أساسياً من الوعي الجمعي للأجيال القادمة.
 

 رسالة من عمق التاريخ

​إن الوقوف أمام اللقى الأثرية في مركز مليحة، والتأمل في تفاصيل العقود الذهبية، والعملات المضروبة بعناية، وجدران الحصون الطينية، والمدافن الصامتة، ليس مجرد رحلة في فضاءات الحنين إلى الماضي، بل هو تمرين فكري وأكاديمي لاستيعاب قدرة الإنسان في شبه الجزيرة العربية على الإبداع، والتكيف، وصنع الحضارة.

​لقد برهنت مليحة، من خلال ذاكرة ترابها الحية، أن هذه المنطقة لم تكن يوماً هامشاً على حواشي كتاب التاريخ البشري، بل كانت متناً فاعلاً، ومحطة إشعاع، ومركزاً نابضاً بالحياة والتواصل الحضاري الممتد عبر العصور. إن الرسالة التي تبعث بها مليحة إلينا اليوم هي أن الحضارات الإنسانية لا تزدهر بالعزلة، بل تقوم وتستمر بالحوار والتبادل والمثاقفة. وفي هذا السياق، يقف مركز مليحة للآثار كحارس أمين لهذا التاريخ المشرق، ومنارة ثنائية المعرفة تؤكد أن بناء المستقبل لا يتأسس إلا على فهم عميق وموضوعي لجذور الماضي الخالدة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها