صدر عن معهد الشارقة للتراث في بحر عام 2024 كتاب "سوفلة وألعاب أخرى- الألعاب التقليدية الموريتانية لمؤلفته الأستاذة السالكة بنت يحظيه، وتتأتى أهمية وفرادة الكتاب من موضوعه ومراميه المتجسدة في تدوين عناصر من التراث غير المادي بموريتانيا متمثلة في الألعاب التراثية أو التقليدية؛ إذ يضم الكتاب الذي يقع في 172 صفحة حوالي 108 لعبة شعبية، كما ذكر الدكتور أحمد مولود أيده الهلال في تقديمه القيم للكتاب، إذ أشار إلى تأثر الألعاب الموريتانية بثقافات دول الجوار بما في ذلك منطقة الساحل الإفريقي والمغرب العربي.
تعكس تسميات الألعاب الواردة في الكتاب غلبة معجم الثقافة الحسانية التي تنتشر جغرافيا في عدد من بلدان شمال وغرب إفريقيا (موريتانيا، المغرب، السنغال، مالي، الجزائر)، فضلا عن حضور بنسب معينة للهجات الإفريقية المحلية في موريتانيا ومحيطها.
دوافع التأليف في الألعاب الموريتانية:
نطالع في مقدمة الكتاب تنصيص المؤلفة على بعدين من الأبعاد التي حملتها على تأليف الكتاب، هما: النوستالجيا والحنين إلى الماضي الجميل، ثم إبراز العبقرية البدوية وتفاعل البدوي مع محطيه، إذ قالت: "تشمخ اليوم من تراثنا الألعاب الشعبية رسولا للزمن الجميل، زمن القيم والأخلاق والتسامح والبراءة والطهارة. ذلك العهد الذي اخترعت فيه عبقرية الجماعة البدوية التسلية المفيدة والمرح من عناصر بيئتها البسيطة (...) ونحن إذ نقدم هذا الكتاب إسهاماً في بعث ألعابنا القديمة من منطلق حب تراثنا والإحساس بالانتماء إليه، تحدونا الرغبة في التعريف بهذا الفرع والإقبال عليه كعودة إلى الأصالة" [ص: 15].
لا شك أن الكاتبة الطامحة إلى جرد وتوثيق عناصر من التراث الموريتاني، وجدت تجاوباً محموداً من لدن معهد الشارقة للتراث الذي دأب على نشر عدد مهم من الدراسات التي أثرت "مكتبة الموروث" كمشروع لتوثيق التراث، قال عنه الدكتور عبد العزيز المسلم في تصديره للكتاب إنه: "حلم أردنا تحقيقه في معهد الشارقة للتراث، لنكوّن مكتبة متخصصة في التراث الثقافي العربي والعالمي" [ص: 9].
أسماء الألعاب التقليدية الموريتانية وجذورها الثقافية واللغوية:
يعرض الكتاب تصريحاً أو تلميحاً أصول بعض تسميات الألعاب التراثية، ويرجع معظمها إلى اللسان الحساني مثل (إبل دَيْلُولْ -ديلول: اسم شخص حكيم في الحكاية الموريتانية- لَوْزارْ، زَركْ لكْعب، قاش، أم اجميلات، الدكريشة، اتويديت النمل، العوم، دمراو، التدوح الناس مبين الناس، السيك...). والمعجم الحساني الذي تعزى إليه أغلب تسميات الألعاب ينطوي على تنوع عائد إلى اختلاف المجالات التداولية للحسانية، بحيث إن أسماء بعض الألعاب الواردة في الكتاب يتم تداولها بالنطق والرسم ذاته لدى كثير من الناطقين بالحسانية مثل: السيك، دمراو، بينما تستعمل مصطلحات أخرى مرادفة للمصطلح المستعمل في موريتانيا، فمثلا يطلق بعض الحسانيين في صحراء المغرب على (لوزار أو الدمى) اسم العظمة بتسكين الظاء؛ لأنها دمية تصنع من عظم خروف أو شاة.
يبرز تأثير الرافد الإفريقي تصريحاً في بعض تسميات الألعاب مثل: (لانكا بوري بوري بادجو)، إذ توضح المؤلفة المعنى قائلة: "هذه لعبة من ألعاب البولار (إثنية إفريقية في موريتانيا)، ومعنى لانكا بوري: السوط الجميل، وبادجو رجل مشهور باللعب بالسوط" (الكتاب، ص: 32)، بينما يتم في سياقات أخرى التلميح إلى الأصل الإفريقي للكلمة كما هو الحال بالنسبة إلى لعبة "اكرور" التي تعرف في عدة دول إفريقية بتسميات متعددة أشهرها: منكلا Mancala التي يعتقد أنها كلمة ذات أصول عربية (منقلة)، أو أوالي Awale.
ألعاب صديقة للبيئة تعيد الدفء إلى العلاقات الاجتماعية:
يتضمن الكتاب عدة صور وترسيمات على الرمل للألعاب التقليدية الموريتانية مما يرفع اللبس عن التعريفات والشروح المرافقة لكل لعبة؛ إذ يوفر الرصيد الأيقونوغرافي في الكتاب مادة تصلح للنشر بشكل منفرد في كاتالوج للألعاب الموريتانية، ولعل من أهم ثمار إدراج الصور إدراك المتلقي لخصيصتين تميزان هذه الألعاب والرياضات التقليدية والوسائل المستخدمة فيها:
◅ أنها ألعاب إيكولوجية تحافظ على نقاء البيئة، إذ إن المواد المستعملة في اللعب تؤخذ من المحيط الطبيعي البدوي، ولا تخالطها مواد مصنعة صعبة التحلل كما هو حال الألعاب المصنوعة من مادة البلاستيك التي غزت الأسواق العصرية.
◅ أنها ألعاب تقوم على التفاعل المباشر مع الطبيعة ومع الإنسان، إذ إن الألعاب التقليدية على خلاف الألعاب الإلكترونية ألعاب قائمة على التفاعل والتواصل الجسدي والتعايش، إنها بتعبير الخبير بيار بارلبا Pierre parlebas ألعاب تلقن فن العيش المشترك Jeux conviviaux.
والصور التي ينطوي عليها الكتاب تتضمن مشاهد كثيرة من التفاعل والتواصل مع الأقران، ففي الصفحة 19 مثلًا نعثر على صورة أطفال يقومون بالقرعة وفق إحدى الطرق التراثية التي تنم عن الذكاء الإجرائي والوجداني الذي يتمتع به أطفال البادية الموريتانية، وتسمى هذه الطريقة "اتشانيﮚ" وقوامها أن "يقوم اللاعبون بـ"تشانيكَ"، وهو أن يتماسكوا بالأيدي، ثم يضع كل منهم يده على أنفه، ماداً أصابعه بوضع مقلوب أو معتدل، وعندئذ يلعب كل صاحب وضع مشابه من يشبه وضعه، فيشكلون فريقاً موحداً" [ص: 19].
ومادامت الألعاب التقليدية غير قائمة عل الربح، فإنها تشيع الوئام والمودة والتنافس الشريف، كما تبعث مناخاً اجتماعياً قائماً على التعاون والتماسك فضلًا عن أنها تكفل للأفراد الحق في الترفيه واستغلال الفضاءات، خاصة وأن الألعاب التراثية تمارس في البيئة الطبيعية الملائمة، ولا تحتاج إلى توفير بيئة رقمية مكلفة قوامها الأجهزة الإلكترونية والربط بالشبكة العنكبوتية، بهذا المعنى يمكن التأكيد على أن ميزة الألعاب التقليدية أنها نشاط مجاني لا يكلف أداءً مادياً، كما أنها نشاط حر واجتماعي.

الكتاب توثيق للتراث اللعبي وإبراز للبصمة البدوية في الألعاب التقليدية:
الكتاب محاولة رائدة لتوثيق وجرد عدد مهم من الألعاب الموريتانية تغطي نسبة هامة من الموروث اللعبي الذي يغتني بتعدد الثقافات واللهجات المحلية، وليس من السهل الإلمام بقواعد الألعاب التقليدية التي تراجع انتشارها في الزمن الراهن الذي انتقل فيه الناس من فضاء البادية إلى عالم المدنية، مما جعل عدداً منها مهدداً بالانقراض.
ويمكن أن نميز من زوايا متعددة بين الألعاب التي تم جردها في المدونة التي ضمّها الكتاب، بحيث تنقسم من حيث الممارسين إلى ألعاب خاصة بالإناث مثل: اكرور، أم لعرايس، صلبط الخطية...، وألعاب خاصة بالذكور مثل: قاش، هيب، لعبة ولد رازكَة، هيب... مع اختلاف الألعاب حسب السن، إذ إن بعض الألعاب خاصة بالأطفال، وبعضها يمارسه الشبان فضلا عن كبار السن. ومن خلال تفحص قواعد هذه الألعاب، يمكن أن نقترح تقسيمها إلى مجموعات:
- ألعاب التركيز والقدرات الذهنية والحسابية: مثل السِّيكْ، ظَامَتْ، دِمراوَ.
- ألعاب المطاردة: مثل سَيْلُومْ، لعبة عبد القادر الجيلاني.
- ألعاب حس-حركية: مثل أم اجميلات، صَيْدَحْ بِرانْ، اتْسابيكَ، هيبْ.
- ألعاب الاكتشاف: مثل: اتويديت النمل، مائة نقطة.
- ألعاب الرماية والتصويب: مثل: كورة اعل الركَ، الشارة، أمكَلاع.
- ألعاب الفكاهة والدعابة: مثل لعبة الفتلة، ولعبة "خَبهَ كبهَ" التي يتخللها الضحك والتصفيق
- ألعاب المحاكاة: مثل: لعبة تكَسام الدهن، لعبة دويرات التركة، لعبة تمكطير الجمال.
تأثير البداوة في الألعاب التقليدية:
يبدو أن تأثير البداوة في الألعاب الموريتانية يتجاوز فضاء اللعب وأشياءه من رمل وبعر إبل وخشيبات صغيرة (عيدان) إلى ما هو أبعد من ذلك. ويمكن أن نحصر أوجه تأثير البداوة في الألعاب الموريتانية فيما يأتي:
◅ محاكاة الحياة البدوية: يتمظهر كثير من أنشطة البدو في الألعاب التقليدية التي تعد بمثابة تمثيل ومحاكاة للحياة الواقعية، ففي لعبة "الخيمة" استلهام للطريقة التي تبنى بها الخباء، إذ لا يبقى في الرقعة عند إعلان انتصار أحد اللاعبين على خصمه سوى أربعة "بعرات" موزعة بشكل يوحي بأوتاد الخيمة، في حين تتوسط البعرة الخامسة الرقعة في محاكاة ذكية للركيزة التي ترفع سماك الخيمة، وفي لعبة "اتمكَطير الجمال" نلحظ محاكاة لطريقة إعداد القافلة في شكل قطار من الإبل، إذ إن لفظة أمكَطر التي اشتق منها فعل "اتمكطير" ليست سوى تحوير لهجي محلي لكلمة (قطار)، وفي لعبة تكَسام الدهن ترميز إلى طريقة تقسيم السمن بين الأفراد في الحياة البدوية، وتمتد المحاكاة إلى إعداد الأطفال "دور صغيرة" من الطين، كما هو الحال في لعبة ادويرات التركة (أي دويرات الأطفال) التي تحاكي بناء المنازل في الواحات بالطين المدكوك.
◅ تأكيد مركزية الأم في الثقافة المحلية: ثمة استعمال متكرر في تسميات كثير من الألعاب التقليدية للفظة "الأم"، ومثال ذلك: أم اجميلات، أم اجليدة، أم الغميضة، أم اسويكَة، أم ادريريعة، أم لربعات، أم اجريرة... وقد نجد تفسيراً لهذه الظاهرة في الأصول الغميسة للمجتمع الأميسي في انتساب صنهاجة إلى أمهاتهم بمن فيهم يوسف بن تاشفين وابن عائشة وغيرهم، ومما لا شك فيه أن تأثير المرابطين في الثقافة والتاريخ الموريتانيين أمرٌ كشفه بعض من الدارسين من أمثال البروفيسور عبد الودود ولد الشيخ في مقالته الصادرة بالفرنسية تحت عنوان: من أجل حفنة من الدنانير، المرابطون في الصحراء وعملتهم النقدية.
◅ رمزية الحيوان في الألعاب الموريتانية: نظراً لأن حياة البدو منفتحة على البراري وما يجوس فيها من حشرات وحيوانات أليفة أو مفترسة، فإن كثيراً من الألعاب الموريتانية تتضمن ترميزاً وتمثيلًا للحياة في البرية، إذ نجد لعبة اتويديت النمل، ولعبة الذيب جاء، ولعبة ثلاثين من الغنم، لعبة النسور.
خلاصة:
يعد الكتاب بمثابة مكنز مصغر للألعاب التراثية الموريتانية، وينمّ عن جهد جهيد تم استفراغه طيلة سنوات عديدة، إذ نقرأ في بعض التقييدات التي تضمنها الكتاب أماكن التوثيق أو الجرد وأسماء الإخباريين والمستجوبين، وأغلبهم من كبار السن، وتواريخ إدلائهم بالإفادات حول الألعاب التقليدية التي كانت معروفة في مجالهم الترابي.