لقاءٌ لم يتمّ!

حسام حسني بدار

في هذا اليوم بالذات بلغ "ربيع" الأربعين. وعندما يبلغ الرجل هذه السّن، يقوم عادة بعمل "جردٍ" لما نجح فيه ولما أخفق فيه. فلا عجب أنْ أخذ "ربيع" يتساءل: "أتراني قد اخترتُ لنفسي الطريق الصحيح في هذه الحياة"؟!
كان يخامره شعورٌ بأنّ حياته ليستْ على ما يرام. ولاحظ أنّ طبعه ازداد حدّةً وأخذ يضيق ذَرْعاً بأتفه الأمور. وفي هذا الصباح بالذّات، دخل في جدالٍ صاخبٍ مع زوجته حول مسألة لا تستحقّ كلّ ردّ الفعل الذي صدر عنه، ممّا جعلها تأخذ طفليها وتترك له البيت دون أنْ تأبه لتوسلاته بالبقاء.

جلس إلى مكتبه الذي يتوسط مكان عمله، واستند بذقنه على راحة يده اليمنى. واستذكر كيف أنه ترك دراسته في الجامعة في الأشهر الأولى لينشئ مشروعاً تجاريّاً صغيراً خاصّاً به. عمله في محلّه المتواضع؛ لم يحقّق ربحاً بالمعنى الواسع، ولم يدرّ عليه ثروةً تُذْكر.. لكنّ دخله من تجارته هذه أمّن له ولزوجته ولطفليهما عيْشاً معقولًا، ووفّر لهم منزلاً بسيطاً في إحدى ضواحي المدينة.

السبب الذي دفع به إلى التخلي عن دراسته والدخول إلى عالم التجارة كان مردّه حبٌّ فاشلٌ انطلقتْ شرارته بينه وبين زميلة له في الدراسة. كان يُعوّل كثيراً على هذا الحبّ. لكنه فوجئ بمن عقد عليها أمل مشاركته الحياة!! تتزوج من شخصٍ آخر لديه المال والوقت المتّسع – ممّا لم يكن لديه هو.
في فورة الغضب والألم، اتّخذ "ربيع" قراره المصيري بالتخلي عن دراسته والسّعي للحصول على قَرْضٍ مصرفيٍّ بسيطٍ يبدأ به عمله التجاريّ، بهدف أنْ يصبح يوماً ذا شأن ويغيظ حبيبته الغادرة. وكان عازماً على متابعة أخبارها، لكنه لم يستطع ذلك لانشغاله بعمله الذي أنشأه وتفرّغ له.

انتزع "ربيع" من ذكرياته غير السعيدة كثيراً.. رنينٌ مفاجئ من هاتفه الخلويّ. في البداية ظنّ أنّ المكالمة آتية من زوجته تخبره فيها عن رغبتها بالعودة إلى المنزل؛ لكنّ الرقم الذي طالعه على كاشف الهاتف لم يكن مألوفًا لديه بالمرّة.
"هل أنت ربيع عبد المحسن؟" تساءل صوتٌ نسائيّ على الهاتف.
"نعم، أنا هو" أجاب ربيع.
"ألم تعرفني بعد"؟!
"الصّوت مألوفٌ لديّ. لكنني للأسف لا أستطيع أنْ أحدّد من أنتِ".
"أنا خطيبتكَ السابقة".
"آه. أهلًا وسهلًا. كيف حالكِ"؟
"إنني بخير... ماذا تعمل هذه الأيام"؟
"إنني أُدير عملًا بسيطًا، ولكنني قانعٌ به".
"كنتُ أودّ أنْ ألتقي بك لأخبرك أنني انفصلتُ عن زوجي، فما رأيك"؟
"آسفٌ أنْ أقول لك إنّني متزوّج ولديّ طفلان، وهم في طريقهم إليّ الآن. وأقترح عليكِ أنْ توفرّي عناء المقابلة".
"أنا التي عليها أنْ تتأسّف".

جاملها "ربيع" بعبارة أو اثنتين، وأدركَ في هذه اللحظة بالذّات أنه ما من شيء مشترك يربط بينهما. وقرّر أنْ ينهي المكالمة غير آسفٍ لحظة أنْ رأى زوجته قادمة إلى محلّه بصحبة طفليهما.

لقد أيقن "ربيع" أنّ خطيبته السابقة لم تعد تمثّل له شيئًا خاصّاً، وأنها أصبحتْ مجرّد شخصٍ من الماضي. وانتزعته زوجته من تأمّلاته بقولها:
"ها نحن قد عدنا. كيف حالك الآن يا ربيع؟ هل أنت بخير".

"لم أكن بخيرٍ قطّ أكثر ممّا أنا عليه الآن...".

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها