إيقاع الصّمتِ

تمثلاتُ الدِلالَة عند عَدنان الصَّائغ

أحمد الشطري


للصمتِ دلالاتُهُ مثلما للكلامِ دلالاتُهُ، وللصمتِ بلاغتُهُ مثلما للكلامِ بلاغتُهُ أيضاً، ومن هنا كان التأكيدُ على فاعليةِ الصمتِ كمُعَبِّرٍ عن معانٍ متعددةٍ تختلفُ من حالة لأخرى وفقاً لسياق الكلامِ أو الموقفِ، ولكلِّ جانبٍ من جوانب المعرفة رؤيةٌ خاصةٌ لدلالةِ الصمت، ودورِهِ الفاعلِ ولحظاتِهِ التي يكونُ فيها جزءاً أو رُكناً من أركانِ التعبيرِ في ذلك الجانب المعرفي، وقد "قالوا: تركُ الكلامِ لهُ أربعةُ أسماءٍ: الصمتُ وهو أعمُّها حتى إنَّهُ يستعملُ فيما ليس يقوى على النطقِ كقولهم «مالٌ ناطقٌ أو صامتٌ». والسكوتُ وهو تركُ الكلامِ ممن يقدرُ على الكلامِ، والإنصاتُ هو السكوتُ مع استماع... والإصاخةُ وهو الاستماعُ إلى ما يصعبُ إدراكُهُ كالسرِّ والصوتِ من المكان البعيد"1.

 

 بلاغةُ الصمتُ

وَلِلْبَلَاغِيَّيْنِ فِي الصَّمْتِ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِ رَأْي أَيْضًا إِذْ يَرَوْنَ فِيهِ بَيَانًا أَكْثَرَ وَأَتَمَّ وَأَوْجَبَ مِنْ بَيَانِ اَلنُّطْقِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اَلْجُرْجَانِي: "فإنكَ ترى بهِ تركُ الذكر، أفصحَ منْ الذكر، والصمتُ عنْ الإفادةِ أزيدَ للإفادة، وتجدُكَ أنطقَ ما تكونُ إذا لمْ تنطق، وأتمَ ما تكونُ بياناً إذا لمْ تبنْ"2.

وَكَلَامُ اَلْجُرْجَانِي يَدُلُّ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ عَلَى رُؤْيَتِهِمْ لِبَلَاغَةِ اَلصَّمْتِ، بِاعْتِبَارِهِ نَافِذَةً مِنْ نَوَافِذِ بَيَانِ اَلْمَعْنَى أَوْ صُورَةً رَمْزِيَّةً تَحْمِلُ فِي مَضْمُونِهَا دَلَالَاتٍ مُخْتَلِفَةً، وَهَذَا مَا يؤكدُهُ القرآنُ بقولِهِ تعالى لنبيِّهِ يحيى (ع): {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}3، وكذلك قوله جل وعلا لمريم: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}4.

وصمت مريمَ ويحيى هوَ صورةٌ بلاغيةٌ تغني عنْ بلاغةِ الكلامِ في اللحظةِ التي يكونُ فيها الكلامُ أعجزَ منْ أنْ ينقلَ الصورةَ بالشكلِ الذي يجعلُ منْ المتلقي يتقبلُها أوْ يتفاعلُ معها إيجابيّاً، وليسَ كلُّ حالةِ صمتٍ هيَ دلالةٌ منْ (دلائلِ الإعجازِ) البلاغي؛ وإنّما لا بدَّ منْ توفرِ مبرراتِ أوْ شرائطَ ليكونَ لذلكَ الصمتِ قيمتُهُ الحقيقةُ التي تغني عنْ الكلام. وقدْ جاءَ في أشعارِ العربِ في بلاغةِ الصمتِ، قولُ ابنْ رشيقْ القيرواني.

 سكتُ لهُ ضنّاً بعِرضي فلم أجبْ ... وربَّ جوابٍ في السكوتِ بليغُ5.

ورغم أن هناك فارقاً دقيقاً بين الصمت والسكوت إلا أن كليهما يؤديان إلى فعل بلاغي واحد في الغالب. وقد عدَّ ابن المقفع السكوت أحد وجوه البلاغة، فقال جواباً على سؤال أحدهم: "ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة..."6. وللصمت عند الجاحظ أنواع بحسب ما تفرضه المواقف على الشخص وما يهمنا منها هو ذلك الصمت الذي يشير له بقوله: "واعلم أنَّ الصَّمت في موضعه ربما كان أنفع من الإبلاغ بالمنطق في موضعه وعند إصابة فرصته، وذاك صمتك عند من يعلم أنك لم تصمت عنه عيّاً ولا رهبةً"7. ومثل هذا الصمت يمكن أن نعبر عنه (بالصمت الواعي) الذي يحمل مقولاته الكبيرة التي لا يستطيع الكلام التعبير عنها بمثل بلاغة الصمت، هو ليس صمت العاجز أو الخائف أو المتملق، بل هو الصمت المعبر عن سيل من الكلمات الصارخة التي لا تستوعبها اللغة، ولن يفهمها المتلقي إلا من خلال هذا البوح الصامت الذي يخاطب العقل وليس السمع.

 إيقاعُ الصَّمْتِ وعلاقتُهُ بالقافيةِ

في الحديثِ عنْ الإيقاعِ دائماً ما يجري تحليلُ المحتوى الصوتيِ للنصوصِ الشعرية، سواءً كانتْ الأصواتُ نتاجَ النظامِ العروضيِ والقافيةِ أمْ التفعيلي، أمْ هيَ نتاجُ التكراراتِ الحروفية أمْ البناءُ التركيبي، في حينِ يقتصرُ الحديثُ في النصوصِ النثريةِ عنْ إيقاعِ التكراراتِ الحروفية والبناءِ التركيبي، ويتمَ إهمالُ القافيةِ بدعوى أنّ النصَ النثريَ ليسَ معنياً بالقافية. فهلْ حقا أنَ قصيدةَ النثرِ غيرِ مقفّاة؟

بدءاً لا بدَّ أنْ نعرفَ ما هوَ المقصودُ بالقافيةِ وفقَ رؤيةِ العروضيين. يقولُ أبو يعلى في كتابِ القوافي: "سمِّيَتْ القافيةُ قافيةً لكونها في آخرٍ البيتِ مأخوذةً منْ قولك: قفوتْ فلاناً، إذا تبعته. وقفا الرجلُ أثرَ الرجلِ إذا قصَّهُ. وقافيةُ الرأسِ مؤخّرُهُ"8. ومهما كانَ رأيُ العروضيينَ بنوعِ وشكلِ هذا الاقتفاء، سواءً كانَ تماثلياً أيْ بتكراراتِ حرفِ الرويِ ونسقيةِ حروفِ القافيةِ أمْ تتابعيةَ البناءِ على ما بنيَ عليهِ السابق. رغمَ أنّ المعنيينَ متداخلانِ أيضاً، ولكننا لوْ رجعنا إلى تعريفهمْ لوجدنا أقرب معنى لها هوَ مؤخرةُ البيت، بدلالةِ أنَ البيتَ الواحدَ يُطلقُ على الكلمةِ الأخيرةِ فيهِ أوْ بعضها قافية، سواءً تبعهُ بيتٌ آخرُ أمْ لمْ يتبعْهُ. وكمقاربةٍ للمعنى يمكنُ أنْ يكونَ ذلكَ محلَ الوقوفِ أوْ لحظةَ الصمتِ، وبناءً على ذلكَ يمكنُ لنا أنْ نَعُدَّ هذهِ اللحظةَ هيَ منْ مكمّلاتِ الإيقاعِ باعتبارِ أنَ العروضَ أوْ تفعيلاتهِ هما جزءٌ منْ الإيقاع، وهذهِ التفعيلاتُ تنبني منْ سكونٍ وحركةٍ، ووفقاً للفارابي فإنَ الإيقاعَ هوَ "النقلةُ على النغمِ في أزمنةٍ محدودةٍ المقاديرِ والنسبِ"9، وبما أنَ الصمتَ هوَ زمنٌ يمكنُ أنْ يحددَ بفترةٍ معينة، فهوَ إذنُ جزءٍ منْ الإيقاعِ أوْ هوَ إيقاعُ بحدِ ذاته، حيثُ تمثلُ لحظةَ الصمتِ في الموسيقى نقطةَ ربطِ بينَ النغمات، أوْ المقطوعاتِ وهيَ جزءٌ مكملٌ منْ أجزاءِ اللحنِ أوْ المعزوفة، ولكلِ لحظةِ صمت هناكَ زمنٌ محددٌ يتناسبُ معَ طولِ النغمةِ أوْ المقطوعة، ويدون كجزءٍ فاعلٍ في النوتةِ الموسيقيةِ بعلاماتٍ معينةٍ وفقاً لزمنِ الصمت، ومنْ هنا يمكنُ اعتبار لحظاتِ الوقفِ في النصِ هيَ إيقاع، وهوَ إيقاعٌ مؤثرٌ وجاذبٌ لانتباهِ المتلقي سواءٌ كانَ ذلكَ التلقي سمعياً أمْ (قرائياً).

وَبِمَا أَنَّ الْقَافِيَةَ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْإِيقَاعِ يَقِفُ عِنْدَهَا الْمُتَلَقِّي فِي الشِّعْرِ الْمَوْزُونِ الْمُقَفَّى، فَهِيَ فِي قَصِيدَةِ النَّثْرِ يُمْكِنُ أَنْ تُمَثِّلَ قَافِيَةً كَذَلِكَ، فَالْكَلِمَةُ الَّتِي يَقِفُ عِنْدَهَا الْقَارِئُ، أَوْ يَنْتَهِي بِهَا الشَّطْرُ فِي قَصِيدَةِ النَّثْرِ هِيَ بِمَثَابَةِ قَافِيَةٍ أَوْ قُلْ هِيَ الْقَافِيَةُ. وَالَّتِي سَتَقْفُو أَثَرَهَا الْأَشْطُرُ الْأُخْرَى. وَسَوَاءٌ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الْقَوَافِي مِنْ حَيْثُ حَرْفُ الرَّوِيِّ وَالْبُنْيَاتُ الَّتِي حَدَّدَهَا الْعَرُوضِيُّونَ وَالَّتِي أَجْمَلُوهَا بِخَمْسَةِ أَنْوَاعٍ هِيَ: (الْمُتَرَادِفُ وَالْمُتَوَاتِرُ وَالْمُتَدَارِكُ وَالْمُتَرَاكِبُ وَالْمُتَكَاوِسُ)، أَمْ اخْتَلَفَتْ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مَسَافَةَ الْوَقْفِ أَوْ الصَّمْتِ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْكَلِمَةَ، طَالَ أَمْ قَصُرَ فَإِنَّهُ يُشَكِّلُ بِنْيَةً إِيقَاعِيَّةً مُضَافَةً، وَهِيَ لَيْسَتْ خَاضِعَةً لِمُحَدِّدَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ صَوْتٌ نَغْمِيٌّ مَفْتُوحٌ يَتَحَكَّمُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ سَوَاءٌ كَانَ الشَّاعِرَ ذَاتَهُ أَمْ الْقَارِئَ. بِمَعْنَى أَنَّهُ فِعْلٌ إِيقَاعِيٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الشَّاعِرِ وَالْقَارِئِ، فَكِلَاهُمَا يَشْتَرِكُ فِي خَلْقِهِ وَصِنَاعَتِهِ وَإِيجَادِهِ وَتَحْدِيدِ فَتْرَتِهِ الزَّمَنِيَّةِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَاهِيَّةِ النَّصِّ الْمَقْرُوءِ أَوْ بِنْيَتِهِ التَّرْكِيبِيَّةِ.

 إِيقَاعُ الصَّمْتِ وَأَثَرُهُ الدِّلَالِيُّ

إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْإِيقَاعِ لَا يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ الْبُعْدَ الْإِيقَاعِيَّ أَوْ النَّغَمِيَّ فَحَسْبُ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَضَمَّنَ أَبْعَادًا دِلَالِيَّةً قَابِلَةً لِلِانْفِتَاحِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ، وَخَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي تَأْتِي فِي سِيَاقِ جُمَلٍ لَمْ تَكْتَمِلْ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَشْوِ الْبَيْتِ الْمَوْزُونِ أَمْ فِي نِهَايَتِهِ أَمْ فِي مُخْتَلَفِ سِيَاقِ الْبِنَاءِ الْجُمَلِيِّ لِقَصِيدَةِ النَّثْرِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ لِإِيقَاعِ الصَّمْتِ دَلَالَتَهُ مِثْلَمَا لِإِيقَاعِ الْكَلَامِ دَلَالَتَهُ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الدَّلَالَةَ تَبْقَى رَهِينَةَ السِّيَاقِ الْمُتَضَمِّنِ لَهَا، فَقَدْ يَحْمِلُ إِيقَاعُ الصَّمْتِ دَلَالَةً جَمَالِيَّةً، وَقَدْ يَحْمِلُ دَلَالَةً سِيمْيَائِيَّةً.

 تَمَثُّلَاتُ الدَّلَالَةِ الْجَمَالِيَّةِ لِإِيقَاعِ الصَّمْتِ

لَا شَكَّ أَنَّ فَنَّ الْإِلْقَاءِ هُوَ مِنْ أَحَدِ الرَّكَائِزِ الْمُهِمَّةِ فِي جَمَالِيَّةِ النَّصِّ، سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا (مِنْبَرِيًّا) أَمْ نَصًّا (تَأَمُّلِيًّا) إِنْ جَازَ التَّوْصِيفَانِ، رَغْمَ أَنَّ الْأَوَّلَ يَرْتَبِطُ بِالشَّاعِرِ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي إِلْقَاءِ النَّصِّ، بَيْنَمَا يَرْتَبِطُ الثَّانِي بِالْقَارِئِ، وَنَحْنُ هُنَا لَانَقْصِد بِالتَّوْصِيفَيْنِ مَا عُرِفَ لَدَى بَعْضِ النُّقَّادِ أَوْ الْمُهْتَمِّينَ أَوْ تَوَاطَأُوا عَلَى تَوْصِيفِهِ مِنْ أَنَّ (الشِّعْرَ الْعَمُودِيَّ) أَوْ الْمُلْتَزِمَ بِالْعرُوضِ (الْخَلِيلِيَّةِ) هُوَ مِنْبَرِيٌّ، بَيْنَمَا (الشِّعْرُ الْحُرُّ) وَقَصِيدَةُ النَّثْرِ هُمَا تَأَمُّلِيَّانِ، بَلْ نَقْصِدُ بِالْمِنْبَرِيِّ هُوَ ذَلِكَ الشِّعْرُ الَّذِي يُقَدَّمُ لِلْمُتَلَقِّي عَبْرَ مِنَصَّةِ الْإِلْقَاءِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّنْ يَقُومُ بِتِلْكَ الْعَمَلِيَّةِ، بَيْنَمَا يَكُونُ الشِّعْرُ تَأَمُّلِيًّا فِي لَحْظَةِ الْقِرَاءَةِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي تُتِيحُ لِلْمُتَلَقِّي التَّأَمُّلَ فِي الْمَعَانِي، وَالْإِحْسَاسَ الذَّاتِيَّ بِجَمَالِيَّاتِ الْإِيقَاعِ. إِنَّ عَمَلِيَّةَ إِلْقَاءِ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ تَتَطَلَّبُ مَهَارَاتٍ خَاصَّةً فِطْرِيَّةً أَوْ مُكْتَسَبَةً، تُسْهِمُ فِي إِضْفَاءِ جَمَالِيَّةٍ عَلَى النَّصِّ سَوَاءٌ مِنْ خِلَالِ نَبَرَاتِ الصَّوْتِ أَمْ مِنْ خِلَالِ الْإِيحَاءَاتِ التَّعْبِيرِيَّةِ، أَمْ مِنْ خِلَالِ ضَبْطِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَدِقَّةِ الْحَرَكَاتِ الْإِعْرَابِيَّةِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمُمَيِّزَاتِ تُشَكِّلُ مُكَمِّلًا إِيقَاعِيًّا يُضَافُ إِلَى تَمَثُّلَاتِ إِيقَاعِ النَّصِّ الْأُخْرَى بِمُخْتَلِفِ أَشْكَالِهَا. وَفِي عَمَلِيَّةِ الْإِلْقَاءِ تَحْدُثُ لَحَظَاتُ الصَّمْتِ الَّتِي يَصْنَعُهَا قَارِئُ النَّصِّ بَيْنَ فَقْرةٍ وأخرى أو بينَ بيتٍ وآخرَ، وَهَذِهِ الْوَقَفَاتُ أَوْ هَذَا الصَّمْتُ يَدْخُلُ كَجُزْءٍ مُكَمِّلٍ مِنْ أَجْزَاءِ النَّصِّ وَخَاصَّةً فِي جَانِبِهِ الْإِيقَاعِيِّ، مِثْلَمَا تَدْخُلُ لَحَظَاتُ الصَّمْتِ أَوْ السُّكُوتِ فِي الْمُوسِيقَى بَيْنَ نَغْمَةٍ وَأُخْرَى أَوْ مَقْطُوعَةٍ وَأُخْرَى، وَهِيَ بِذَلِكَ تُضْفِي عَلَى النَّصِّ مَسْحَةً جَمَالِيَّةً كُلَّمَا كَانَتْ لَحْظَةُ الصَّمْتِ تِلْكَ جَارِيَة فِي مَسَافَاتٍ زَمَنِيَّةٍ تَتَنَاسَبُ تَكَامُلِيًّا مَعَ لَحْظَةِ النُّطْقِ. أَوْ إِنَّ لَحْظَةَ الصَّمْتِ تِلْكَ تَأْتِي فِي سِيَاقِ الْعَجْزِ عَنْ التَّعْبِيرِ الصَّوْتِيِّ؛ بِسَبَبِ عَظَمَةِ الْمَوْقِفِ أَوْ الشُّعُورِ بِأَنَّ كُلَّ الْكَلَامِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ طُوفَانِ الْمَشَاعِرِ، أَوْ حَالَةِ الْإِعْجَابِ وَالتَّعَجُّبِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ؛ فَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ يُصْبِحُ الصَّمْتُ هُوَ الْحَالَةُ الْأَصْدَقَ تَعْبِيرًا عَنْهَا، وَالْأَكْثَرَ ضَبْطًا لِإِيقَاعِهَا. وَأَرَى أَنَّ خَيْرَ مَنْ وَصَفَ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ شِعْرِيًّا هُوَ نِزَارُ قَبَّانِي، إِذْ يَقُولُ عَنْ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَتَحَوَّلُ فِيهَا الصَّمْتُ إِلَى فِعْلٍ جَمَالِيٍّ:

وإذا وقفتُ أمام حُسْنِكِ صامتاً... فالصَّمْتُ في حَرَم الجَمَال.. جمالُ10

إِنَّ لَحْظَةَ الصَّمْتِ لَا تَدْخُلُ فِي نِهَايَةِ الْبَيْتِ أَوْ الْمَقْطَعِ الشِّعْرِيِّ فَحَسْب، بَلْ هِيَ تَدْخُلُ فِي الْمِسَاحَةِ بَيْنَ الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَةِ وَفِي الْبِنَاءِ التَّرْكِيبِيِّ لِلْكَلِمَةِ، إِذْ إنَّ لَحْظَةَ السُّكُونِ الَّتِي تَعْتَرِي النُّطْقَ فِي الْحَرْفِ السَّاكِنِ تُشَكِّلُ زَمَنًا إِيقَاعِيًّا يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَرَكَةِ وَالْحَرَكَةِ، وَيَمْنَحُهَا دَفْقًا جَمَالِيًّا يَجْعَلُهَا تَنْزِلُ فِي السَّمْعِ نُزُولًا مُوسِيقِيًّا مُحَمَّلًا بِدَلَالَةِ الْمَعْنَى.

 تمثلاتُ الدِلالَةِ السيميائيةِ لإيقاعِ الصَّمْت

يقول ألدوس هكسلي: إن "الصمت ليس فارغًا، الصمت مليء بالأجوبة"11. وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنْ الدَّلَائِلِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مُطَابَقَةَ مَقُولَةِ هِكْسِلِي هَذِهِ لِلْوَاقِعِ، فَلِلصَّمْتِ دَلَالَاتُهُ الْمُتَعَدِّدَةُ، وَالَّتِي تَخْتَلِفُ مِنْ حَالَةٍ لِأُخْرَى وَفْقًا لِسِيَاقَاتِ وُرُودِهِ وَكَيْفِيَّاتِهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّمْتُ بِصِفَتِهِ السِّيمْيَائِيَّةِ يَنْحَصِرُ حُضُورُهُ غَالِبًا فِي النُّصُوصِ الْحَدِيثَةِ نَثْرِيَّةً كَانَتْ أَمْ تَفْعِيلِيَّةً فَإِنَّهُ يَحْضُرُ أَيْضًا فِي النُّصُوصِ الْمُلْتَزِمَةِ بِنِظَامِ الشَّطْرَيْنِ وَخَاصَّةً فِي النُّصُوصِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي حَاوَلَتْ أَنْ تَسْتَثْمِرَ مِنْ سِمَاتِ وَتِقْنِيَّاتِ قَصِيدَةِ النَّثْرِ أوْ حَاوَلَتْ اتِّبَاعَ أُسْلُوبٍ جَدِيدٍ فِي كِتَابَةِ قَصِيدَةِ الشَّطْرَيْنِ.

وَهَذَا مَا نَجِدُهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ فِي هَذَا الْبَيْتِ لِلشَّاعِرِ نِزَارِ قَبَّانِي:
ممكنٌ أن نظلَّ بعدُ صديقين ... تفاءلْ.. ألم تزلْ في ارتيابكْ12

وَكَذلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ عارِفِ الساعدي:
لكنّهُ.. اخْتَلَطَتْ ألوانُنا فإذا ... هذا الرماديُّ لَيْلاً يَصْبَغُ الفُقَرا13

وَفِي كَثِيرٍ مِنْ النُّصُوصِ وَخَاصَّةً النُّصُوص الْحَدِيثَة نَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ قَطْعاً فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَقَدْ يَضَعُ الشَّاعِرُ نِقَاطًا دَلَالَةً عَن الْكَلَامِ الْمَحْذُوفِ أَوْ لَا يَضَعُ، وَهَذِهِ الآلِيَّةُ تَأْتِي لِأَغْرَاضٍ وَغَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَرَّةً تَجِيءُ لِإِشْرَاكِ الْمُتَلَقِّي فِي كِتَابَةِ النَّصِّ، مِنْ خِلَالِ افْتِرَاضِ التَّعَابِيرِ الَّتِي يَرَاهَا مُنَاسِبَةً وَفْقَ مُخَيِّلَتِهِ وَفَهْمِهِ لِلنَّصِّ لِمَلْءِ ذَلِكَ الْفَرَاغِ أَوْ حَالَةِ الصَّمْتِ تِلْكَ، وَمَرَّةً يَجِيءُ لِخَلْقِ نَوْعٍ مِنْ الْغُمُوضِ الْجَمَالِيِّ.

"إن مداخلة الصمت للكلام وإدراج سطور بيضاء في سطور ملأى بالعلامات قد أضفى على القصيدة تشكيلا جديداً صيّرها شبيهة باللوحة التي تتصرّف في الأشكال والمساحات والأوان، بقي أن نشير إلى أن لعبة الكلام والصمت والمراوحة بين الامتلاء والخواء قد وُظْفَت لاستبطان ذات المتكلم في القصيدة، ولتمعّنه في أوضاع الحياة التي تتكشف حيناً وتحتجب أحياناً"14.

وينقل الدكتور الجوة عن ميشيل بوجواز (Michel Pougeoise) من كتابه (قاموس الشعرية) قوله: "إن الشعر -مثله مثل الموسيقى- يعقدُ مع الصمت صلة مميزة، وهذا الصمت يُعدُّ جزءاً لا ينفصل عن الكلام بما أنّهُ يندرج في الحركة الإيقاعية للقصيدة ويكون داخلها أيضاً حركةَ تنفّس وحركةَ انتظار وتوقّف، وعلامةَ أمل أو انكسار وتأثّر وتساؤل وتفكّر أو تأمّل...[ويضيف] لقد خصص الشعر المعاصر للصمت مكانة عجيبة وأولاه المنزلة الرفيعة. وقد توصّل الشعر إلى تحقيق ذلك بطرائق عديدة في الكتابة وخاصّة ما كان منها مرئيّاً، وذلك من قبيل البياضات ورسم القصيدة على صفحة الورقة، والهوامش والتفنّنات الطباعيّة وتشظية النصّ وتقطيع أجزائه وغياب علامات الوقف أو الإكثار منها"15.

إِنَّ عَمَلِيَّةَ التَّلَاعُبِ بِنِظَامِ النَّصِّ، وَتَشْكِيلِهِ فِي بِنَاءٍ صُورِيٍّ تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمَسَافَاتُ الْفَاصِلَةُ، وَتَخْتَلِفُ فِيهِ مِسَاحَاتُ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ فِي تَشْكِيلٍ يَعْكِسُ حَالَاتِ الصَّمْتِ الَّتِي تَتَخَلَّلُ التَّدَفُّقَ الِانْسِيَابِيَّ لِلْكَلَامِ، لِتُشَكِّلَ بِذَلِكَ دَوَالَّ سِيمْيَائِيَّةً تَنْفَتِحُ عَلَى مِسَاحَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ التَّأْوِيلِ، هُوَ فِي الْوَاقِعِ إِضَافَةٌ تَتَغَلْغَلُ فِي أَعْمَاقِ النَّصِّ دَلَالِيًّا وَإِيقَاعِيًّا، وَلَيْسَتْ تَشْكِيلًا بَصَرِيًّا مَحْضًا يَتَعَلَّقُ فِي الْجَانِبِ الظَّاهِرِيِّ لِلنَّصِّ.

وَفِي هَذَا الْمَقْطَعِ لِلشَّاعِرِ عَدْنَانَ الصَّائِغِ نُمُوذَجًا لِمَا يَتَضَمَّنُهُ إِيقَاعُ الصَّمْتِ مِنْ مِسَاحَةٍ صَوْتِيَّةٍ وَدَلَالِيَّةٍ إِذْ يَقُولُ:
أيئنُّ النايُ
وهو بين شفتيكِ!؟
يا لي...
وأنا البعيدُ
16

وَيَبْدُو أَنَّ عَدْنَانَ الصَّائِغِ قَدْ بَنَى مَجْمُوعَتَهُ هَذِهِ عَلَى تِقْنِيَّةِ التَّشَظِّي إِذْ شَكَّلَتْ مِسَاحَاتُ الْفَرَاغَاتِ جَانِبًا كَبِيرًا وَمُهِمًّا فِي بِنَائِيَّةِ نُصُوصِ الْمَجْمُوعَةِ، كَمَا شَكَّلَ الْبِنَاءُ الْمِعْمَارِيُّ لِلشَّكْلِ الْخَارِجِيِّ لِلنُّصُوصِ صُورَةً صَادِمَةً عَبْرَ تِقْنِيَّاتِ التَّلَاعُبِ الْهَنْدَسِيِّ لِلْكِتَابَةِ؛ لِتَكُونَ فِعْلًا دَلَالِيًّا وَجَمَالِيًّا مُضَافًا.

 

خاتِمَةٌ:

وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ لِلصَّمْتِ أَثَرَهُ الْإِيقَاعِيَّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ عَبْرَ مَسَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَتَمَثّلُ تَارَةً فِي قَصْدِيَّةِ الشَّاعرِ في عَمَلِيَّةِ التَّشْكِيلِ الْبِنَائِيِّ لِلنَّصِّ الشِّعْرِيِّ، وَتَارَةً تَتَحَقَّقُ مِنْ خِلَالِ الْفِعْلِ الْقِرَائِيِّ، وَهُوَ فِعْلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الشَّاعِرِ وَالْمُتَلَقِّي، سَوَاءٌ عَبْرَ آلِيَّةِ الْقِرَاءَةِ أَمْ الِاسْتِمَاعِ، وَمِثْلَمَا لِإِيقَاعِ الصَّمْتِ دَلَالَتُهُ الْجَمَالِيَّةُ؛ فَإِنَّ لَهُ دَلَالَاتِهِ السِّيمْيَائِيَّةَ الَّتِي تُكْسِبُ النَّصَّ بُعْداً رَمْزِيًّا وَعُمْقًا رُؤْيَوِيًّا.

 


الهوامش: 1. النيسابوري نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1416، ج4، ص: 537.┋2. الجرجاني، الإمام عبد القاهر: دلائل الإعجاز في علم المعاني، صححه الشيخ محمد عبده والشيح محمد محمود الشنقيطي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1994م، ص: 106.┋3. آل عمران: 41.┋4. مريم: 26.┋5. القيرواني، أبو علي الحسن ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر ونقده، تح، محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط5، ج1،1981م، ص: 243.┋6. الجاحظ، أبو عثمان عمر بن بحر: البيان والتبيين، تح،عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7، 1998م، ج1، ص: 115 و116.┋7. الجاحظ، أبو عثمان عمر بن بحر: رسائل الجاحظ، تح، عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة1964م، ج1، ص: 113.┋8. عبد الله، القاضي ابو يعلى عبد الباقي: كتاب القوافي، ت، د. محمد عوني عبد الرءوف، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، مصر، ط2، 2003، ص: 63.┋9. كتاب الموسيقى الكبير/ أبو نصر الفارابي- تح-غطاس عبد الملك خشبة – ج2- دار الكاتب العربي للطباعة والنشر- القاهرة- ص: 435.┋10. قباني، نزار : الأعمال الشعرية الكاملة، منشورات نزار قباني، بيروت، لبنان، ج!، ص: 491.┋11. العبيدي، إبراهيم خزعل خليفة، إدراكيات فلسفة الصمت، ثقافية جريدة الصباح الجديد، 22/ 6/2020┋12. قباني، نزار: الأعمال الشعرية الكاملة، منشورات نزار قباني، بيروت، مج1، ص: 62.┋13. الساعدي، عارف: الأعمال اشعرية، سطور، بغداد، ط1،2018، ص: 81.┋14. أحمد، د. الجوة: سيميائية البياض والصمت في الشعر العربي الحديث، مجلة علامات، عدد،30، 2008، ص:124┋15. نفس المصدر، ص:123┋16. الصائغ عدنان: ومضاتك، لندن للطباعة ودار سطور، بغداد، 2024، ص: 27.
 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها