شعريةُ الخلقِ والإبداع.. في المشهد الشعري المغربي المعاصر

عبدالحَق وفـاق

شهِد الشعر المغربي الحديث في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين تياراتٍ فِكريةً وأدبيةً وتاريخية وثقافية مُهمة، أسهمَت في تطوّر وتَشكّل وعيٍ جديد بالممارسة الشعرية الإبداعية التي خلصته من الفقهية والنظم والاحتذاء، إلى الفاعلية والإبداع والمغايرة، والاحتفاء بالذات وبالعالم، وارتياد آفاق الكِتابة والإبداع والاستبصَار الفني والجمالي والموضوعاتي.
 

على هذا الأساس فالشعر فاعلية وفرادة وتميُّز وبحثٌ متواصل عن التجديد والاختلاف، هو "تجسيد وكشف معرفي، لا يقدر أن يحققه أي شكل آخر من أشكال المعرفة. فهو يُعانِق الكونَ وتجربة الإنسان فيه، ولا يُسقِط من المُغامرة الإنسانية شيئاً، عَكس الفلسفات التي تُدمن الفصلَ والتجزيءَ، وتُكسّر السّير في نَفقِ البُعدِ الواحِد، الذي هو بُعدٌ ضِد الشهوة المؤسسة للشعر"1.
وفق هذه الصورة التواقة إلى الكشف والتجديد والتجاوز والخلق، كان الشعر المغربي الحديث –وهو يستلهم التجربة المشرقية- يَعبُر جُسوراً إلى دهشة الإبداع والمُغايرة، والتعرف إلى الجديد والحديث، "احتواءً للتراث واستدعاءً للحداثة، وتوفيقًا بين عيُون القديم وما في الجديد من مـاء، واختصارًا للمسافة؛ لإنتاج شِعر دال على الذات في نَسَق جمعي، ومُحِيل على الجَـماعة في أسلُوب ذاتي، وإنهاء ارتباك تأتى من توافر ذوات في ذات، والنهوض بمهام عوض مهمة واحدة، بإرساء مقولة "الشاعر"، والزج بالشاعر العالم في قمطر العشرين وما قبلها"2.

حاول الشعر المغربي الحديث، أن يَرسُم لنفسه طريقاً للتحديث وتجاوز التقليدية، عبر الامتداد والاستمرار في التقاليد الشعرية التي وضعتها الفترات السابقة، والممارسات الشعرية والإبداعية السباقة.
لكن هذا لا يعني ضرورة مصارعة الإبداع المشرقي أو غيره؛ وإنما الإيمان بفكرة أن القصيدة الشعرية قادرة أن تُجدد آلياتها وأشكالها دون أن تتنكَّر لتقاليدها، ودون أن تلغي تراثها وأصالتها الفنية والإبداعية.

بهذا المعنى، كانت القصيدة المغربية الحديثة، بزعامة مجموعة من الشعراء المغاربة المبدعين أمثال: علال الفاسي، محمد بن براهيم، محمد المختار السوسي، عبدالملك البلغيثي، عبدالله كنون، المهدي الحجوي، إيذاناً بميلادِ نهضة إبداعية جديدة في الشعر المغربي الحديث، وإن كانت قصائدهم تستلهم نفَس مدرسة البعث والإحياء.

لم يَكن هذا الواقع الإبداعي الشعري الجديد يَخلو من صِراع نقدي بين اتجاهٍ مُجدِّد يرمي إلى تطوير الحركة الشعرية وإغناء تجربتها، في ضوء المفهوم الجديد للشّعر والتصورات التي عَمل الشعراء على إذاعتها في قصائدهم الشعرية، واتجاه تقليدي مُحافِظ يدعو إلى البقاء على تقاليد اللغة والبناء الشعريين، وأصالة القصيدة العربية. إلا أن هذا الصراع النقدي، كان يرجَّح إلى كفة أنصار المُجدِّدين بحُكم نشاطِهم النقدي ونجاعة تصوراتهم في ضوء المفاهيم الجديدة التي آمنوا بها وشرعوا في نشرها وترسيخها، مؤكدين أهمية رسالة الشعر، ورفضهم التقاليد الشعرية القديمة.

إن نَجـَاح هذه الفترة في إرساء وترويج مفاهيم شعرية جديدة من قبيل: الخيال الشعري، الإبداع، الذات الشاعرة، الجماعة... يُنسِبه أحمد الطريسي أعراب إلى الرغبة "في تغييب المفاهيم القاصرة التي كانت تسود الفترات السابقة، وفي الكشف عن بعض التطور الذي حدث لمفهوم الشعر. ويَعود الفضل في ذلك إلى نُقاد هذه المرحلة، الذين بدأوا يفهمون أن الشعر الحق، هو الذي يعبر عن ذات الفرد، وذات الجماعة، في آن واحد. فلا بد للشعر أن يكون صورةً صادقةً عن خلجاتِ النفس، وصورة تعكس أحلام الناس، وتستلهم موضوعاتها من الكون والطبيعة"3.

يظهر الموقف النقدي الجديد الداعي إلى التحديث وتجاوز التقليدية جلياً في نقود محمد بن عباس القباج، عبدالله كنون، عبدالله إبراهيم، عبدالسلام العلوي، أحمد زياد، وعبد العالي الوزاني، وبعض المقالات النقدية للشعراء أيضاً كعبدالمجيد بنجلون في (محنة الشعر). ولعل هؤلاء، كان إجماعهم حاصلاً رفقة ثلة أخرى من الشعراء الذاتيين، على أن "التقليد" في الشعر ممارسة تحول دون الرقي بالقصيدة المغربية، وفتحها على آفاق التطور والتجديد والوجدانية التي باتت معروفة بين الشعراء الذي تفاعلوا بغزارة مع تيارات الاتجاه الرومانسي في المشرق.
وبعد أن تم التعرف إلى التيارات الذاتية المجددة من قبيل "آبولو" و"الديوان"، و"الرابطة القلمية"، وُلد جيل جديد من الشعراء سرعان ما عمل على خلق حركة شعرية جديدة في موضوعاتها وأساليبها الفنية، وكان من أهم شعرائه: عبدالقادر حسن العاصمي، عبدالكريم بن ثابت، مصطفى المعداوي، عبدالمجيد بنجلون، علال بن الهاشمي الفيلالي، المدني الحمراوي، ومحمد الحلوي، إدريس الجاي، عبدالكريم الطبال، المدني الحمراوي... على اختلاف مستويات حضورهم ودرجة اقترابهم من المذهب الرومانسي أو الواقعي، وإن أجمعوا على التخلص من تقاليد القدماء ومحاكاتهم، وضرورة التزام الصدق في التجربة والتصوير الفني من الذات إلى الواقع. فكان مفهوم هؤلاء الشعراء للشعر ووعيهم بوظيفته يتطور بتأثير التصورات والرؤى التي عرفها المغرب، منذ بداية القرن العشرين، إلى بداية الستينيات من هذا القرن، وقد تم ذلك من خلال تطور وعي الإنسان المغربي بفضل التقدم الاجتماعي والثقافي والأدبي4.

إن القصيدة المغربية الحديثة وهي تراهِن على المُغايرة والتجديد، لم تَكُن من وجهة نظر النقد التَّجديدي تدعو إلى تكسيرِ عمود الشعر العربي، أو تجاوز تقاليد القدماء. يقول أحمد زياد: "إن الشعر الذي نُرحِّبُ به ونقبله ونقرأه مُعجَبين، وأنفنا في التراب هو الشعر الذي تنتابُه عوامل التجديد في نطاق أصول الشعر العربي، وما عداه هوس، ولم تتقدم الآداب وتتجدد إلا يوم تغلب فيه عنصر الجد على عنصر المهووسين"5.

إذا كانت دعوة أحمد زياد إلى التجديد في القصيدة العربية من داخِلها، دون الخروج عن إطارها العربي التقليدي، فإن عبدالمجيد بنجلون يرى العكس تماماً، فيعتبر أن في الحِفاظ على هذه الأصول التقليدية، حَجب للتجديد وتطويق للإبداع والتحديث في قوله: "أما جناية الشعر العربي على نفسه في العصر الحديث فربما كانت أكبر؛ لأنه ظل شديد الاتصال بالشعر العربي القديم في موضوعاته ولغته وأسلوبه. ولم يستطع أن يستفيدَ من الشعر الأوروبي الحديث استفادة قوية كما حصل في الفنون الأخرى، أي أن الحَيَاة تطورت خلال ألف سنة تطوراً كبيراً دون أن يتزحْزَحَ الشعر العربي عن مكانته إلا قليلاً.. ولستُ أريد أن أنكر مجهودات شوقي ومطران والعقاد والمازني، والشابي وعلي طه وغيرهم؛ فإن مجهوداتهم كبيرة حقاً إذا قيسَت بهذه المثبّطات. ولكن الذي أريد أن أنكِره هو عدَم مُسايرة الشعر العربي للتطور فهو لم يفتح آفاقاً جديدة بمعنى الكلمة"6.

بين صرامة أحمد زياد النّقدية، وهو الذي لا ينظُر إلى أي تجديد خارج أصول الشعري العربي وعموده الشعري، وبين دعوة بنجلون الصريحة التي يرى من خلالها، أن محنة الشعر العربي تكمن في ارتباطه الشديد بالشعر العربي القديم، وببنائه الفني واللغوي والأسلوبي. نجد بين الرأيين دعوة إلى التجديد، هذه الدعوة هي وعيٌ جديد بالمغايرة والاختلاف، بحيث كانت فكرة حثيثة للخروج بالقصيدة المغربية الحديثة من دائرة التقليدِ والمحاكاة إلى التحديث والبحث عن مضامين وصور شعرية جديدة، تتجاوز الإطار العربي القديم إلى رؤية إبداعية وشكلية مغايرة.

هذه الرؤية الإبداعية الجديدة نُظر من خلالها إلى الشعر المغربي ليس باعتباره شكلاً متناظراً أو وزناً فحسب؛ وإنما باعتباره دفقة من الخيال والجمال اللذين يكسبان القصيدة إبداعاً وصدقاً، وانسجاماً غير معهود في مفهومها الأول المنغلق عن كل إبداع أو تحديث. وعبر هذا المفهوم الجديد، أصبحت القصيدة كلاً منسجماً، يَتحـِد فيه الخيالي بالإيقاعي والحقيقي بالذاتي.


هوامش: 1. أحمد بلحاج آية وارهام، الشعر العربي المعاصر في المغرب، رهاناته ومنطقة تلاقي أشكاله، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2010، ص: 15. | 2. مصطفى الشليح، في بلاغة القصيدة المغربية، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى 1999، ص: 82. | 3. أحمد الطريسي أعراب، الشعر المغربي الحديث والمعاصر بين مفهومي الاستمرارية والقطيعة، مجلة دعوة الحق، السنة السابعة والثلاثون، العدد 303، الرباط 1994. | 4. أحمد الطريسي أعراب، الشعر المغربي الحديث والمعاصر بين مفهومي الاستمرارية والقطيعة، مجلة دعوة الحق، السنة السابعة والثلاثون، العدد 303، الرباط 1994. | 5. أحمد زياد، رسالة المغرب،29-12 شتنبر 1949، ص: 6، نقلا عن مصطفى الشليح، في بلاغة القصيدة المغربية، ص: 84. | 6. عبدالمجيد بنجلون، محنة الشعر، رسالة المغرب، العدد 34، 2 يناير 1950.
 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها