أخبروهم أنها هنا.. والبحث عن مَلكات مليحة!

هاني القط


يتحرك كتاب الشيخة بدور القاسمي «أخبروهم أنها هنا» على أكثر من طبقة في آن واحد. هو كتاب عن الأرض، والذاكرة، وعن النساء اللواتي مَررن وتركْن أثرهن في الحجر واللغة والعملات، ثم غاب ذكرهن تحت ركام من النسيان. ويمضي وراء خيط يصل المكان بسيرة شخصية، فيجعل البحث عن الملكات بحثاً عن الذات أيضاً.


قيمة هذا الكتاب أنه يدخل إلى التاريخ من باب الإصغاء. الوقائع الأثرية حاضرة فيه، وتصل إلى القارئ عبر رحلة تمتزج فيها القراءة بالتأمل والمناجاة. ومن هنا تمضي سردية الكتاب في مسار يتكوَّن فيه الوعي، وتنكشف فيه الصلة بين المكان وصاحبه على مهل.


الجبل والبداية

تبدأ الرحلة بعيدًا من مليحة، على قمة كليمنجارو. ومن هناك تتشكل النبرة التي سيُكتب بها الكتاب كله. فالصعود هنا يصير امتحانًا للنفس، وتخففًا من أثقال قديمة، وتدرجًا نحو صفاء يجعل السمع أرهف والبصيرة أهدأ.

في هذا الكتاب يخرج الجبل من كونه مكانًا إلى كونه حالة تترك أثرًا في داخل سالكه. القمة عند الوصول إليها، تمنح انتصارًا وتهيئ صاحبها لتلقي ما سيأتي لاحقًا من إشارات. وقد احتاجت الكاتبة إلى هذا الصعود لكي تدخل إلى أرضها بعين أخرى، وتعود إلى الشارقة أقرب إلى سماع النداء المدفون في الرمل.

نداء كلباء

بعد كليمنجارو، تهبط الرحلة إلى جبال كلباء. هنا يبطؤ الزمن، ويصبح المشهد أكثر قرباً من جوهر الكتاب. فالأرض هنا خلفية طبيعية وطرف حاضر في الحدث معًا. وبينما تتقدم الكاتبة في تضاريس المكان، ينكشف لها قبر دائري مهيب، وعندها يرتفع في داخلها الصوت الذي سيمنح الكتاب عنوانه وجرسه كله: «أخبروهم أنها هنا».

في هذه اللحظة يتغير مسار النص. ما كان رحلة بحث يتحول إلى نداء. وما كان مراقبة للمكان يصبح تكليفًا داخليًا بالقول والكشف والرد إلى الذاكرة. وتختصر العبارة التي بُني عليها العنوان جوهر المشروع كله، إذْ تشير إلى تاريخ نسائي غُيِّب طويلًا، وقد آن أوان الإشارة إليه وردِّه إلى موضعه.

الأفعى والتحول

من المشاهد اللافتة في الكتاب حادثة الأفعى السوداء التي ظهرت تحت المقعد الحجري الذي جلست عليه الكاتبة. والمشهد هنا يؤدي دورًا يتجاوز عنصر المفاجأة؛ لأنه يدخل مباشرة في خط التحول الذي يسري في الكتاب كله. فالأفعى تظهر في لحظة تأمل، وفي موضع يبدو بين الاكتشاف الأثري والانكشاف النفسي، فيأخذ المشهد مكانه داخل البناء الرمزي للكتاب، من غير افتعال.

ما يهم في هذه الصفحات هو الطريقة التي تستقبل بها الكاتبة الإشارة. فهي تربطها بمسار أوسع في الكتاب، يبدأ بمواجهة ما دُفن طويلًا، والتهيؤ لمعرفة لا تأتي إلا بعد أن يتخلى المرء عن طبقاته الزائدة. من هنا يضيء هذا المشهد طبيعة الكتاب نفسه، حيث تتجاور الأركيولوجيا مع التحول الداخلي في نسيج واحد.

مليحة والفراغ

يمثل هذا الفصل واحدًا من أكثر مفاصل الكتاب إثارة، ففي وقوفه أمام قبور مليحة الفارغة ينجح في تحويل الغياب إلى مادة تأمل وقراءة. القبور موجودة، بهيئة دقيقة وثراء ظاهر، لكن الرفات غائبة. وهذا الفراغ يفتح أسئلة عن المحو، والذاكرة، وعن النساء اللواتي ربما مررن من هنا ثم ابتلعتهن الروايات الأكبر.

في هذا الموضع تحديدًا تظهر براعة الكتاب، إذْ يفسح للصمت أن يقول ما يعجز الحجر عن قوله. فمليحة هنا تتكشف في ما بقي منها، وفي ما غاب عنها. وهذا ما يمنح الكتاب نبرته الخاصة.

أبيئيل والعملات

إذا كانت القبور الفارغة قد فتحت باب الأسئلة، فإن العملات القديمة هي التي منحت الكتاب أحد أجوبته الأشد وضوحًا. عند اسم «أبيئيل» يبدأ مسار آخر في القراءة، أكثر التصاقًا بالدليل اللغوي والنقشي. وتأتي أهمية هذا المنعطف من أنه ينقل حضور المرأة من الظن إلى الأثر المادي المباشر. فالأسماء المنقوشة على العملات تدفع القراءة إلى إعادة النظر في تاريخ الحكم والسلطة في هذه المنطقة.

وهنا يبلغ الكتاب أحد أقوى فصوله. فوجود أكثر من ملكة حاكمة في مليحة يبدل صورة شائعة عن تاريخ الجزيرة العربية، ويُعيد ترتيب العلاقة بين المرأة والسلطة والتمثيل السياسي. وبذلك يخرج النص من التأمل الشخصي إلى كشف تاريخي له وزنه، من غير أن يفقد نبرته الأدبية.

مجلس الأمهات

يبلغ الكتاب ذروة حساسيته في الفصل المتصل بمجلس الأمهات، حيث تتداخل الذاكرة العائلية بالتاريخ، فيتحوّل الماضي إلى حضور شخصي لا يمكن عزله عن الكاتبة نفسها. في هذا الفصل يصبح التاريخ قريبًا من الجسد ومن الوثيقة معًا. وهنا تستدعي الكاتبة الجدات لتشير إلى أن استعادة التاريخ قد تبدأ من السلالة، ومن السؤال الذي يطرحه الجسد حين يعجز عن حمل الصمت طويلًا. لذلك تأتي صفحات هذا الفصل شديدة التأثير؛ لأنها ترد البحث التاريخي إلى بعده الإنساني المباشر..

الملكات المنسيات

لا يقف الكتاب عند مليحة وحدها. فاستعادة «أبيئيل» تدفعه إلى توسيع الدائرة، فتحضر ملكات أخريات مثل بلقيس، وماوية، وزنوبيا. وبهذا التنوع توضع ملكات مليحة داخل أفق أوسع، يبين أن حضور المرأة في التاريخ العربي القديم لم يكن هامشيًا أو عابرًا.

ويحافظ الكتاب أيضًا على خيطه الأساس، فيظل وفيًا لسؤاله الأول: كيف نرى ما ضاع؟ وكيف نستعيد الأسماء التي سقطت من الذاكرة العامة؟ ولهذا تحضر تلك الملكات بوصفهن شواهد تقوي حجة الكتاب، وتمنحه عمقًا تاريخيًا يساند نبرته الوجدانية.

لغة الصحراء

في الفصول التي تتصل بالخيل والصقارة والرماية، يتقدم الكتاب نحو فهم المكان من داخله. فهذه الفنون تفتح بابًا إلى روح الصحراء، وإلى الطريقة التي عاش بها الأسلاف علاقتهم اليومية بالأرض والحيوان والريح والاتجاهات. وتدخل بنا الكاتبة إلى تلك الأجواء لنتعلّم كيف تنظر الأرض إلى أهلها، وكيف عاش الأسلاف في صلة يومية بالحيوان والريح والاتجاهات والفراغ.

وتمنح هذه الفصول القارئ إحساسًا بأن الصحراء تحتاج إلى جسد يخوض التجربة، وإلى نفس تتأدب بإيقاع المكان. لذلك تبدو صفحات هذه الفصول امتدادًا طبيعيًا للكتاب كله؛ لأنها توصل التاريخ بالممارسة، والمعرفة بالخبرة المعاشة.

اعتراف اليونسكو

من اللحظات الحاسمة في الكتاب مشهد تسجيل موقع الفاية في قائمة التراث العالمي في اليونسكو. هنا التقى الشخصي بالعام على نحو مؤثر. فما ظل محفوظًا في الأرض، وما ظل ينتظر من ينطق به، يجد لحظة اعتراف علني أمام العالم. ولهذا تبدو دموع الكاتبة في هذا الموضع مفهومة تمامًا؛ فهي لحظة رد اعتبار متأخر لذاكرة طويلة.

وتتسع دلالة هذا الفصل مع خروج الأرض من حدود السر المحلي إلى سجل الذاكرة العالمية. وهنا يكتسب الكتاب بعدًا آخر، إذْ يكتب عن الماضي بوصفه طاقة حاضرة تنتظر الاعتراف، وتقاوم التبدد كلما وجدت من يصغي إليها.
 

الملكة في الداخل

ينتهي الكتاب إلى خلاصة تمس جوهره كله، ألا وهي البحث عن ملكات مليحة، وقد قاد ذلك البحث الكاتبة في النهاية إلى سؤال المرأة الكامنة في داخلها. وتأتي هذه الخاتمة ثمرة طبيعية للمسار كله. فمنذ البداية، كان واضحًا أن الكتاب يستعيد أسماء هؤلاء النساء، ويتحسس ما توقظه في وعي امرأة معاصرة تحاول أن تفهم أرضها ونفسها معًا.

لهذا يترك كتاب «أخبروهم أنها هنا» أثره بوصفه كتابًا يعيد الصوت إلى من سكت عنهن التاريخ طويلًا. وهو يمضي إلى ذلك عبر مسار شخصي يجعل البحث عن الغائبات طريقًا إلى فهم الحاضر نفسه.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها