بدت رحلة هاني شاكر (21-ديسمبر- 1992/ 3-مايو-2026) مع الغناء منذ أغنيته الأولى، "حلوة يا دنيا" التي قدمه فيها الموسيقار محمد الموجي في العام 1972 حتى رحيله هي "حكاية كل عاشق" كعنوان إحدى أغنياته الشهيرة، والذي كان عنوانًا لشريط/ ألبوم لحنه بالكامل الموسيقار محمد سلطان. بمعنى أنَّ كل عاشق يمكن أن يجد حكايته بفصولها الدقيقة وتحولاتها أيًّا كانت في أغاني هاني شاكر التي مثَّلت برهافة وتنوع بالغ لكافة أحوال العشق وعبَّرت بثراء موضوعاتي عن مختلف مواقف الحب وحالاته. فكما اتسم صوت هاني شاكر بطاقاته الرحبة وقدراته غير المحدودة على الغناء من مختلف المقامات وأيضًا الانتقال السلس بين الطبقات بتمكُّن بالغ ومرونة فائقة- قدَّم شاكر من خلال أغانيه فصول العشق المتنوعة بكافة تقلُّباته لتمسي أغنياته هي بالفعل "حكاية كل عاشق". حافظ هاني شاكر على حضوره القوي ووجوده المؤثر مع تغيُّر موجات الغناء وتحولات ذائقة التلقي على امتداد أكثر من نصف قرن، والبادي بقوة وبوضوح أنَّ أعماله أمست أيقونات فنية وعلامات بصمودها في الزمن.
بشارة بالدفء تتحدى الشتاء
منذ انطلاقته الأولى لعبت الأقدار دورًا مهمًا في الإعلان عن نجم متوهج وصوت سيكون علامة فارقة في تاريخ الغناء، حيث يوم عيد ميلاده العشرين في 21 ديسمبر 1972 سيشارك الصوت الجديد هاني شاكر بحفلة في سينما "ريفولي" مع فايزة أحمد. وإذا كان يوم 21 ديسمبر هو بداية فصل الشتاء فإنَّ صوت هاني شاكر الفتى قد حمل عبر كلمات الأغنية التي كانت من تأليف فتحي الغندور وعدًا بأن يكون الغناء من أجل الدفء والفرح والصفاء وبالطبع الحب، فيقول في قرار الأغنية:
(للكلمة الدافية هانغني/ للضحكة الصافية هانغني/ للفرحة الجاية هانغني/ لليالي هنية هنغني)
فكانت الأغنية بشارة بالدفء في مطلع الشتاء وكأنَّ صوت صاحبها يتحدى برودته بغنائه وبكلمته المُشبَعة بالدفء، وإحساسه المتقد حرارة، مثلما حمل كوبلية الأغنية إعلانًا بأسباب مجيء صاحبها:
جينا للفجر اللي هينوَّر حياتنا لليالي
لليالي تعوَّض العمر اللي فاتنا للأماني
للأماني للأغاني للهنا اللي ملهوش تاني.
بدا أنَّ صاحب الأغنية الذي يستوعب الجماعة معه عبر ضمير المتكلم الجمعي ليقدِّم نفسه باعتباره مغني الجماعة على الرغم من تأكيده لفرديته في بعض المقاطع بضمير المتكلِّم الفردي (الأنا)- في موعد مع الفجر الذي يعني إشراقًا لعهد جديد وميلادًا جديدًا، وفي نفس الوقت يضرب موعدًا مع ليالٍ واعدة بتعويض ما فات من العمر، وكأنَّها رسالة تراهن على مستقبل زاهٍ وزاهر ووعد أيضًا بترميم ماضٍ لم يكن مواتيًا وتعويض خساراته، والبادي أنَّ لحن محمد الموجي البارع قد عمل على تشكيل تدوير بإلحاق الكلمة الأولى في السطر الثاني من هذا المقطع (لليالي) بآخر السطر الأول، والكلمة الأولى في السطر الثالث في آخر السطر الثاني (للأماني)، مع تكرار الكلمتين أيضًا في مستهل السطرين الثاني والثالث، فبدا أنَّ أصل السطرين الأول والثاني هو: (جينا للفجر اللي هينوَّر حياتنا/ لليالي تعوَّض العمر اللي فاتنا)، فعمل هذا التدوير على جعل هذا المقطع كأنَّه جملة واحدة طويلة تتمدَّد مفصليًّا عبر هاتين الكلمتين المكرورتين (لليالي/ للأماني) اللتين أمسيتا تلعبان دور الجسر الذي يعبر عليه صاحب هذا الإعلان نحو عهد جديد، تجسيدًا لطاقة فتية عبَّر عنها وجسَّدها صوت هاني شاكر وأداؤه بعزم واقتدار وبحة شجية كأنَّها غلالة للكلمات التي يؤديها بإحساس عذب.
وكما أحسن لحن الموجي في تمثيل كلمات الأغنية استثمارًا لخامة صوت هاني شاكر الذي يجمع بين سمات القوة والحدة والنعومة والدفء في آن، فقد بدا إصراره على المحافظة على هُوية مدرسة محمد الموجي التلحينية عبر هذه الأغنية، فبينما اكتسحت الآلات الكهربائية الحديثة كالأورج والجيتار الكهربائي ليكون حضورها بشكل لافت في ألحان تلك الحقبة من منتصف الستنيات وعقد السبعينيات، كما بدا في إدخال محمد عبد الوهاب الجيتار الكهربائي شريكًا مع الوتريات في مقدمة لقاء السحاب مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم في "أنت عمري" في العام 1964، ثم كان الاستحواذ الطاغي لهذه الآلات وبخاصة في مقدمات الأغاني، كما في مقدمة بليغ حمدي في لحنه لأغنية "موعود" لعبد الحليم حافظ في العام 1971- يصر محمد الموجي في لحنه لهاني شاكر في أغنية "حلوة يا دنيا" على أن يكتفي بالجيتار الكهربائي في أداء الجملة اللحنية الأولى بصولو جيتار في مقدمة الأغنية، ثم ينتقل عبر جسر الإيقاع مُفسِحًا المجال إلى الآلات الوترية وبخاصة الكمان لأداء هذه الجملة اللحنية الأولى وإعادتها وتكملتها والإضافة إليها، في توازن محسوب بين الوتريات التي كان لها البطولة الأولى في أداء الجمل الموسيقية والآلات الكهربائية التي طعّم بها ولو بنسبة يسيرة أداء جمله اللحنية، محقِّقًا المعادلة الصعبة بالمحافظة على المكوِّن الكلاسيكي الرّصين عمودًا فقريًا في لحنه مع تطعيمه بلمسات حداثية متطوِّرة.
المراوحة في برزخ العلوق العاطفي
قبل هاني شاكر كانت الأغاني المنتمية إلى تيار الطرب الكلاسيكي -كما في تجربتي عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ- تكاد تدور في فلك ثنائية قطبية تقابلية بالغة الحدية؛ إما أن يتغنى العاشق بعشقه الملتهب لمحبوبه، وما قد يتخلله من لوعات الشوق ودعوة المعشوق إلى تلبية نداءات الحب وأن يرحمه من لهيب عشق، أو أنَّه يهجو من أحبه لغدره به وخيانته لما كان بينهما من عهود الهوى، فجاء هاني شاكر ليعمل بوعي وبذكاء وبصبر -فيما يشبه ما يمكن وصفه بعبقرية النمل في البناء- على ملء الفراغات وسد الثقوب ورتق الفجوات التي كانت في المنطقة الوسطى البينية بين هذين الحدين المتقابلين بالغناء لكل الحالات القائمة والاحتمالات الممكنة بين هذين الخطين المتقابلين. وفي والوقت نفسه عزَّز هاني شاكر بعشرات الأغنيات المميزة من رصيد الأغنية في تيمتي العشق والهجران الأساسيتين في الأغنية العربية، فكان هاني شاكر هو المطرب الذي ملأ بأغنياته ذلك البرزخَ البيني، فضاء العلاقات العالقة والتأرجُح المصيري ولم يتخل أيضًا عن الضفتين، ضفتي ثنائية جنة الحب والوصال أو يَباب البين والانفصال، فعمَّر هاني شاكر ذلك البرزخَ الذي كان مهجورًا قبله والضفتين التين هما مدارا الأغنية الكلاسيكية بمئات الأغنيات في رحلة فنية تجاوزت زمنًا النصف قرن، بصبر بنَّاء وبراعة مقتدرة ووعي فني دؤوب ورهافة جمالية.
من المواضع البينية في علاقات الحب التي أضاف فيها هاني شاكر عددًا كبيرًا من الأغنيات، هي ما يمكن تسميته بحالة العلوق العاطفي بين الحبيبين عندما تكون العلاقة بينهما على شفا الانفصال والبين، عندما يراهن المحب على احتمال الفرصة الأخيرة والأمل الأخير، كما في أغنية حققت نجاحًا كبيرًا وبقاءً قويًّا واستمرًا في الزمن لما يناهز الخمسة والأربعين عامًا منذ إصدارها حتى الآن، هي أغنية "مشتريكي ماتبعيش" التي غناها في مطلع الثمانينيات، من كلمات صلاح فايز وألحان الموسيقار محمد سلطان، حيث كانت بمثابة رسالة من سلطان لفايزة قبل انفصالهما، حيث بدا أنَّ رهان المحب على رصيد المشاعر والذكريات التي ربطته بالمحبوبة قد تجاوز خطاب الكبرياء الرجولي التقليدي والتعالي الذكوري المعتاد، حينما يقول في الكوبليه الأول من الأغنية:
(أحلى عمري يا حبيبتي/ واللي فاضل ليكي إنتي/ والهوى يحرم عليا/ بعد منك مهما غبتي)
(والثواني والدقايق والساعات/ والليالي والآمال والذكريات/ كلها سهرانة جنبي بتناديكي/ تسمعي دقتها تفتكري اللي فات)
(مين عليكي قلبه باقي/ إلا أنا/ حضن دافي فين تلاقي/ غير هنا/ مـ انتي جربتي فراقي/ كام سنة/ إنتي إيه ما بتتعبيش).
لا يقابل المحب هجران حبيبته بالوعيد كما هو غالب في الأغنية العربية؛ إذْ يبادر المحب بإعلان تمسُّكه القوي بحبيبته وبتحريمه قطعيًّا إمكانية تبادل الهوى مع غيرها رغم غيابها، وهو ما يمثِّل خروجًا واضحًا على النموذج الجاهز للرجل الشرقي في الأغنية العربية، نجد تحولاً جذريًا في "الأنا" الذكورية الغنائية، فبينما اعتادت الأغنية العربية الكلاسيكية على صورة المحب العزيز أو "المكابر" يحل محلها الحبيب الذي يفاوض محبوبته على البقاء معه أو العودة إليه، ويعمل العطف في المقطع الثاني من هذا الكوبليه كما في (والثواني والدقايق والساعات/ والليالي والآمال والذكريات) على هندسة الإيقاع النفسي للذات وتجسيد وقع الوقت عليها في غياب الحبيبة، لتبدو تجسيدًا لزمن الانتظار القاسي الذي يعيشه المحب العالق والمتأرجح المصير، ويأتي التصعيد الوحداتي للزمن من الوحدة الأصغر للأكبر في (والثواني والدقايق والساعات) تشديدًا لمحاصرة المحب لمحبوبته بمشاعره المتصاعدة بتصاعد الزمن، كما عبَّر لحن سلطان وأداء هاني شاكر لحروف المد في هذه الكلمات بإطالتها وتمديد نطقها على تجسيد شعور الذات بتطاول الزمن من ناحية، والمراهنة القوية على "الآمال" التي تمثِّل رجاء الحاضر في المستقبل و"الذكريات" التي تمثِّل مخزون الماضي ورصيد العواطف في العلاقة بين الحبيبين. ويأتي التساؤل: (إنتي إيه ما بتتعبيش) محمَّلاً بالدهشة والتعجب من موقف المحبوبة من ناحية ومؤكدًا على قناعة الحبيب التي هي منطلق رجائه ورهانه بأنَّ احتياج المحبوبة لحضنه ودفئه العاطفي، وأن يكون الافتراق قد أضناها مثلما أضنى المحب هو ما يمكن أن يدفعها للعدول عن موقفها المعاند لطبيعة الحب. فتقف كثير من أغنيات هاني شاكر أو بالأحرى تراوح في هذه المنطقة البرزخية بين التلاقي أو الافتراق، استمرار العلاقة بين المحبين أو الانفصال التام.
وكما في أغنية "مشتريكي" سنجد في بعض أغنيات هاني شاكر ذلك الخيط الرفيع في العلاقة بين المحب ومحبوبته بين البقاء أو الارتحال، الاستئناف أو القطيعة، لتقف في ذلك البرزخ العاطفي وحالة علوق مصائري، كما في أغنية "ما تهدديش" التي غناها هاني شاكر في العام 1992 في ألبوم كله يهون، من كلمات عماد حسن وتلحين وتوزيع محمد ضياء الدين:
(ماتتهدديش بالانسحاب/ من حياتي والغياب/ ماتهدديش قلبي اللي حبِّك/ بالألم وبالعذاب)
(إن كنتي بحر أنا السحاب/ إن كنتي حرف أنا الكتاب/ إن كنتي قادرة ما ترجعيش.. ما ترجعيش)
(شمس بكره مش عينيكي/ بكره من غيرك وبيكي/ زي ما أنا محتاج وجودك/ محتاجاني ماتنكريش)
(كوني فرح لعمري كله/ كوني نور قلبي وضله/ كوني شمسي ماتغربيش)
(حبك إنتي مش نهاية/ دانتي جزء من الحكاية/ أيوه دخلتك حياتي/ وأقدر أنساكي وأعيش)
وكما في "مشتريكي"، نجد أنَّ المحب في "ما تهدديش" يمارس لعبة "الشد والجذب"، هو يشتري الود لكنَّه لا يبيع الكرامة. صحيح أنَّه يصعِّد من حالة الصدامية مع المحبوبة/ الآخر أكثر من النموذج السابق في أغنية "مشتريكي"، غير أنَّه ما يزال مبقيًا على ذلك الخيط الرفيع لإمكانية العودة، وإن كانت مشروطة بأن يعرف الآخر/ الحبيبة قدر المحب ويقدِّر قيمته، وإذا كانت أغنية "مشتريكي" قد بدأت بإعلان المحب تمسكه بحبيبته، فإنَّ أغنية "ماتهدديش" تبدأ بحدة قاطعة بوضع المحب أول شروط التفاهم والعودة إلى حضن الحب، فتبدأ الأغنية بفعل نهي "ما تهدديش"، وهو فعل يفترض وجود قوة لدى الآخر، لكن سرعان ما يلبث المحب أن يذكِّر الآخر بما لديه من قوة تفوقه كما في الاستعارة المركَّبة (إن كنتي بحر أنا السحاب)، هذه الاستعارة لا تنفي وعي المحب بقدر الحبيبة لكنَّها تستدركها باستعارة تؤكِّد وعي ذات المحب بقيمته وعلو شأنه، فالسحاب هو مصدر لتغذية البحر بالمياه وإشباعه وتحقيق امتلائه، ثم الاستعارة المركَّبة أيضًا (إن كنتي حرف أنا الكتاب) التي تبرز اعتداد المحب بذاته، ليبني عليها موقفه من عدم عودتها: (إن كنتي قادرة ما ترجعيش.. ما ترجعيش) بإبراز تماسكه وعدم تأثره حال اختيار الآخر/ المحبوبة الانفصال التام وعدم الرجوع، فيؤدي هاني شاكر دور البطل التراجيدي الذي يعيش حالة "الاستعصاء على الانكسار"، فلا تكون الأغنية هنا مجرد "عتاب"، بل هي تشريح لحالة نفسية تقف على الحد الفاصل بين "الاحتياج" و"الاستغناء"، مفاوضة الآخر/ الحبيبة وصون الكبرياء.
وبتأمل أداء هاني شاكر للحن محمد ضياء الدين لمذهب أغنية "ماتهدديش" نجده يؤدي المقطع الأول من المذهب: (ماتتهدديش بالانسحاب/ من حياتي والغياب/ ماتهدديش قلبي اللي حبِّك/ بالألم وبالعذاب) بنبرتين مختلفتين، حيث يبدأ بعمل ما يشبه "الأدليب"؛ أي ما يشبه الموال ثم يصعِّد في تكرار نفس المقطع أو الجملة الموسيقية من حدة الأداء الصوتي، كأنَّه يعلو في السلم الموسيقي ليوازي هذا تصعيدَ المحب في احتداده على تهديد المحبوبة بقوة مواجهة وعنفوان كبرياء متأبٍ على تلويح المحبوبة بالانسحاب. ثم يعود في المقطع الثاني من المذهب: (إن كنتي بحر أنا السحاب/ إن كنتي حرف أنا الكتاب/ إن كنتي قادرة ما ترجعيش.. ما ترجعيش) للانخفاض بالسلم الموسيقي وتخفيض حدة العنفوان في أدائه لهذا المقطع في المرة الأولى، كأنَّه يريد أن يفسح بعض المجال للعقل ولوعي المحبوبة أن تعي هذه المعادلة التي يقدِّمها الحبيب، ثم ما يلبث أن يصعِّد من حدة الأداء عند أدائه نفس المقطع في المرة الثانية إبرازًا لتصاعد حدة الغضب مرة أخرى، ويبدو هذا التذبذب المحسوب في أداء مقاطع المذهب تعبيرًا عن تذبذبات الذات الشعورية وتموجات احتدادها في مواجهة تهديد الآخر/ المحبوبة.
ويبدأ الكوبليه الأول باستعارة مقلوبة مدهشة: (شمس بكره مش عينيكي) لتنفي عن الآخر/ المحبوبة استئثاره بمركزية وجودية وارتهان المستقبل (بكره) بوجوده، لتمثِّل ذروة التحرر من أسطورة "المحبوبة المركز" التي تدور حولها الأرض، مما يخلق توازنًا دراميًّا وتكافؤًا نفسيًّا بين الأنا والآخر.
ويأتي المقطع الثاني في الكوبليه الأول ويتكرر أيضًا في الكوبليه الثاني: (كوني فرح لعمري كله/ كوني نور قلبي وضله/ كوني شمسي ماتغربيش) الذي يخفِّض فيه هاني شاكر وفقًا للحن محمد ضياء الدين من السلم الذي يؤدي فيه ومن حدة نبرته الصوتية بمثابة هدنة أو كاستراحة عاطفية وسط المعركة الكلامية، وهي تعكس رغبة المحب في حياة هادئة مع المحبوبة بدلاً من الارتحال إلى الغياب الموحش.
تعزيز ضفتي الغناء الكلاسيكيتين
ومع تنويع هاني شاكر في أغانيه التي ملأت المنطقة البرزخية بين الاتصال بالمحبوب أو الانفصال عنه؛ فإنَّ أداءه واختياراته للأغنيات التي تدور في مدار موضوعات الغناء الرئيسة والتيمات التقليدية كالحب المتأجج عشقًا في المحبوب أو في الافتراق عنه قد عزَّز ضفتي الغناء الكلاسيكيتين، كان لأغنيات هاني شاكر تميُّزٌ كبيرٌ وإسهام باذخ في تحديث هذه التيمات، كما أغنية "هاعيش على هوايا" التي غناها من أشعار عبد الرحمن الأبنودي وألحان د. جمال سلامة في شريط/ ألبوم بعشق ضحكتك الصادر في العام 1984، حيث يعلن المحب انفصاله عن محبوبته بعد استنفاده وسائل التفاهم مع الآخر، فيقول في المذهب:
هاعيش على هوايا/ مش على هواكي
أنا ياللي في بحرك/ اتقطَّعت شِباكي
دلوقتي لما تشكي/ أنا ببقى مش معاكي
وتبكي بحس عالي/ وأنا مش بسمع بكاكي
اعتبريني نجمة/ هربت من سماكي
تعيش على هواها/ مش على هواكي
يأتي قرار الانفصال مسببًا برفض الحبيب استلاب المحبوبة لإرادة المحب، وتبدو استعارة (أنا ياللي في بحرك/ اتقطَّعت شِباكي) شديدة الرهافة والطزاجة في الأغنية العربية، في تمثيل العلاقة الإشكالية والتعقُّد المأزوم لمعاناة المحب واستنزاف مشاعره في علاقته بالمحبوبة، فهذه الاستعارة الفذة المركّبة التي تضع شِباك المحب التي يُقصَد منها وسائله وأدواته في محاولة الظفر بما يتمنى من مشاعر الحب في مقابل بحر المحبوبة أي عالمها المتسم بتقلباته وتموجاته، حيث تقطَّعت شِباك المحب فيه، فتكون النتيجة الطبيعية اللازمة عن هذه الحالة انصراف المحب عن محبوبته: (دلوقتي لما تشكي/ أنا ببقى مش معاكي/ دلوقتي لما تشكي/ أنا ببقى مش معاكي)، والملاحظ هو قصر الجمل التي نظمها الأبنودي وسرعة الإيقاع اللحني للموسيقار جمال سلامة وهو ما أداه هاني شاكر ببراعة واقتدار تمثيلي ورهافة تعبيرية، تجسيدًا للتداعي السريع في العلاقة بين الطرفين، والبادي في الأداء الصوتي لهاني شاكر لهذا المذهب هو تصاعد حدته وقوته لتصل الذروة مع أدائه لجملة (اعتبريني نجمة/ هربت من سماكي) التي تحمل استعارة أبنودية لافتة تمثِّل لتخلُّص المحب من تحكُّمات المحبوبة وإملاءاتها بنجمة تهرب من سماء المحبوبة، في استعارة لا تخلو من نبرة تهكُّمية خافتة وشديدة الذكاء والدهاء، تعبيرًا عن رغبة المحبوبة في السيطرة المطلقة على المحب وهربه من ذلك الشرك.
ثم يذهب الأبنودي في الكوبليه الأول من هذه الأغنية إلى تعريف الحب كما يليق به وكما يتمناه المحب:
أنا أعرف إن الحب له جناحين/ يطير ما حد يقوله رايح فين
الحب مش أسوار/ وحيطان من الأحجار/ تكتِّف البساتين
الحب مش أطواق/ تقفل على العشاق/ وتسكِّت الاتنين
الحب حرية/ الحب رحلة نور
بينوَّر الدنيا/ طول ما الحياة بتدور
يحمل هذا الكوبليه مقارنة أو مناظرة بين الحب كما يريده المحب في تصوره المثالي عنه، والحب كما تمارسه المحبوبة بمحاولة فرض هيمنتها وتحكُّمها في المحب، لبيان البون الشاسع بينهما والتناقض الحاد في رؤيتهما للحب، ما يلزم عنه استحالة توافقهما وبالتالي افتراقهما، وتأتي الاستعارة المقلوبة (الحب مش أسوار/ وحيطان من الأحجار/ تكتِّف البساتين) لبيان وعي المحبوبة الاستبدادي بالحب، في استعارة بالغة البراعة والجدة من الأبنودي، تقوم على التناقضات الصارخة والتباين الحاد بين الأحجار بصلابتها ووعورتها تمثيلاً لتصوُّر المحبوبة الجامد والمتصلِّب عن الحب، في مقابل البساتين تمثيلاً للحب كما ينبغي أن يكون على طبيعته في تصوُّر المحب، وهو ما عبِّر عنه إحساس هاني شاكر برهافة عالية.
ولا تخلو بعض أغنيات هاني شاكر من خطاب المسؤولية وبلاغة الاعتذار في منحى مغاير للصورة التقليدية للرجل الشرقي كما في أغنية "يا أم العيون حزينة" التي غناها من أشعار عبد الرحمن الأبنودي وألحان سامي الحفناوي في شريط/ ألبوم علِّي الضحكاية عام 1988، ويقول في مذهبها:
يا أم العيون حزينة
تشبه سما الخريف
سكن الطير فـ المدينة
ونسي طريق الريف
وتني الدنيا تجري تجري
واحنا وراها نجري نجري
لما ضيعتي قلبك
وأنا ضيَّعت عمري
تبدأ الأغنية ومذهبها برثاء لحال المحبوبة في استعارة بالغة الرهافة: (يا أم العيون حزينة/ تشبه سما الخريف) في مقابل استعارة أخرى تمثِّل للذات المغتربة عن جذورها الهوياتية: (سكن الطير فـ المدينة/ ونسي طريق الريف)، وإذا كان الطير حاملاً لمعاني الحرية والرغبة في الانطلاق، مع الارتباط -في نفس الوقت- بموطنه، فالطير هنا قد رحل مخلفًا الحزن لحبيبته المتروكة بالريف، وإذا اقترنت المدينة -بالنسبة للطير- بفعل السكون؛ فإنَّ السكون يبدو مضادًا لطبيعة الطير ومنافيًا لحريته وانطلاقه، وهو ما يعبِّر عنه أداء هاني شاكر بقوة وبوضوح بخاصة في أداء أصوات المد التي تحدث نبرًا يكافئ شعور الذات النفسي بعمق المأساة التي تعيشها وبفداحة الذنب الذي اقترفته في حق المحبوبة.
وينتقل الكوبليه الأول من أغنية هاني شاكر "يا أم العيون حزينة" من أشعار عبد الرحمن الأبنودي إلى إحساس الذات بالزمكان، المكان والزمان في آنٍ:
كل الخطوة ما توسع/ بيضِيق بينا المكان
واليوم الأيام دي أقصر/ من الأيام زمان
يمكن لهذين السطرين الشعريين أن يمثلا لعلاقة الحبيب بمحبوبته، وشعورهما بضيق المكان بهما وقصر الوقت، لكنَّهما يمكنهما أيضًا أن يُعبِّرا عن شعور إنساني عام بالاغتراب الوجودي في مواجهة الزمن ودورته، كما في المعادلة المدهشة التي صاغها الأبنودي: (كل الخطوة ما توسع/ بيضِيق بينا المكان) بإقامة علاقة عكسية بين حركة الذوات وشعورهم برحابة المكان، وأيضًا الإحساس بوتيرة الإيقاع الزمني وتسارعه مع حركة الذوات في المكان؛ أي سعيهم الوجودي في الحياة، في تعبير كنائي يُفَلْسِف شعور الذوات بالاغتراب الوجودي بعامة بمثل ما يكثِّف في قولٍ شعري مُحكَم الاغتراب المديني للريفي، وفقده لحبيبته بعد ضياعه في متاهية المدينة، وهو ما عبَّر عنه أداء هاني شاكر المتقن الإحساس وعنايته الفائقة في التمثيل الحروفي للكلمات، وبخاصة أصوات المد التي عمل على إبرازها تجسيدًا لشعور الذات بمتاهة الاغتراب المديني والوجودي معًا، وما يلازمها من عمق الألم النفسي وتفاقمات مشاعر الاستلاب الوجودي.