لم تكن رحلةُ المسرحِ العربي في القرن العشرين مجرّدَ سَعيٍ إلى تقديم عروض فنية، بل كانت معركةَ هُويةٍ بامتياز. فمنذ اللحظة التي وطأت فيها أقدام مارون النقّاش خشبة المسرح، واجه المبدع العربي مأزقاً حضارياً معقّداً:
كيف يمكن لفنّ وافد، بجذوره اليونانية وقوالبه الغربية، أن ينطق بلسان عربي مبين؟
وكيف يتحوّل المسرح من «بضاعة أجنبية» إلى «ضرورة ثقافية» تعبّر عن المجتمع الذي تحتضنه؟ هذا السؤال فجّر تيارات فكرية وجمالية متباينة، سعى كلٌّ منها إلى استنطاق التراث بطريقته الخاصة، في محاولة للخروج من عباءة «أرسطو» إلى رحابة «الحكواتي» و«السامر».
تيار المزاوجة: توفيق الحكيم والبحث عن «قالب»
يبرز توفيق الحكيم بوصفه أوّل من حاول وضع فلسفة متكاملة للمسرح العربي تتجاوز حدود الاقتباس المباشر. فقد أدرك الحكيم أنّ الإشكال الحقيقي لا يكمن في اللغة العربية، بل في «القالب التعبيري» نفسه.

وفي كتابه الشهير "قالبنا المسرحي"، قدّم رؤية تقوم على المزاوجة بين التراث القصصي العربي -وخاصة ألف ليلة وليلة- وبين البناء الدرامي الغربي. لم يكن الحكيم داعية قطيعة مع المسرح الغربي، بل سعى إلى «توطينه» ثقافياً.
ففي مسرحية "شهرزاد"، يستدعي الشخصية التراثية لا بوصفها بطلة حكاية مألوفة، بل كرمز فلسفي يناقش قضايا الوعي والمعرفة والسلطة. وتمثّل تجربة الحكيم ما يمكن تسميته بالتيار الكلاسيكي المتطوّر، الذي يرى في التراث مادة خام قابلة للتشكيل داخل أطر فنية عالمية، بما يضمن اندماج المسرح العربي في السياق الإنساني العام دون فقدان خصوصيته.
ثورة يوسف إدريس: «الفرافير» والعودة إلى السامر
في مقابل هذا التيار التوفيقي، ظهر تيار أكثر راديكالية تمثّل في تجربة الدكتور يوسف إدريس. ذهب إدريس إلى أنّ المسرح العربي لن يعثر على ذاته الحقيقية إلا إذا تحرّر من «العلبة الإيطالية»، بوصفها رمزًا لهيمنة النموذج الغربي. وفي تنظيراته تحت عنوان: "نحو مسرح عربي"، دعا صراحة إلى العودة إلى جذور «السامر» الشعبي.
في مسرحية الفرافير، حاول إدريس كسر الجدار الرابع، وإلغاء الحدود الفاصلة بين الممثل والجمهور، مستلهماً طقوس اللعب الجماعي التي عرفتها القرى والنجوع العربية. فالتراث، في نظره، ليس نصاً تاريخياً جامداً، بل «سلوك جمعي»، و«حالة احتفالية» متجدّدة. وقد فتحت هذه الرؤية المجال أمام تجارِب مسرحية جديدة، مثل «مسرح المقهى»، و«مسرح الحلقة»، سعت إلى خلق مسرح عضوي، ينبع من التربة الاجتماعية العربية لا يُفرض عليها من الخارج.
جماعة الاحتفالية: المسرح كفعل شعبي
في المغرب العربي، تبلورت رؤية فكرية وفنية أكثر جذرية عُرفت باسم «الاحتفالية»، وكان من أبرز منظّريها عبد الكريم برشيد.
انطلقت هذه الجماعة من فرضية أنّ المسرح في جوهره فعل احتفال جماعي، وأن التراث العربي يزخر بأشكال احتفالية قادرة على تقديم بديل حقيقي للمسرح الغربي ذي الطابع النخبوي.
لم تنظر الاحتفالية إلى التراث بوصفه ديكورًا أو أزياء تاريخية، بل بوصفه فلسفة وجودية كاملة.
فقد سعت إلى استعادة الذاكرة الجماعية، وتحويل العرض المسرحي إلى طقس حيّ يشارك فيه الجميع. وهكذا تحوّل التراث إلى فضاء للحرية، يلتقي فيه الماضي بالحاضر في لحظة إبداعية متفجّرة، أعادت الاعتبار لفنون الحكواتي، والمدّاح، وسلطان الطلبة، وأسهمت في نقل المسرح من نخبوية القراءة إلى شعبية الفرجة.
صراع الأيديولوجيا: المسرح السياسي والتراث
لم يكن البعد السياسي غائباً عن هذا الصراع الجمالي. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تحوّل التراث إلى أداة نقدية حادّة في يد المسرحيين. وتعامل تيار «المسرح المسيّس»، الذي يمثله سعد الله ونّوس وعزّ الدين المدني وغيرهما، مع التراث من منظور جدلي تاريخي.
بالنسبة لهذا التيار، لم يكن التراث ملاذاً للحنين، بل ساحة لتشريح آليات القهر والاستبداد عبر العصور. فقد أعاد المسرحيون قراءة أحداث مثل «ثورة الزنج» و«فتنة القرامطة»، وسِيَر الثوّار الشعبيين، لا بهدف تمجيد الماضي، بل لإسقاطه على واقع الهزائم العربية المعاصرة. وهنا تحوّل الاقتباس إلى عملية تفكيك وإعادة بناء، يُحاكم فيها التاريخ فوق خشبة المسرح من أجل فتح أفق للتغيير في الحاضر.
النقد والمراجعة: نحو «ما بعد التراث»
أفضى هذا الصراع بين التيارات المختلفة إلى تشكّل وعي نقدي جديد، يرفض الانغلاق في الماضي، كما يرفض التبعية العمياء للنموذج الغربي. وهكذا بدأ المسرح العربي المعاصر يدخل مرحلة يمكن وصفها بـ«ما بعد التراث»؛ مرحلة لا يُنظر فيها إلى التراث بوصفه أصلًا مقدساً، بل خياراً فنياً ضمن منظومة أوسع من الخيارات التعبيرية.
لقد استفاد المبدع العربي من تجارب الحكيم وإدريس وبرشيد، وأدرك أنّ العالمية لا تتحقّق عبر التقليد، بل عبر تعميق الخصوصية.
فالصيغة العربية الجديدة لا تكمن في استدعاء حكاية بعينها، بل في استكشاف الروح الإبداعية التي جعلت تلك الحكايات قابلة للحياة عبر العصور.
خاتمة: المسرح مرآة للهوية
إن صراع التيارات المسرحية العربية حول التراث لم يكن ترفاً فكرياً، بل تعبيراً عن أزمة حضارية عميقة. فقد أثبتت هذه التجارِب أنّ المسرح العربي لا يمكن أن ينمو إلا بجذور ضاربة في أعماق التراث، وأغصان مفتوحة على رياح التجديد العالمي. ويتمثّل التحدّي القادم في تحويل هذا الصراع من حالة استقطاب إلى أفق تكامل، بحيث يغدو التراث محرّكاً للابتكار لا عائقاً أمامه، وتتحوّل الهُوية المسرحية من حنين إلى الماضي إلى مشروع ثقافي متجه نحو المستقبل.
◄ الصورة الرئيسية: مسرحية «بابا» - عرض مسرحي إماراتي من تأليف وإخراج محمد العامري وبطولة الفنان أحمد الجسمي - (فرقة مسرح الشارقة الوطني)