هل دخلنا عصر الأزمة الثقافية الحقيقية نتيجة التطور التقني واعتمادنا على الذكاء الاصطناعي الذي ساوى بين الأديب ومَن لا يفقه في الأدب شيئاً سوى أنه يملك جهازاً مزوداً بالذكاء الاصطناعي، استطاع من خلاله أن ينافس من قضوا أعمارهم في الكتابات الأدبية بأنواعها! والأمر ذاته في ميدان الشعر الذي لم يعد يقتصر على الشعراء الذين يعبرون عن مشاعرهم الصادقة، أو المتمكنون من إخفاء مشاعرهم لتؤدي كلمات الشعر دورها في تحقيق مآربهم، فكل ما يحتاجه الشعراء الإلكترونيون هو أن يضغطوا على أزرار إلكترونية ليصبحوا شعراء، ولهم دواوينهم الشعرية التي صنعها الذكاء الاصطناعي.
قد يعتبر البعض بأن الخدمات التي تقدمها لنا هذه الأجهزة الذكية لا تشكل "أزمة ثقافية" بل هي إبداع؛ لأنهم يرون النصوص الأدبية والقصائد المعدة من خلال الذكاء الاصطناعي هي نتيجة جهود بشرية قام الضاغط على الأزرار الإلكترونية بتوجيه هذه الآلات لتخرج هذه النصوص بأنواعها، ولكن قبل أن أكتب هذه المقالة قمتُ بتجربة عملية؛ حيث طلبت من أحد التطبيقات الإلكترونية التي تنجز لنا أي عمل نريده، ولو كان في الشق الثقافي بأن يكتب قصيدة في شخصية معروفة باللغة العربية الفصحى، فأعد لي قصيدة بعدد الأبيات التي طلبتها، كما استجاب لطلبي عندما طلبت منه أن يحول القصيدة ذاتها إلى اللهجة المحلية، فحولها دون التغيير في المعنى، وعندما قدمت ذات الطلب لتطبيق آخر مشابه له أتى لي بقصيدة فيها ذات المعنى وكأن شاعراً آخر كتبها؛ مما يؤكد بأن الإبداع لا يرجع لمن يطلب من هذه التطبيقات الإنتاجات الأدبية؛ وإنما وفق ما هو متوفر لدى هذه التطبيقات، أو ما يمكن أن نسميه مجازاً (مشاعر هذه التطبيقات).
الأمر لا يتطلب أن أقدم تلك القصائد لأبرهن بأننا نكتب بمشاعر التطبيقات الإلكترونية أو بإبداعاتها، حيث يمكن لكل مهتم بإجراء تجربة مشابهة لما قمت به وبأكثر من لغة وسيصل لما وصلت له، وهذا يقودنا لنسأل ما قيمة ما نكتب؟ أو بالأحرى ما قيمة من يكتب اسمه تحت إبداعات التطبيقات الإلكترونية، وينسب الفضل لنفسه، وهو لم يكتب إلا طلبات مبعثرة رتبتها التطبيقات الإلكترونية، وأخرجتها على شكل كتاب أو قصيدة، أو أي نص مسرحي أو رواية أو ما ينسب للأدب والإبداع.
ولكن إذا تساءلنا ما موقف القانون والأخلاق من استغلال أو استثمار التطبيقات الإلكترونية، فسأبدأ من اختصاصي القانوني؛ حيث لا يوجد ما يمنع من استخدام تلك التطبيقات إذا لم تكن من اشتراطات اللجنة التي تقيم الأعمال الأدبية أو الجهات الناشرة، أما من الناحية الأخلاقيّة فهو أمر معيب للغاية أن يكتب شخص كتاباً أو قصيدةً أو رواية أو مقالة، أو أي نص أدبي مستعيناً بالذكاء الاصطناعي، ثم يوهم الآخرين بأن ذلك من صنيعة ذكائه وجهده الكتابي، فحاله لا يختلف عن حال الطالب الذي يطلب من آخرين أن يكتبوا له بحث التخرج مقابل مبلغ مالي.
ما دفعني لكتابة هذه السطور هو شعور الخجل الذي بدأ ينتابني وأنا أكتب خشية أن أُتهم بأن ما أسطره في كتاباتي المختلفة نتاج الذكاء الاصطناعي، وليس نتاج جهدي! وأنا أُحاول أن تكون كتاباتي فيها الجديد من حيث الطرح أو الفكرة أو كلاهما.
ومن جانب آخر لا نستطيع أن ننكر بأن العبرة بالفائدة التي يجنيها القارئ أو المتلقي لهذه النصوص الأدبية بأنواعها، وإن كانت من صنيعة الذكاء الاصطناعي، ولكن علينا أن نهتم في تصنيف الأعمال الأدبية بعد اعتماد البعض على الذكاء الاصطناعي في مؤلفاته، لنفرق إن كان ما يتم تقديمه من كتابات من إنتاج الذكاء الكتابي لكاتب النص الأدبي بأنواعها، أو من خلال الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وقد يكون حان الوقت لأن نُعيد نحن تقييمنا لمن يكتب هذه النصوص وننظر؛ هل ما تم كتابته جديد في الطرح أو الأسلوب أو فوق مستوى تلك التطبيقات بأن تفكر فيه أو تخرجه، وأنه ناتج عن الذكاء الكتابي للشخص، أو أنه نتاج الذكاء الاصطناعي، لهذا على اللجان التحكيمية في معارض الكتاب والمسابقات الثقافية المختلفة أن تطور من آليات عملها، وأن تخصص جوائز للكتب الجديدة في فكرتها وطرحها، وجوائز أخرى للكتب التقليدية التي يمكن إعدادها من خلال الذكاء الاصطناعي.
✧✧✧
◄ كتب المحرر
مما لا جدال فيه أن موضوع الذكاء الاصطناعي تحول إلى خصّيصة موصولة بقدرٍ كبيرٍ من التواتر على مختلف المستويات، وقد تمادت الظاهرة في أبعادها القانونية والأدبية والإبداعية والأخلاقية، حتى أثقلتْ كاهل المعنيين بمعايير العمل الإبداعي عامة، والكتابي منه على وجه الخصوص.
في هذه المُقاربة النّابهة للكاتب حسن جمعة الرئيسي؛ نقفُ أمام تساؤلات ترتقي إلى مستوى الإشكال، كما نستشعر المسافة الفاصلة بين المفاهيم التي ترافقت تاريخياً مع الكتابة الإبداعية، وتلك القادمة من عاصفة الذكاء الاصطناعي حدّ التشكيك في الأنا الكاتبة، التي قد تقع في وهدة السّقوط الحُر!