ناديا تغيّرت، تتغيّر المرأة عندما تصبح أماً. هاهي على بعد خطوات، خطوات صارت مسافة شاقة لم يعد من الممكن قطعها أبداً. سرّت عيناها بفرح مخبوء وهي ترنو إلى البوالين الملونة تميس صاعدة من يده، ما زالت تحب البوالين؛ لكنها تغيّرت، تبدو وكأنها كبرت أعواماً مضاعفة بجلستها المستكينة.
اقترب، دفع بالونين إلى الطفلين بتردد منادياً بصوت غلب عليه الخجل: بالون للأطفال الحلوين..
نظر زوجها إليه وقال بخشونة: لا نريد.. أنت تخيف الأطفال؛ هل رأيت دباً يبيع البوالين؟
قالت الطفلة وقد همّت بأخذ بالون:
- بابا، إنه صديق ماشا ألا تعرفه؟
قال الطفل:
- أنا لا أخاف الدببة.
قالت الأم:
- ليس دباً، هذا رجل يرتدي لباساً على هيئة دب.
ابتعد خطوات، وقف مستنداً على قائمة معدنية بين الأطفال المنشغلين بالأراجيح والألعاب الأخرى، بحيث يمكنه رؤيتها بوضوح.
هذا ثان يوم له في هذا العمل، زي الدب يثقل عليه ويزيد ارتباك مشيته وألم فخذيه، يحاصره بحرّ ضاغط، رغم أن الفصل ربيع.
لم يكن يريد هذا الزي، لكنه ما بقي من الأزياء التي يرتديها الباعة لترغيب الأطفال بالشراء، كان الأفضل أن يأخذ زي أرنب أو قط، بطة أو عصفور..
نهض الأب مصطحبا ابنته إلى الأراجيح، وبقيت مع ابنها تجيل بصرها في أرجاء الحديقة. تناهى نظرها إليه، جفل وكأنه سافر أمامها. لقد تغيّرت، لم يعد لنظرتها تلك الصبوة، ذلك البريق، كأنها تداعت بأمر ما، لكنها لم تزل هي؛ بملامحها، بطريقة تحريك يديها، التفاتتها وتلك الحركة التي تلجأ إليها لرفع خصلة شعر نافرة.
تحرّك بخطوات ركيكة، بين الأطفال اللاهين دون أن ينادي كالباعة الآخرين. يخجله أن يفعل ذلك، كأنه يعلن عن اسمه، يعرّف بنفسه، ففي هيئة الدب لا يمكن أن يبدر منه شيء معروف سوى صوته.
هل انتبهت إلى صوته عندما عرض على أولادها البوالين؟ لا يبدو ذلك فقد خرج صوته خفيضا أخناً من رأس الدب.
باع بالونين فقط. ميكي ماوس قال له: إن بقيت هكذا لن تبيع إلاّ القليل وربما سيأتي وقت لن تبيع شيئاً، طريقتك في البيع لا تجدي، عليك أن تدفع البوالين إلى الطفل، تضع البالون في يده.
عاد ووقف في مكان يتيح له أن تكون في مجال بصره. من خلال عيني الدب يستطيع النظر إليها بحرية، لا أحد يعرف موضع نظراته، يمكنه أن يتملاها بهدوء. هل تحس بذلك؟ يقال إن المرأة تشعر بمن ينظر إليها حتى ولو كان خلف ستار، وتعرف ماهية كل نظرة.
ساقاه الجديدتان زاد ثقلهما واشتّد وجع فخذيه، قدماه لا تستجيبان كما يجب، ما زال يخطئ في تقديره موطئهما ومقدار خطوته. تراجع ليجلس على مقعد خلفه، تعثّر بحفرة صغيرة، ترنّح ووقع، صاح الولد بعفوية ولهفة:
- ماما.. ماما، الدب بائع البوالين وقع على الأرض.
جفلت كأنّ ألماً خاطفاً لسعها من الداخل، شهقت ونهضت نصف نهوض بحركة تلقائية، ما لبثت أن تمالكت نفسها وعادت للجلوس مستغربة لهفتها، تابعته وهو يتحامل على نفسه لينهض ويجلس بمشقة على مقعد قريب. أحست بانقباض يعاودها عادةً حين يوشك أن يمسها ضرر، انقباض كابدته كثقل مبهم تحوّل إلى قلق ممض أثيم، قبل أن تسمع بما حدث له في أرض المعركة.
نهضت مع ابنها واتجهت إلى أرجوحة شغرت للتو، حملت ابنها إليها ودفعته برفق، قال الطفل بفرح:
- ماما، أقوى... أقوى، أريد أن أطير.
دفعته بقوة وحذر، زلّت منها نظرة وادعة باتجاهه، ارتعش ارتعاشة من يدلف من البرد إلى الدفء، لم تزل هي.. لم تزل، يبقى الإنسان هو ما بقيت عيناه، فالعينان علامة ووسم لا يزول إلاّ بالموت.
الحرب اللعينة، الحرب القذرة، لولا الحرب لكان من تلاعبه الآن هو طفلهما. لا يمكنه لومها فلا ذنب لها فيما حدث، هي أيضاً فُطر قلبها، انتظرته خمس سنوات بلهفة، لم تتبرم ولم تطلب منه شيئاً، كان للانتظار حينها معنى سفحته الحرب.
لم تتركه، عندما قضمت الحرب ساقيه وحدث ما حدث. قال لها: لست مجبرة على أن تتزوجي عاجزاً. ردت: لست مجبرة، لكن هذا خياري، خيار العقل والقلب، ولن أتراجع عنه، أنت لست عاجزاً، العاجز هو عديم الإرادة وأنا أعرف مدى قوة إرادتك.
كان قراره نهائياً، قال: يمكنك أن تكملي حياتك بدوني، هذا أفضل لك، أنا لن أتزوج..
كانت تبكي وتردد: سأبقى معك... سأبقى؛ لكنها أيقنت أنّ ذلك لن يكون أبداً، عندها صمتت وتنحت لتخلي قلبه للوحشة والذكرى.
يبدو أنها تعبت، لكنها ما زالت تدفع ولدها برتابة، وهو يطلق صيحات ما بين الفرح والفزع عندما يبلغ مسار التأرجح مداه.
أوقفت الأرجوحة وقالت:
يكفي ماما، هذا يكفي.
رد الولد بلهجة رجاء: ماما، دفعتان فقط.. دفعتان.
صوتها نضج، صار أعمق، صوت امرأة تمت أنوثتها وأنجزت أمومتها، دون أن يخلو من تلك البحة التي تبدو كصدى خافت من حنو جزل، كأن ناديا أخرى ترافقها في الكلام، ناديا لا ترى لكنها تحس بإنصات الروح.
ما الذي دفعه إلى هذا العمل؛ يشتري البوالين، ينفخها ويربطها من طرف بعصا بلاستيكية ملونة، ومن الطرف الآخر يربط البالون بشكل جميل كالفلة، ثم يدور بها هنا. عمل مضن لشاب يمشي على ساقين مستعارتين لم يعتدهما حتى الآن، فما زال يداخله إحساس ضاغط بساقيه الأصليتين، بوجودهما، ألمهما حيناً، وطلاقتهما حيناً آخر، وبما لا يتسق مع ساقيه الحاليتين، هذا ما يجعله يرتبك ويتخبط في مشيته.
منذ صغرها حتى عندما شبّت وصارت اسماً على مسمّى؛ وهي مأخوذة بالبوالين، وهو كان مثلها أيضاً.
كانت طفلة في الخامسة؛ شقراء بعنين عسليتين براقتين، فيهما حكاية لم تتم، ترفع بالوناً بلون الليلك بفرح احتفالي، كان يحب مشاكستها، مرةً حاول خطف البالون فتمسكت به، وخزه بشوكة فانفقأ مصدراً صوتاً أفزعها. بكت وشتمته وهو يضحك، توقفت عن البكاء فجأة وقالت بحدة:
- عليك أن تجلب بالونا مثله، أريد بالوناً ليلكيًا مثله تماماً.
على مدى سنوات؛ منها سنوات الحرب، ظلت تردد على مسامعه بأن لها ديناً عنده، بالون بلون الليلك، دين قديم من أيام الطفولة.
تؤكد ذلك قائلة:
- دين لا يحول ولا يزول ولا يمر عليه الزمن.
يبتسم ويجيب:
- سأفي ديني يوماً ما، لا بد أن أفعل ذلك.
ليس معه بالون بهذا اللون، بحث بعينه في البوالين التي تتراقص فوق رؤوس الباعة، لم يجد اللون نفسه. مر أمامه النمر الوردي، فطلب منه أن يؤمن له واحداً.
بعد قليل عاد وفوق رأسه يختلج بالون ليلكي.
أنزلت ابنها عن الأرجوحة، جلسا على مقعد قريب منه، لحقهما الأب والطفلة بيديه بسكويت وشراب.
الطفل لا يفتأ ينظر إليه بفضول، وهي تسرّب نظرات خاطفة حائرة نحوه باهتمام لا تدرك سرّه.
همّ بالنهوض ليقوم بدورة صغيرة تنتهي بالاقتراب منها أكثر، علقت فردة زي الدب بطرف المقعد، انحنى ليخلصها، رفعها إلى الأعلى، انحسرت كاشفة ساقه الحديدية. صاح الطفلة بدهشة:
- بابا... ماما، الدب ليس دباً، إنه رجل آلي يتخفى بلباس دب، انظر إلى ساقه.
التفتت هي وزوجها نحوه، هزّ الزوج رأسه بأسى وقال:
- الحرب.... لعن الله الحرب والفقر.
اندفع نحوه بلهفة قائلاً: على مهلك.. على مهلك، دعني أساعدك.
اتكأ على ساعده ونهض، فخذاه الخدرين لم يطاوعاه على السير، بقي واقفاً ريثما يتلاشى الخدر.
قال الزوج بتأثر:
- أعتذر منك... لم أكن أعرف، إلحاح الباعة أحياناً يُخرج الإنسان عن طوره.
- لا عليك، الباعة مضجرون غالباً.
- أعطني بالونين للطفلين.
قال الزوج وناوله ثمنهما، امتنع بلطف وقال:
- إنها هدية، لا أريد ثمنها.
ناول الطفل بالوناً والطفلة، ثم خطا نحوها بمشقة، صار أمامها، ناولها البالون الليلكي وهو يقول:
- اسمح لي أن أقدّم هذا للسيدة.
ترددت في مد يدها لأخذه.
أصرّ زوجها عليه أن يأخذ ثمن البوالين، رفض ثانية، عاد ودفع البالون إليها وهو يقول كأنه يكلّم الزوج:
- دين قديم، دين لا يحول ولا يزول ولا يمر عليه الزمن.
ندت منها شهقة خافتة عميقة، تناولت البالون بيد مرتعشة، رنت إليه بحسرة، ما لبثت أن التفت إلى ابنتها وضعت البالون بيدها وحملتها؛ ضمتها لتداري ارتباكها، وقالت بصوت خافت وشجن كأنها ناديا الأخرى، تلك التي تسمع بإنصات الروح:
- لقد مر عليه الزمن... مر عليه الزمن.
استدار ومضى بخطوات ركيكة مقلقلة.