نحو.. إصلاحِ نظام التربية والتعليم!؟

∵∴ إدغار موران Edgar Morin ∵∴

ترجمة: عادل قنيبو

يعتبر إصلاح منظومة التربية والتعليم بمستوياتها المختلفة أحد الاهتمامات الكبرى بالنسبة لرائد الفكر المركّب، وقد لا نخطئ الحكم إن قلنا إنّ مشروع الإصلاح الذي ينهض به لن يؤتي النتائج المنتظرة من ورائه، إن لم يتمّ التفكير أساساً في مؤسسة المدرسة وأهم القضايا المرتبطة بها. إن التفكير في هذا المستوى، أي مستوى إصلاح التربية، يستمد مصدره ومبرّره الحقيقي من ضرورة ضخ دماء جديدة في شرايين الحياة المدرسية من أجل إعطائها روحاً ونَفَساً إصلاحياً جديداً. فما الاقتراح الذي يتقدّم به "موران" للنهوض بهذه المهمة؟ وما الإجراءات الكفيلة بالنهوض بمنظومة تربوية قادرة على أن تستجيب لطموح وتطلعات الأجيال الحالية؟ وما القضايا الأساسية التي ينبغي لمدرسة اليوم أن تراهن عليها تربوياً وبيداغوجياً وسياسياً؟ (المترجم).



لنُعاين بإيجازٍ شديد كيف نستخرج الغايات المعلنة في الفصول السابقة لمستويات التعليم الثلاث.

◁ الابتدائي

بدل أن نكبح الفضول الطبيعي الذي يوقظ الوعي، ينبغي الانطلاق من التساؤلات الأولية: ما الكائن البشري؟ ما الحياة؟ ما المجتمع؟ ما العالم؟ وما الحقيقة؟

الغايات "للرأس المبناة جيّداً" سيتميّز ببرنامج تساؤلي ينطلق من الكائن البشري الذي عندما نسائله سنكتشف طبيعته البيولوجية والثقافية المزدوجة. من جانب، سنشرع بعلم الأحياء، ومن هنا سنميّز الجانب الفيزيائي والكيميائي للتنظيم البيولوجي، سنحدّد مجالات الفيزياء والكيمياء، ثم ستقودنا العلوم الفيزيائية إلى إدماج الكائن الإنساني داخل نظام الكون. من جانب آخر، سنكتشف الأبعاد البسيكولوجية، الاجتماعية، تاريخية الواقع البشري. هكذا؛ ومنذ البداية ستكون العلوم والتخصصات مترابطة ومتفرعة عن بعضها البعض، ويستطيع التدريس التنقل بين المعارف المجزأة ومعرفة الشمولي. وهكذا يمكن تمييز الفيزياء عن الكيمياء، عن علم الأحياء، لتصبح مواد مُمَيّزة، لكن ليس أكثر عزلاً، حيث يتم إدراجها دائماً في سياقها.

لفهم ما الذي يُدرِج الإنسان داخل العالم المادي والحي، وما الذي يجعله مختلفاً عنه، سنحكي المغامرة الكونية كما نستطيع رسمها حالياً (سنشير إلى ما هو افتراضي، وإلى ما هو مجهول، وإلى ما هو غامض)، تكوين الجسيمات، تجمّع وتكتل المادة في المجرات الأولية، ثم تكوين المجرات والنجوم، وتكوين الذرات الكربونية داخل الشموس السابقة لنا، ثم التكوين على الأرض ربما بمساعدة المواد الآتية من النيازك والجزيئات الكبرى. سنطرح مشكل بداية الحياة (مع ألغازها المشار إليها في الفصل: 5)، ثم نموّها التطوّري المتدفق.

ابتداءً من المغامرة الإنسانوية (سنبيّن جميع الألغاز التي لا زال يحملها)، سوف نطرح مشكل ظهور الإنسان العارف، الثقافة، اللغة، التفكير، مما سيسمح ببروز علم النفس، وعلم الاجتماع.

يجب أن تقدّم دروس ربط بيو- أنثربولوجية تشير إلى أن الإنسان أحياناً كائن بيولوجي كلّياً، وأحياناً كائن ثقافي كلياً. وأن الدماغ المدروس بيولوجياً والذهن المدروس في علم النفس هما معاً وجهين لعملة واحدة، ويؤكدان على أن انبثاق التفكير يفترض اللغة والثقافة.

وهكذا سنطبق منذ المدرسة الابتدائية خطة لربط التساؤل عن الوضع البشري بالتساؤل عن العالم.

في الوقت الذي تتميّز وتستقل فيه المواد، يجب تعلّم أن نعرف، بمعنى أحياناً أن نفصل ونربط، أن نُحلّل ونُركّب. من هنا سنستطيع تعلّم الأخذ باعتبار الأشياء والأسباب.

ما الشيء؟ يجب تعلّم أن الأشياء ليست فقط مجرد أشياء، لكن أيضاً هي أنساق تتضمن وحدة رابطة للأجزاء المتنوعة، ليس كموضوعات جامدة، لكن ككيانات مترابطة غير مفصولة عن محيطها والتي لا يمكن أن تُعرف حقيقتها إلا إذا أدمجت في إطار سياقها. سواء فيما يخص الكائنات الحية، وأيضاً فيما يخص تواصلها فيما بينها ومع بيئتها، هذا التواصل الذي يشكّل جزءاً من تنظيمها وطبيعتها.

ما السبب؟ يجب العمل على تجاوز السببية الخطية: سبب/ نتيجة. يجب تعلّم السببية البين- علائقية المتبادلة، السببية الدائرية (التراجعية/ التكرارية)، لا يقينيات السببية (لماذا نفس الأسباب لا تُنْتج دائماً نفس التأثير عندما يكون رد فعل الأنساق التي أثرت فيها مختلفة، ولماذا الأسباب ذاتها يمكن أن يكون لها نفس التأثيرات). هكذا سنشكل معرفة قادرة على مجابهة التعقيدات.

تعلّم الحياة سيتم من خلال مسارين: المسار الداخلي والمسار الخارجي. يمر المسار الداخلي عبر اختبار الذات: التحليل الذاتي، النقد الذاتي. اختبار الذات يجب أن يدرّس منذ المستوى الابتدائي وأثناء كل هذا، سندرّس تحديداً الأخطاء أو التشوّهات الواردة من الشهادات الأكثر مصداقية أو إقناعاً، سندرّس الطريقة التي بها العقل يحجب الوقائع والتي تشوّش رؤيته للأشياء: سنبيّن كيف أن هذه النظرة للأشياء تعتمد على المعلومات أقل ممّا تعتمد على الطريقة التي تُبَيِنُ نمط التفكير.

المسار الخارجي سيكون مقدّمة للمعرفة الوسائطية. بما أن الأطفال ينغمسون بشكل مبكر في الثقافة الإعلامية، التلفاز، ألعاب الفيديو، إعلانات إشهارية... فإن دور الأستاذ ليس هو إدانتها، بل العمل على التعرّف بصيغ إنتاج هذه الثقافة، ينبغي عليه إبراز كيفية معالجة المشاهد المصورة أو المتلفزة، وبشكل خاص عن التقطيع (المونتاج)، لتعطي انطباعاً اعتباطياً للحقيقة (على سبيل المثال تسلسل اللقطة حينما نشاهد بشكل معزول المفترس، وطريدته يعدوان مما يعطي الانطباع أن ما نراه بشكل متزامن أثناء العدو هو المطارِد والمطارَد). يستطيع الأستاذ أن يحدّد ويعلّق على البرامج المشاهدة والألعاب المطبقة خارج الفصل من طرف التلاميذ. بالتأكيد؛ إن تعليم الفرنسية والإملاء والتاريخ والحساب سيبقى محتفظاً به كلياً في مرحلة الابتدائي.

◁ الثانوي

يجب أن يكون التعليم الثانوي المكان الذي يُمكِّنُ من تعلّم الثقافة الحقة، تلك التي تُنْشئ الحوار ما بين ثقافة الإنسانيات وثقافة العلم، ليس فقط بالتفكّر في المكتسبات أو مستقبل العلوم، لكن أيضاً أن تعتبر الأدب كمدرسة وتجربة للحياة. يجب أن يلعب التاريخ دوراً ريادياً في الثانوي من خلال السماح للتلميذ بدمج تاريخ وطنه، ووضعه ضمن المستقبل التاريخي لأوروبا وعلى نطاق أوسع التاريخ الإنساني، ومن ثمّ تطوير فيه نمط المعرفة التي تتضمن الخصائص متعدّدة الأبعاد، أو المعقدة للحقيقة الإنسانية.

يجب تعويض البرامج بواسطة دلائل للتوجيه تسمح للمدرسين بتحديد المواد ضمن سياقاتها الجديدة: الكون، الأرض، الحياة، الإنسان. يمكن لإعادة التكوين التي تسمح بهذه الاندماجات، أن تتم داخل المؤسسات الجامعية لتكوين الأساتذة المتجدّد، أو أثناء فترات التكوين داخل معاهد التعليم العالي.

آنذاك يمكن أن تجد التعلّمات العلمية تقاربها بتنشيط من أستاذ الفلسفة، أو من طرف مدرس متعدّد التخصص في أفق الاعتراف بالوضع البشري في حضن العالم الفيزيائي والبيولوجي.

يجب أن يكون التعليم الموحِّد للعلوم الإنسانية مؤسِساً ومتمحوراً حول المصير الفردي، المصير الاجتماعي، المصير الاقتصادي، المصير التاريخي، والمصير الخيالي والميتولوجي للكائن البشري. وكما أشرنا تعليم الإنسانيات يجب أن يكون ليس مضحى به، بل مُعَظّماً (تعد حماية الثقافة الإنسانية من بين المهام الأساسية للتعليم الثانوي). الفصلين الثالث والرابع يكشفان لنا كيف أن الإنسانيات تمهد في نفس الوقت للوضع البشري، وتعلّم الحياة وكيفية عيشها.

يجب أن تتضمن الفلسفة ضمن إحدى نواتها التفكير حول المعرفة العلمية وغير العلمية، والدور التقنو-علمي الذي أصبح محورياً في مجتمعنا المعاصر. ستدرس الرياضيات خلال مرحلة الثانوي كنمط للتفكير المنطقي الذي ينجز عمليات حسابية، وتدرس الفلسفة في مستوى النهائي لجميع التخصصات، بدمج إشكالية العقلنة والتعارض بين العقلنة والنزعة العقلانية.

وأخيراً؛ سيكون تدريس التاريخ الوطني الذي يعتبر تاريخاً للفرنسة، ومنغمساً في تاريخ أوروبا والذي يوجد من الآن فصاعداً مندمجاً ومساهماً في خلق تاريخ المرحلة الكونية، وله أهمية قصوى لتكوين الوطنية.

من جهة أخرى، على مدرسي الثانوي ومن واجبهم التدرّب على عالم المراهقين وثقافته. كان دائماً تحت مظاهر "التعاون لجماعة الفصل " صراع خفي داخل القسم، ما بين الأساتذة الذي يفرضون سلطتهم، وكبار التلاميذ الذين يخلقون الفوضى، ويقومون بالمخالفات (كالنقل، حيل الغش...). يجب أن نفهم كيف أن الشروط التراجيدية للإقصاء (الإبعاد)، وصراع الطبقات صارت في تفاقم متزايد.

يجب الاطلاع على الاستقلالية التي اكتسبها عالم المراهق منذ عقود الستينيات والسبعينات، في علاقته بالثقافة العائلية والثقافة المدرسية، وحول الأشكال المشتركة والقواعد الخاصة بمجموعات المراهقين، نذهب هنا إلى حيث يوجد اللا اندماج للنسيج الاجتماعي أو العائلي (الإقصاء)، إلى حدود تكوين العشائر المشكّلة لمجتمعات صغرى حقيقية، مع محيطها المقدّس وقانونها للانتقام ورمزها للشرف.

يتعلق الأمر بالتقدّم في المعرفة والاعتراف المتبادل للكونين المتشابكين فيما بينهما، واللذان مع ذلك لا يتعارفان أبداً.

أخيراً؛ لا يجب لطبقة المدرسين أن تنغلق على ذاتها مثل قلعة مسيّجة أمام تمدّد الثقافة الوسائطية الخارجة عن فضاء المدرسة، وتتجاهل وتحتقر العالم المثقف. تُعد معرفة هذه الثقافة ضرورية بغاية فهم ليس فقط مراحل الأشكال المتعدّدة لتصنيعها وتسليعها ثقافياً، بل أيضاً معرفة أن مواضيع وسائط التواصل تُتَرْجم وتخون الطموحات والآمال الخاصة بالوقت الراهن. في هذا الإطار عوض تجاهلها، بينما جل التلاميذ يتغذون منها. يجب أن يبيّن المدرسون أن البرامج المتلفزة من خلال الاتفاقيات، والرؤية المبرمجة تتحدث مثل التراجيديا والرواية عن تطلعات ومخاوف وأمال حياتنا: الحب، الكراهية، اللاتفاهم، الخيبات، اللقاءات، الانفصالات، السعادة، التعاسة، المرض، الموت، الأمل، الحزن، السلطة، الاحتيال، الطموح، الخداع، المال، المراوغة، المخدرات.

◁ الجامعة

الجامعة تُحافظ، تُخزّن، تُدمج، تُحيي ميراثاً ثقافياً للمعارف والأفكار والقيم؛ إنها تُحْييه بإعادة فحصه وتحيينه وتحويله، إنها تُنْشِئ جيلاً من الأفكار والقيم التي ستدخل ضمن الإرث. هكذا هي محافظة ومتجدّدة ومُحيّنة.

بهذا المنظور؛ فالجامعة لها مهمة ووظيفة عابرة للأجيال ترتبط بالحاضر وتذهب من الماضي نحو المستقبل، لديها مهمة عبر وطنية احتفظت بها رغم التوجه نحو الانغلاق الوطني للأمم المعاصرة؛ إنها تمتلك استقلالية تمكنها من تحقيق هذه المهمة.

حسب المعنيين لكلمة "محافظة" الطابع المحافظ للجامعة يُمكن أن يكون إما حيوياً أو عقيماً. المحافظة تكون حيوية إذا كانت تعني الحماية والوقاية؛ لأنه لا يمكن إعداد المستقبل إلا بإنقاذ الماضي، ونحن في قرن تعمل فيه قوى متعدّدة وقوية على التفكك الثقافي. لكن المحافظة ستكون عقيمة إذا كانت وثوقية وثابتة وجامدة. هكذا أدانت "سوربون" القرن 17 جميع الاختراعات العلمية لزمنها وإلى حدود القرن الموالي، العلم المعاصر تكوّن في جزء كبير منه خارج الجامعات.

استطاعت الجامعة أن تجيب على تحدي التطوّر العلمي بالعمل على التحوّل الكبير في القرن 19، ابتداء من الإصلاح الذي قام به "هومبولت" في "برلين" سنة 1809. لقد تمت عَلمنتها ومأسسة حريتها الداخلية تجاه الدين والدولة وانفتحت على الإشكالية الكبرى المنبثقة عن عصر النهضة ألا وهي مساءلة العالم، الطبيعة، الحياة، الإنسان، الله. أصبحت الجامعة هي الفضاء نفسه للأشكلة الحقيقية للثقافة الأوروبية الحديثة. فانخرطت بعمق في مهمتها العابرة للأجيال والعبر- وطنية بانفتاحها على الثقافات غير الأوروبية. ويدخل إصلاح العلوم الحديثة في الأقسام التي تم إنشاؤها، فالجامعة الآن تتعايش –ولا تحدث تواصلاً– بين الثقافتين، ثقافة العلوم الإنسانية والثقافة العلمية.

وبإنشاء هذه الأقسام كان "هومبولت" على دراية تامة بالطابع العلماني لإدماج العلوم في الجامعة. وبالنسبة له، لم يكن بوسع الجامعة أن تحصل على تدريب مهني مباشر (مناسب للمدارس التقنية)، بل كانت مهمة غير مباشرة من خلال تكوين الاستعداد للبحث. ومن هنا؛ فإن الوظيفة المزدوجة المتناقضة للجامعة: هي التكيّف مع الحداثة العلمية وإدماجها، وتلبية احتياجات التكوين الأساسية، وتوفير المعلمين للمهن الجديدة، ولكن أيضاً؛ وقبل كل شيء توفير تعليم ما بعد مهني، وما بعد تقني بمعنى توفير ثقافة.

هل يجب أن تتكيّف الجامعة مع المجتمع أم أن المجتمع يجب أن يتكيّف مع الجامعة؟ هناك تكامل وتضارب بين المهمتين لتكيّف الجامعة مع ذاتها، وللتكيّف مع المجتمع في حلقة منتجة يجب أن تُشير إحداها إلى الأخرى، لايعني هنا فقط تحديث الثقافة، بل يعني كذلك تثقيف الحداثة. وهنا نجد الرسالة العلمانية، حيث تدعو الجامعة المجتمع لتبني رسالتها ومعاييرها: فهي تبث في المجتمع ثقافة ليست مصنوعة للأشكال المؤقتة أو العابرة، ولكنها مع ذلك فقد وُجدت لمساعدة المواطنين على عيش مصيرهم. إنها تدافع، وتذيع وتنشر في العالم الاجتماعي والسياسي القيم الأصيلة للثقافة الجامعية: استقلالية الوعي والأشكلة (مع هذه النتائج سيصبح البحث منفتحاً ومتعدّداً)، أسبقية الحقيقة على المنفعة، أخلاق المعرفة، ومن هنا جاءت هذه الدعوة التي عبّر عنها التفاني في نواة جامعة هايدلبرغ: "إلى الروح الحية".

يجب أن تكون الجامعة أحياناً متكيّفة مع حاجيات المجتمع المعاصر، وتقوم بمهمتها من خلال المحافظة والتحويل، وإغناء التراث الثقافي بدون أن نصير مجرد آلات للإنتاج والاستهلاك.

مثلما أشرنا في الفصل الأول، أضاف القرن العشرين تحديات متعددة للمهمة المزدوجة. هناك ضغط مفرط ينحو نحو مطابقة التدريس، والبحث مع المتطلبات الاقتصادية والتقنية والإدارية للوقت الراهن؛ ليتوافق مع أحدث الأساليب، ومع أحدث الوصفات في السوق.


 

المصدر
Edgar Morin : «La Tête bien faite» Éditions du Seuil, mai 1999
ترجمة الفصل 7 «Les Trois Degrés» المستويات الثلاث

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها