حين تقودك الدروب إلى قلب الصحراء الموريتانية، حيث تتلاشى معالم الطريق وتصبح السماء والبحر الرملي كياناً واحداً، وحين تصل أخيراً إلى مدينة شنقيط؛ فإن أول ما يستقبلك ليس صخب البشر أو ضجيج الحياة، بل هو الصمت. صمتٌ كثيف، قديم، ومهيب، لا يكسره إلا صفير الريح وهي تحمل حبات الرمل في رحلتها الأبدية. هناك، على هذا التخوم الفاصل بين العالم المعروف وبحر الرمال العظيم (عرق وران)، لا تدخل مجرد مدينة طينية قديمة أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي، بل تعبر عتبة إلى زمنٍ آخر، زمنٍ تُقاس فيه الثروة بوزن الكُتب لا الذهب، وتُبنى فيه الحصون لحماية العلم لا الكنوز.
هذه ليست أطلالاً أو آثاراً صامتة، بل هي ذاكرة أمة بأكملها تتنفس بصعوبة تحت وطأة زحف الصحراء. شنقيط، التي أعطت اسمها لبلاد موريتانيا كلها فكانت تُعرف بـ"بلاد شنقيط"، لم تكن يوماً مجرد محطة على طريق القوافل، بل كانت منارة للعلم، ومحراباً للروح، ورباطاً للعلماء الذين حملوا نور المعرفة من ضفاف النيل وشواطئ المتوسط إلى أعماق إفريقيا. إن الحديث عن شنقيط ليس استعراضاً لتاريخ مضى، بل هو محاولة لقراءة آخر الصفحات الباقية في كتاب مجيد، ومحاولة للإنصات إلى همس علمائها بين أزقتها الضيقة، وإلى حفيف أوراق مخطوطاتها التي تقاوم الرمال والنسيان في معركة وجودية يومية.

لا تصل إلى شنقيط، بل تطفو على سطحها. بعد ساعات من السير في فراغ لا نهائي، حيث يرتجف الهواء فوق بحر من الرمل، تبدأ المدينة بالتشكّل في الأفق، لا كبناء شامخ، بل كجزء من الأرض نفسها، نبتة حجرية وطينية نمت ببطء عبر القرون. الوصول إليها ليس انتقالاً في الجغرافيا، بل هو سقوط حر في بئر الزمن. الصمت هو أول ما يصافحك، صمت له وزن وكثافة، صمت هو المادة الخام التي صُنعت منها هذه المدينة.
تاريخ شنقيط ليس قصة واحدة واضحة، بل هو أشبه بالمخطوطات التي تحرسها، طبقات فوق طبقات، حيث يجمع أغلب المؤرخين، على أن جذورها تعود إلى قرون بعيدة، ربما إلى القرن الثاني أو الثالث الهجري، كرباط متواضع للمجاهدين المرابطين.
لكن المدينة التي نراها اليوم، المدينة التي أصبحت أسطورة، تشكّلت بشكلها النهائي في القرن السابع الهجري. لم يختر مؤسسوها هذا المكان لخصوبته، بل لعبقريته. كانت شنقيط هي عنق الزجاجة الذي لا بُد أن تمر منه كل قوافل الشمال المتجهة جنوباً، وكل قوافل الجنوب المتجهة شمالاً.
كانت هي نقطة الالتقاء الإجبارية لقوافل الملح الذاهبة من مناجم "تغازة" لتقايض ذهب إمبراطورية غانا. والأهم من ذلك، كانت محطة الانطلاق الكبرى لقوافل الحجيج القادمة من كل غرب إفريقيا.
تخيل المشهد: آلاف البشر من أعراق ولغات مختلفة، يتجمعون في شنقيط لشهور، ينتظرون اكتمال القافلة وانطلاقها نحو مكة المكرمة. هذا الانتظار الطويل لم يكن وقتاً ضائعاً، بل كان هو الشرارة التي أشعلت نار شنقيط كمركز للعلم. في هذا التجمّع البشري الهائل، كان العلماء يلتقون، والطلاب يتعلمون، والكتب تُنسخ وتُتبادل، فكانت سوقاً للأفكار لا تقل أهمية عن سوق الملح والذهب.

عمارة من تُراب المكان:
ليس في شنقيط ما يبهر العين بالزخارف أو الألوان. جمالها يكمن في صدقها المطلق. مبانيها ليست إلا ترجمة مباشرة لبيئتها. هي عمارة الضرورة، عمارة الحكمة التي تفرضها الصحراء. الجدران بُنيت من الحجر المحلي والطين الممزوج بالقش، وهي سميكة بشكل لا يصدق. ليست حصوناً ضد غزاة، بل ضد عدو أشرس وهو الشمس، حيث تمتص هذه الجدران حرارة النهار الحارقة ببطء، ثم تبثها دفئاً في ليالي الشتاء القارسة.
الأزقة ضيقة وملتوية، وكأنها خجلت من أن تترك شبراً واحداً للشمس. السير فيها أشبه بالسباحة في نهر من الظلال. حين تنظر إلى الأعلى، ترى شرائط ضيقة من السماء الزرقاء الحادة. هذه الأزقة لم تُصمم للمرور السريع، بل للتأمل البطيء، وللحفاظ على برودة الأرض لأطول وقت ممكن.
وفي قلب كل هذا، يقف جامع شنقيط العتيق. منارته المربعة، التي تُعد أيقونة البلاد بأكملها، لا تبدو كعمل مهندس معماري، بل كنتاج طبيعي للأرض. حجر فوق حجر، دون طلاء أو زخرفة، تتحدى الزمن والرياح.
يقول عدد من الرحالة الذين زاروها في القرون السابقة: إن بيض النعام الذي كان يزين قمتها لم يكن للزينة، بل كان رمزاً للخصوبة في أرض قاحلة، وتذكيراً بأن الحياة، مثل العلم، يمكن أن تولد من رحم العدم. صحن المسجد ليس مرصوفاً بالرخام، بل بالرمل. نفس الرمل الذي في الخارج. في شنقيط، لا يوجد فاصل حقيقي بين الداخل والخارج، بين المقدس والدنيوي، فالصحراء هي الحقيقة المطلقة التي تشكل كل شيء.

الكنز المحبوس في غرف طينية:
لكن كل هذا الحجر والطين، كل هذه العمارة الحكيمة، ليست سوى الصدفة الخارجية. اللؤلؤة الحقيقية، السر الذي يجعل شنقيط مكاناً فريداً في العالم، يختبئ خلف أبواب خشبية متواضعة، في غرف عادية لا تكاد تختلف عن أي غرفة أخرى في المدينة. في شنقيط ترقد ذاكرة العالم الإسلامي الإفريقي في آلاف المخطوطات التي تحرسها بضع عائلات منذ قرون.
هذه ليست مكتبات عامة، بل هي إرث عائلي، مسؤولية مقدسة تنتقل من جيل إلى جيل. أن تكون "أمين مكتبة" في شنقيط ليس وظيفة، بل هو قدر. لقد ورثت العائلات كتبها عن أجدادها العلماء، الذين كانوا ينسخون الكتب أو يشترونها من الحجاج والمسافرين. وفي عزلة شنقيط، بعيداً عن حروب العالم وتقلباته، نجت هذه الكنوز.
عندما يسمح لك أحد هؤلاء الحراس بالدخول إلى مكتبته، تشعر وكأنك تدخل قدس الأقداس. رائحة الورق القديم والجلد الجاف تملأ الهواء. ليست مجرد كتب، بل هي كائنات حية لها تاريخ. ترى مخطوطات كُتبت على رق الغزال بخط أندلسي رشيق، وأخرى كُتبت على ورق إيطالي وصل مع القوافل، وثالثة كُتبت على ورق محلي. الموضوعات لا حصر لها: نسخ من القرآن الكريم بماء الذهب، دواوين شعر، كتب في الفقه المالكي الذي يسود المنطقة، ولكن هنا تكمن الدهشة، مخطوطات نادرة في الطب، والجغرافيا، وعلم الفلك، والرياضيات.
المعركة اليومية لهؤلاء الأمناء ليست معركة فكرية، بل مادية بحتة. عدوهم الأول هو المناخ الجاف الذي يجعل الورق يتمزق عند لمسه. وعدوهم الثاني هو النمل الأبيض الذي يزحف من الجدران الطينية ليلتهم هذا التاريخ بصمت. وعدوهم الثالث، والأبدي، هو الرمل الذي يتسلل من كل ثقب وشق ليغطي كل شيء بغباره الأصفر.
كل يوم، يقوم هؤلاء الرجال والنساء بنفض الغبار عن الكتب، وتقليب صفحاتها، وتعريضها للهواء. إنه عمل لا ينتهي، سباق ضد التحلل، إعلان يومي بأن ذاكرة الأجداد لن تُهزم.
جامعة بلا جدران:
هذه الكتب لم تكن يوماً حبيسة الجدران. لقد كانت وقوداً لواحدة من أخصب المدارس الفكرية في العالم الإسلامي، مدرسة "الشناقطة". ولم تكن هذه المدرسة مؤسسة لها مبنى، بل كانت منهجاً في الحياة. منهج يقوم على تقديس اللغة العربية واعتبارها مفتاح كل العلوم، وعلى الحفظ المُتقن الذي يصل إلى درجة الأسطورة.
كانت جامعة شنقيط في كل مكان: في صحن المسجد، في ظل نخلة، في فناء منزل. الطالب كان يفترش الرمل ويكتب درسه على لوح خشبي بالحِبر المصنوع من الفحم والصمغ العربي. يحفظه عن ظهر قلب، ثم يمحوه بالماء ليكتب درساً جديداً. ما يُمسح عن اللوح، يكون قد نُقش في الذاكرة إلى الأبد. هذه الطريقة أنتجت عقولاً موسوعية، علماء كانوا بمثابة مكتبات متنقلة.
وعندما كان هؤلاء الشناقطة يرحلون إلى المشرق، كانوا يدهشون علماء الأزهر والقرويين. شاب صحراوي أشعث، يرتدي ملابس بسيطة، يقف في حلقة علم في القاهرة فيستظهر ألفية ابن مالك في النحو من أولها إلى آخرها دون خطأ واحد، ثم يشرحها بيتاً بيتاً. لقد أصبح لقب "الشنقيطي" جواز سفر علمياً، علامة مسجلة على الحفظ المتقن والفهم العميق حتى وصل لأن يُضرب به المثل في مصر.
لقد كانوا الدليل الحي على أن الحضارة يمكن أن تزدهر بعيداً عن قصور السلاطين وضفاف الأنهار.

على حافة الرمال:
اليوم، تبدو شنقيط وكأنها تحبس أنفاسها. لم تعد قوافل الذهب والملح تمر من هناك. محركها الاقتصادي الذي جعلها مركزاً للعالم قد توقف منذ زمن بعيد. ما تبقى هو الإرث، وهذا الإرث يواجه خطراً وجودياً. كثبان "عرق وران" الرملية، تلك الأمواج الصفراء الهائلة، تزحف ببطء وثبات. كل عام تبتلع بضعة أمتار من المدينة، تهدد بساتين النخيل القليلة، وتطرق أبواب المكتبات.
الوقوف في شنقيط اليوم هو شهادة على صراع مرير بين الذاكرة والنسيان. بين صلابة الإرادة الإنسانية وقوة الطبيعة الساحقة.
شنقيط ليست مجرد مدينة من الماضي. إنها وصية بأن المعرفة التي لا تُحمى، تموت. وأن التاريخ الذي لا يُصان، تبتلعه الرمال. إنها الكلمة الأخيرة التي تهمس بها الصحراء قبل أن يعم الصمت من جديد.
مصادر:
◄ المختار ولد حامد، حياة موريتانيا.
◄ خليل النحوي، بلاد شنقيط: المنارة والرباط.
◄ بول مارتي، دراسات عن الإسلام والقبائل الموريتانية.