ضميرُ الغائب عند النرويجي "يون فوسه"

في رواية "صباح ومساء" الفائزة بجائزة نوبل 2023

حسان العوض


مما يحسب للترجمة العربية لرواية الكاتب النرويجي يون فوسه "صباح ومساء"، والتي قامت بها أمل رواش وشرين عبد الوهاب؛ أنها نشرت عن دار الكرمة في العام 2018؛ أي قبل حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 2023، وأنها أول كتاب له يترجم إلى العربية، كما أنها تمت عن اللغة النرويجية علماً أنه يوجد شكلان للكتابة بهذه اللغة: البوكمول وهي لغة أكثرية النرويجيين، والنينورسك أي النرويجية الجديدة، وهي لغة الأقلية فلا يتجاوز من يستخدمها في الكتابة نصف مليون شخص، وإن كان كل من يتحدث النرويجية يفهمها، وهي اللغة التي اختارها يون فوسه للكتابة.


تتألف هذه الرواية من فصلين فقط، مسرودين بضمير الغائب، مرقمين وغير معنونين، وإذا ما أردنا أن نعنونهما، لكان من المناسب أن يكون "صباح" عنواناً للفصل الأول، و"مساء" عنواناً للفصل الثاني؛ إذْ يعرض الفصل الأول لولادة إنسان، ويعرض الفصل الثاني لموته، وكأن حياة الإنسان، مهما امتدت وطالت وامتلأت بالتفاصيل، تبدو عند نهايتها أقرب لنهار واحد، بدأ صباحاً وانتهى مساء. علماً أن حجم الفصل الأول لا يتجاوز خمس حجم الفصل الثاني، وكأن الفرح بولادة إنسان مهما كان كبيراً يظل أقل من الحزن على وفاته، كما قال الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري:  إنّ حزناً في ساعة الموت أضْعا .. ف سُرور في سَاعة الميلاد

 

 صباح

يعرض الفصل الأول لولادة بطل الرواية "يوهانس" الذي حبلت به أمه "مارتا"، بعد مرور أعوام على ولادة أخته "ماجدا"، وبعد أن تقبلت هي وزوجها "أولاي" (أنهما لن يرزقا بمزيد من الأطفال) [ص: 9].

وبينما ينتظر "أولاي" في المطبخ ولادة زوجته في حجرة النوم على يدي القابلة العجوز "آنا"، يتذكر أنه اتفق مع زوجته "أن الصبي الذي تحمله لا بد أن يسمى "يوهانس" تيمنا باسم والده وهي لم تعارضه" [ص: 11].

كما يخطر على باله أن ابنه بعيد ولادته "سوف يصبح وحيداً، منفصلا عن "مارتا"، منفصلاً عن كل الآخرين، سوف يغدو وحيداً، وحيداً دائماً وبعدها، عندما يحين أجله، سوف يتحلل ليصبح لا شيء ويعود من حيث أتى، من العدم إلى العدم، هكذا هي رحلة الحياة، للإنسان، والحيوان، والطير، والسمك، والبيوت، والأواني، وكل الموجودات" [ص: 12].

يبدو هذا الخاطر غريباً في توقيته، وهل هو يعكس فلسفة الشخصية الروائية أم فلسفة الكاتب؟ ولكن الأب يؤمن أيضاً "أن ثمة روحاً إلهيةً كائنةً في كل شيء، وهو ما يحول كل شيء من العدم ليكون شيئاً ما، ليكون شيئاً أكثر من كونه لا شيء، ويحوله لمعنى ولون" [ص: 12].

وهكذا تأخذه الأفكار والخواطر حتى يولد "يوهانس".

 مساء

يستيقظ "يوهانس" على غير العادة، وهو يشعر أنه "خفيف جداً، كأنما تحرر من وزنه" [ص: 26]. فيذهب إلى المطبخ حيث يعد لنفسه شطيرة من جبن الماعز وفنجان قهوة ويلف سيجارة يدخنها، كما يفعل كل صباح، ولكن هذه المرة من دون توق ولا طعم. ويتذكر زوجته "إرنا" التي طالما جلست على الجانب الآخر من طاولة المطبخ، والتي توفيت منذ زمن فجأة بلا سابق إنذار.

يفكر "يوهانس" أن يذهب في رحلة شطر الغرب لذلك يذهب إلى الكوخ الذي لم يعرج عليه منذ أمد بعيد، ويكتشف أن إطار دراجته القديمة فارغ، وهذا يعني أنه يجب عليه أن يذهب في رحلته مشياً على قدميه.

يفاجأ بنفسه وهو يتسلق درج الكوخ برشاقة ويسر وكأنه قد عاد لريعان الشباب، وبعد أن فتح باب العلّية بيسر رأى "أن كل شيء بقي على ما هو عليه وفي الوقت نفسه كل شيء مغاير، كل الموجودات هي أشياء عادية، ولكنها في الوقت نفسه أصبحت أجود ومذهبة، وأثقل، كما لو أنها تزن أكثر من وزنها بكثير وفي الوقت نفسه كأن لا وزن لها" [ص: 34].

وبعد الخروج من الكوخ يمشي "يوهانس" غرباً، وفي طريقه ينظر إلى منزل صديقه وجاره "بيتر" "ويتذكر كيف اعتادا أن يقص كل منهما شعر الآخر طوال تلك السنين، «بيتر» و«يوهانس»، حقا فعلا، وبهذا وفرا مبلغاً معتبراً من المال أيضاً فساعدا بعضهما بعضاً ليكون مظهرهما لائقاً" [ص: 36]. ولكن "بيتر" أيضاً توفي.

وبعدما يصعد التل يرى منزل ابنته الصغرى "سيجنه" التي كانت أفضل من رعاه في كبره، فأولاده الستة الآخرون يعيشون في مناطق متفرقة من الجزيرة، بينما "سيجنه" سكنت قريبة منه (يفكر «يوهانس» بينما يتسلق التل ويفكر كم أن كل شيء قد تغير نوعا ما، فالموجودات والبيوت تبدو مغايرة، كأنها أثقل وفي الوقت نفسه وبطريقة ما أخف، كما لو أن مزيداً من الأرض والسماء تمددا داخل تلك البيوت) [ص: 37].

وعندما يفكر أن يزور ابنته يكتشف أن الوقت غير مناسب لأنه باكر جداً؛ فيواصل المشي إلى حيث يرسو قاربه مع عدة قوارب أخرى، وهو يشعر "أن كل شيء يبدو مغايراً نوعاً ما، وفي الوقت نفسه يبدو كالمعتاد" [ص: 46]. وعندما يصل الشاطئ، يرى صديقه "بيتر" فيتوقف ليثرثر معه وهو مستغرب، وليبدد استغرابه يرمي بحصاة نحو ظهر "بيتر" فتمر عبره. ثم يجلسان ليدخنا ويلاحظ "يوهانس" "أن شعر «بيتر» بات طويلاً ورمادياً، متقصفاً رفيعاً ومتدلياً على منكبيه" [ص: 50]. فيتفقان على أن يمر "يوهانس" على منزل "بيتر" ليقص شعره. ويتحدث "بيتر" عن السراطين المكتنزة التي يصطادها ويبيعها عن آخرها وأن "أكثر الزبائن حرصاً هي الآنسة «بيترسن» العجوز" [ص: 53]. وهذا ما يثير استياء "يوهانس"؛ لأن "الآنسة «بيترسن» العجوز ماتت العام الماضي، أو العام قبل الماضي، لقد غادرت هذا العالم على أية حال" [ص: 54].

يصعد الرجلان إلى قارب "بيتر" الذي يدير المحرك، فينطلق بهما القارب ويتطلع "يوهانس" (إلى الجبال والتلال والقمم والجروف والبيوت، هناك على اليابسة، ويتطلع إلى المِرساة وإلى قاربه الصغير الذي يرسو على رصيف الميناء عند الطافية مربوطاً بحبل إلى اليابسة، وينظر إلى سقائف القوارب، ويرى السقائف والمنازل هناك على طول الدرب، ويا لها من مشاعر فياضة تلك التي تملأه نحو كل هذا، نحو شجرة الخلنج، نحو كل شيء، هو يعرف كل هذا، كل هذا يمثل مكانه في هذا الوجود، إنه ملكه، كل شيء، التلال وسقائف القوارب، والصخور الملقاة على شاطئ البحر، ثم ينتابه شعور بأنه لن يرى ذلك على هيئته اليوم ثانية، ولكنه سيبقى في داخله، على هيئته تلك، كصوت، نعم يبقى كصوت داخله) [ص: 63].

(ويغير «بيتر» اتجاه الدفة، إلى الأمام مباشرة، شطر غرب البحر حيث هناك بالخارج يتوحد البحر والسماء ليكِّونا كياناً واحداً، ومن أمامهما لا يوجد سوى البحر والسماء، لا يفصلهما سوى معبر واسع وآخر ضيق) [ص: 65].

يحاول "يوهانس" أن يصطاد بالصنارة، لكن الثقالة الغليظة لخيط الصيد، في كل المحاولات التي جربها، تتوقف تحت سطح البحر على بعد متر (وتعلق هناك من دون عائق يحول بينها وبين الغوص) [ص: 71]. وعندما يدرك "بيتر" ما يحدث مع صديقه يحزن، ويخبره أن البحر لا يريده، ولم يعد هنا سوى اليابسة؛ فيدير دفة القارب نحو اليابسة.

يرسو القارب في مرفأ المدينة بعد أن ملآه بالسراطين التي وجداها في قدور "بيتر" الموضوعة على طول الشاطئ، ولكن المدينة خالية من الناس، إلى أن تظهر فتاة في مقتبل العمر، وإذا هي الآنسة "بيترسن" ثم تظهر فتاتان جميلتان، وإذا هما "إرنا" زوجة "يوهانس، و"مارتا" زوجة "بيتر".

يعود الرجلان إلى القارب، وقد بدا الإنهاك والهرم على "بيتر" لذلك يدير "يوهانس" المحرك، ويبتعدان عن رصيف الميناء، ويعودان إلى مرسى القوارب، حيث ينزل "يوهانس" ثم يرى (القارب يتلاشى أمام عينيه وهذا شيء غير مفهوم، كان القارب هنا وعلى متنه «بيتر» وفجأة تلاشى، إنه لم يغرق، ولم يبحر بعيداً، تلاشى فقط) [ص: 97].

يعود "يوهانس" إلى منزله، وقد أظلمت الدنيا فجأة، ليجد زوجته "إرنا" في انتظاره قلقة عليه، يأخذ بيدها، ويشعر أنها باردة، يقبض عليها (بإحكام أكثر فتنعم يدها وتتلاشى في يده) [ص: 101]. ويتناوب حضور زوجته وغيابها، حتى يقرر الخروج فتوصيه أن يتوخى الحذر عندما يخرج إلى البحر، خاصة وأنه لا يستطيع السباحة.

يذهب باتجاه منزل "بيتر" لكي يقص شعره كما وعده، وفي الطريق يرى ابنته "سيجنه" تهرول قلقة وخائفة، لم تلتفت إليه ولم تره، ولم ترد على ندائه كأنها لا تسمعه، كما أنها مرت عبر جسده فشعر بدفء جسدها، بينما شعرت "سيجنه" لحظتها ببرد، يتوقع "يوهانس" أن ابنته ذاهبة إلى منزله للاطمئنان عليه، ولكن يتوجب عليه أولا أن يذهب إلى منزل "بيتر" الذي لم يكن موجوداً فجلس ينتظره على مقعد في الحديقة، وهو يرى ابنته "سيجنه" أمام الباب الخارجي لمنزله، وهنا يوجه السارد العليم دفة السرد إليها، إذْ اتصل بها أحد جيران أبيها وأخبرها أنه لم ير أباها طوال اليوم، وأن مصابيح المنزل مطفأة، حاولت أن تهاتف أباها عدة مرات لكنه لم يرد، فما كان منها إلا أن جاءت إلى المنزل وهي تتوجس خيفة مما حدث معه؛ وبعد أن استجمعت شجاعتها ودخلت المنزل وأشعلت المصابيح وجدت أن كل شيء في مكانه بما فيها قدح القهوة وجراب التبغ وعلبة الثقاب، فاستنتجت أن أباها لم ينهض من سريره هذا الصباح، ولكم تمنت أن يكون نائماً فقط، ولكنها وجدته ميتاً، وقد أكد لها ذلك الطبيب الذي توقع أن الوفاة حدثت أثناء الليل أو في الصباح الباكر، وجاء أيضاً زوجها "لايف".

يعود السارد مرة أخرى إلى "يوهانس" الذي ما زال جالساً على المقعد، وفي أثناء انتظاره رأى زوج ابنته "لايف" يمر أمامه بالسيارة، ثم رآه عائداً وبجواره تجلس ابنته "سيجنه"، فخطر على باله أن الأمور بينهما ربما تسير على خلاف عهدها لذلك ينبغي أن يمر عليهما ليصلح ما بينهما. وأخيراً يأتي "بيتر" فيخبر "يوهانس" أنه ميت ممدد في منزله منذ الصباح الباكر، ولأنه أقرب أصدقائه أتى ليحضره. يتوجه الرجلان غرباً شطر البحر، ومن دون أن يصعدا القارب يجدان نفسيهما على متنه، "وبدا أن السماء والبحر كأنهما كيان واحد، وأن البحر والغمام والرياح كيان واحد، وكل الماء والضياء كيان واحد" [ص: 128].

إن هذه الرؤية الخاصة لموت الإنسان وكيفية حدوثه، تعود للمؤلف الذي طغى بفلسفته على شخصياته الروائية التي كان يحركها كما يريد.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها