يُعتبر جامع القرويين أول مسجد بنته امرأة في العالم، لتقام فيه الخطبة وصلاة الجمعة. بنته بمدينة فاس المغربية، بعدما ضاق مسجدا الأشراف والأنوار بمصليهما، وهما أول مسجدين بمدينتها العتيقة. وبنته أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري، قيروانية ابنة فقيه تونسي مهاجر، في 859 ميلادية.
وأُسّسَ الجامع ليكون مسجداً للصلاة وجامعاً للجمعة ورحاباً لإعطاء الدروس الدينية في الوعظ والإرشاد، وفضاءً لإلقاء المحاضرات وإيواء العلماء والفقهاء والصلحاء والأطباء، فأصبح لاحقاً جامعة تحتكر التعليم العالي. ولم يلعب فقط أدواراً علمية ودينية، بل تميز بمعماره المتميز، وهندسته الفريدة، وطريقة بنائه وإضاءته، وتجهيزه بالثرايا وغيرها من التجهيزات.
ولا تخفى أهمية الجامع العلمية والدينية وما استقطبه على مر العصور وطيلة قرون، من علماء عرب وأجانب. لذلك لم يخطئ الشاعر المدني بن الحسني، حين قال في وصفه:
وإنّ "الجامِع القَروي" فِينا ... كَنبراس يُضيء لِذي اعْتصامِ
له للمغربي على سواه ... فخار لا كفخر بالوسام
وراهب "رومة" قد رام فيه ... علوم الكون من دون انتقام

من قلب التاريخ:
كل الطرق تؤدي لهذا الجامع القريب من ضريح المولى إدريس باني مدينة فاس. من حي الرصيف أو البطحاء، أو بوجلود أو باب الفتوح أو عين أزليتن، يمكن الوصول إليه بعد قطع مسافات متفاوتة عبر أزقة ضيقة تشتم منها رائحة أكثر من 12 قرناً عمر مدينة عالمة، تفتحُ عيون زوارها على معالم وذخائر ونفائس تاريخية وعمرانية من قلب التاريخ.
أبناء فاس لا يتوانون في إرشاد كل قاصدي الجامع، ولو اقتضى الأمر منهم مرافقتهم. والترحاب يستشف من محياهم وابتسامة الرضا من منطلق الرحلة إلى بابه الرئيسية المشرعة على فناء فسيح بجامع بمساحة تفوق 1600 متر مربع اشترتها أم البنين، وأوقفت عليه أرضاً يضمن ريعها الإنفاق على بئره دلوا وحبلا، وعلى الحصير والمصباح.
بتصميم على شكل شبه مربع، وعلى نحو ما عرف في المساجد الإسلامية الأولى، بنيت الجامع بداية بطول 39 متراً وعرض 32 متراً، قبل أن تتوسع تدريجياً لا سيما بعدما ضاقت عن استيعاب مريديها من المصلين، خاصة في عهد عبد الرحمان الناصر حاكم الدولة الأموية، والأمير أحمد بن أبي بكر الزناتي، في فترة لاحقة لذلك.
ولوج الجامع ممكن من 17 بابا ضخمة حسنة الصنع والمتانة، تحيط به من كل الزوايا والأزقة. بعضها مصنوع من النحاس الأصفر المنقوش بدقة متناهية، وفئة أخرى من خشب الأرز. ومن أشهرها باب الشماعين، وهو باب رئيسي قريب من سوق بنفس الاسم لبيع الشمع، ويدخل منه الملوك أثناء حلولهم لتأدية صلاة الجمعة بهذا الجامع التاريخي.
وإن كان هذا الباب منفذ الوجهاء إلى داخل الجامع، فباب الحفاة "منفذ طبقة فقيرة من المصليين لم تكن تنتعل شيئاً، وكي لا تدنس بيت الله بما التصق بالقدم من أزبال وأوحال خاصة شتاء، كانت تغطس أرجلها بصهريج ماء طاهر" يحكي أهل فاس شفاهيا عنها، أما باب الصفر أو العميان، فسميت لكثرة ملازمتهم القعود قربها.

سيف فوق الصومعة:
يسع الجامع بشكله الحالي، لأكثر من 13440 مصلياً كأكبر وأهم جامع في تاريخ فاس العتيقة. ويحتوي على 272 سارية، ويستوعب الصف الواحد 212 مصليا، ويضم 16 بلاط بكل واحد 21 قوسا ويحضن 840 مصليا. سعة ما كان له أن يصلها لولا الترميمات والتوسيعات التي شملته في حقب تاريخية متلاحقة على مدار قرون متلاحقة.
وكانت أول التفاتة في المجال، في عهد الزناتيين، حيث بنيت الصومعة ووضع فوقها جامور عبارة عن قضيب قوي من الحديد غرس بمربع مستطيل بأعلاها بين أركانها الأربعة، وهو ما يؤكده الكاتب محمد معنى السنوسي في كتابه "نبضات من قلب فاس: سيرة مدينة وتاريخها"، متحدثاً عن أنه مصنوع من سيف الإمام إدريس بن إدريس باني فاس.
وأكد في هذا الكتاب أن أبناء إدريس اختصموا حول من له الحق بالاحتفاظ بسيف والدهم، قبل أن يقبلوا باقتراح وضعه فوق الصومعة. وأشار إلى أنه "مباشرة بعد ذلك، نصبت أول ساعة مائية به، ووضعت بالصومعة ساعات رملية وشمسية"، متحدثاً عن توسعة ثالثة في عهد المرابطين بإعادة بناء باب الشماعين بعدما أحرقته النار.
ويؤكد الكاتب في المرجع نفسه أنه في عهدهم "أنجز منبر تحفة عوض ذاك الأموي البديل للمنبر الفاطمي، وصنع بفاس واعتبر أول تحفة في العالم الإسلامي كله"، وهو أقدم مثل للمنبر المغربي مصنوع من شجر الأبنوس و"قد حليت جوانبه برسوم هندسية في غاية الدقة والروعة"، كما ذكر عبد الهادي التازي بكتابه "جامع القرويين".
ووضعت أول خصة وبيلة بصحن الجامع كما السقاية، في عهد المُوحدين الذي بنيت فيه باب الجنائز، فيما أضاف المرينيون جناحاً للنساء وغرفة خاصة بالمؤقتين والمؤذنين تعرف بـ"لغريفة"، ووضعوا العنزة الحالية من خشب جيد وزخرفة رائعة، قبل تلبيس الصومعة ودلكها بمواد بناء جعلتها صقيلة بيضاء برونق أحسن من السابق.

أجمل ثريات العالم:
تميزت الحقبة المرينية ببناء برج النفارين بجامع القرويين، كشبه صومعة بدون قبة، لاستعماله من طرف النفارين في كل رمضان؛ لأن علماء القرويين "لم يجيزوا استعمال النفار من صومعة المساجد"، خاصة بعدما "كان لا يؤم ولا يخطب إلا من يحفظ التوحيد باللسان البربري" حسب ما ورد في كتاب "القرطاس" لأبي زرع الفاسي.
في هذه الحقبة زينت جامع القرويين، بالثريات خاصة التي "كانت مصنوعة من نواقيس الكنائس الإسبانية، وجلبها المجاهدون المغاربة لتبقى ذكرى" حسب مرجع الكاتب معنى السنوسي، الذي أكد أيضاً أن الخصة الشرقية وقبتها في الصحن التي تزن 100 قنطار، "من بصمات السعديين، وجعلت الصحن شبيه بساحة الأسود بقصر الحمراء بغرناطة".
التزيين بالثريات انطلق مع المرينيين وتواصل لاحقاً، إلى أن أصبح الجامع يحضن حالياً 130 ثريا للإنارة وثريا كبيرة قطرها 2,25 متراً، ويفوق وزنها 18 قنطاراً، وبها 520 مصباحاً، وهي التي أثيرت حولها قبل سنوات خلت، ضجة إعلامية بداعي تهريبها، قبل أن يتضح أنها حالياً بمتحف البطحاء في نفس المدينة، بعد عرضها قبل سنوات بمتحف لوفر.
وتعتبر هذه الثريا، الأكبر والأجمل بين ثريات العالم الإسلامي، وأقدم قطعة من هذا النوع في الفن المغربي الأندلسي بعد ثريا مدينة تازة. ويعود أصلها إلى عهد الزناتيين قبل تغييرها وإضافة البرونز إلى المعدن الناتج عن التحفة الأصلية، كما تفيد بذلك كتابة منقوشة تؤكد أن القاضي الفقيه أبو محمد عبد الله بن موسى، مولها من مداخل الأحباس.
وتمتاز الثريا التي كانت معلقة تحت القبة في ملتقى البلاط المحوري والذي يربط باب الصالحين بباب سبع لويات، بجمالها وشكلها المخروطي المتدرج وبسطحه 12 قنديلا، وجمال جزئها السفلي المكون من 12 ضلعاً، وعدد مماثل من اللوح المستطيل الذي تتوسطه أقواس بزخارف نباتية، وتحدها حاملات مرتبطة بالصحن المتدرج.
نفائس لا تحصى:
نفائس هذا الجامع خاصة المعمارية منها، لا تعد ولا تحصى وتسر الناظر، من الثريات والتجهيزات وجمالية الصحن، ومرمر أمكنة الوضوء وبيله وصومعته المربعة الواسعة الباقية للآن. ولا تقل أهمية منها سقايتا الشباك وسبيل داري وضوء جلب لهما الماء من واد خارج حي باب الجديد، كما كتابات منقوشة ومصنوع بعضها بخط نسخي مزين بعناصر نباتية.
بعض ما نقش بتلك الثريات وغيرها، كتب بخط كوفي جميل، كما لوحة منقوشة عثر عليها أثناء ترميم الجامع مدفونة تحت الجبس وعليها عبارة مؤكدة لتاريخ بنائه، ما زكاه الفرنسي أوسكار لانز في كتابه "سفر إلى المغرب"، بذكره صفيقة فضية مثبتة للبناء وتاريخه، حازها من طالب بها، معترفا بصعوبة قراءة ما نقش عليها من كلمات.
زخارف أخرى مشكلة من سعيفات بسيطة ومزدوجة، يحبل بها الجامع المتميز بقبابه الخضراء ومحرابه الخشبي العتيق وسقفه المتوزع بين جزء مغطى وآخر مفتوح على السماء، كما كل أشكال التزيين، ونافورة دائرية تتوسط باحته، وتضفي عليه جمالية بنفس رونق البناء والمظهر الخارجي والداخلي لبناية أبدع المغاربة في بنائها قبل قرون.
ورغم التغييرات المتلاحقة، حافظ الجامع على ملامحه وشكله العام، وبساطة بنائه وزخرفته وعمارته، كما حافظ على بصمة مهندسين معماريين أبدعوا في صناعة وتجهيز الأقواس والقباب، ومبدعين تفننت أناملهم في النقش عليها بفنية عالية وكتابة أدعية وآيات قرآنية، ما يلاحظه ويثير ويفتتن به كل زائر للفضاء عربياً كان أو غربياً.
الافتتان مضمون وأكيد بكل قطعة بجنباته وتصاميمه المقتبسة من الطابع الأندلسي العريق، وخزانته المشهورة المخصصة لترتيب الكتب والمصاحف وساعاته الشمسية والرملية، وتلك المائية التي تعتبر "تحفة فنية رائعة"، أو "أعظم ما يستوقف المار بالمدرسة البوعنانية (إحدى مدارس تابعة للجامع)"، بوصف المؤرخ ابن الأعرج السليماني الحسني.

خزانة ومدارس تابعة:
لم تتفرد جامع القرويين بشكلها العمراني المثير، ولا بدورها الديني فقط، بل أضحت محج الطلبة لدراسة الفلسفة والفلك والهندسة والموسيقى والطب والصيدلة والنحو والأدب، لتتحول مركزاً علمياً وثقافياً منافساً لأكبر وأهم المراكز ذائعة الصيت، بعدما عززت بعدة كراسي علمية وخزانات، وأحيطت بعدة مدارس خاصة في فترة وعهد المرينيين.
وتعد مدرسة الحلفاويين أو الصفارين، أم هذه المدارس التي كان لها دور هام في "تعزيز وتطوير المراكز العلمية"، و"تعددت وظائفها وتنوعت أدوارها تبعاً لحجمها وتنوع المرافق المكونة لها، لكن يبقى الدور الأساسي لها توفير السكن للطلبة الأفاقين"، كما ورد في كتاب "تاريخ مدينة فاس"، وهو تأليف مشترك تحت إشراف محمد مزين.
تلك المدارس المجهزة بغرف ومطاعم، كانت حيّاً لسكن الطلبة الوافدين على فاس من الحواضر، وضمت مختلف حلقات الدروس وكراسي العلم التي تناوب عليها كبار العلماء والفقهاء الذين يتناظرون حول قضايا علمية ودينية متنوعة، إذْ كانت أدوارها تتكامل مع تلك لجامع القرويين، بل أشبه بكليات أو ملحقات تابعة لها.
وتحتفظ الذاكرة الشعبية بعادات مرتبطة بنظام التدريس بالجامع والمدارس التابعة لها، وكذا الخزانة المجهزة بنفائس الكتب والمراجع، من قبيل تنصيب سلطان للطلبة في ربيع كل عام، فيخرج كما لو كان سلطانا محتفى به، يمتطي جواده الأميري و"ترفع فوق رأسه مظلة السلاطين، ويشكل حكومة فيزوره عاهل البلاد في يوم مشهود".
يدوم نفوذ وعزة ومرح "سلطان الطلبة" وأعضاء حكومته، أسبوعاً ينصرف فيه زملاؤه إلى اللهو والمرح، ويعيشون متعة النفس وصفاء الحديث بمشاركة بعض أساتذتهم، لينسوا روتين دراستهم بالجامع الذي درس فيه علماء عالميون، بينهم لسان الدين بن الخطيب، وابن العربي، وعالم الاجتماع التونسي عبد الرحمن بن خلدون.