نقنقت دجاجة الساعة الدائرية عند رأسه، العقرب يشير إلى الساعة السابعة بتوقيته المحلي، "أي الثامنة بالتوقيت..؟ بالتوقيت الرباني؟!.. لا بتوقيته هو.. هو..؟!" ثم توقف فاغراً فاهُ.. "ما معنى أن تتبع توقيتاً غير محلي"؟ ودون أن يتكلف عناء الإجابة، استرسل في الأسئلة الدائرية؛ "ما الفائدة وما الضرر من إضافة أو نقص ساعة؟ إذا كان ذلك مجرد إدارة لعقرب الساعة، دورة كاملة تجاه اليسار! وإما الأمر أخطر من ذلك وأعقد، حتى تقام له مجالس تشريعية استثنائية، ويحتج عليه، على أكثر من صعيد ومنطقة"!
قال بصوت خافت، وهو ينظر إلى المرآة، إلى صورته في الماضي، قبيل مئات الأجزاء من الثانية: "منذ الآن لن تصبح نشرة الثامنة مساء، في الثامنة مساء بعد الآن؛ فإذا كنت لسنين قد عكفت على متابعة هذه النشرة في وقتها، والذي صرت أدركه بالحدس والعادة، فكيف أرد عقرب الساعة آلاف الدورات إلى اليمين، لأغير هذا الإدراك الحدسي؟
ثم منذ الآن، سأفقد تراكم سنين من ذاكرة مشاهدة نشرة الثامنة مساء.. فكيف نعيد الزمن عقوداً إلى الوراء، لنقدم النشرة ساعة قبل آوانها؛ لكي تكون مطابقة للساعة الثامنة الآن، أي لساعته هو.."؟!
"وكيف أرجع الآن، إلى الوراء لأقدم تمثيلية مسلسل سيف ذي يزن ساعة عن وقتها المعتاد، الذي اعتدت الاستماع إليها فيه؟ والقناة الصغيرة التي كنت أنتظرها طوال الأسبوع، لأستمتع بها مع التاسعة كل صباح أحد! فكيف أرجع بالزمن إليها لأقدمها ساعة لتطابق وقتنا الآن، أي لتوقيته هو.."؟!
"وعمري، وميلادي.. كيف أعود إلى لحظته الأولى، فالتأريخ لوضعي كما خط على شهادة الميلاد بسجلات الولادة، كان على الساعة السابعة، فكيف تبقى تلك السابعة هي السابعة، وقد أضافوا إليها ساعة، ألا يعني ذلك أني إما ولدت مع الثامنة الآن، وإما أن الثامنة الآن هي السابعة عندما ولدت؟! وهذا يطرح أكثر من إشكال وارتياب، أفأكون أنا أنا نفس الابن الذي وضعته أمي مع السابعة آنذاك بالتوقيت المحلي، أم آخر مستبدل ولد مع الثامنة بالتوقيت الحالي، حسب ساعته هو؟ فلم لم أمنح جنسية وقته وامتيازاتها"؟
"وساعة أول حصة دخلت فيها إلى القاعة، وقدمت فيها أول درس؟! وساعة.. وساعة.. وساعة خطاب طنجة التاريخي.. وساعة عودة المغفور له محمد الخامس.."!؟
ولما وصل مقر عمله وجدها التاسعة، فتأسف وتحسر واستطرد؛ "وهذه الساعة الثامنة ما بين السابعة والتاسعة، لم أعشها، وحتى.. لم أمت فيها، فهل كان غرض من أضافوا الساعة أن يخرقوا الناموس {وَلكلِّ أُمةٍ أجلٌ فإذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.. فيتقدمون ساعة.. أي يطابقون ساعته هو.. توقيته هو.."؟!
ولما دخل حجرة الدرس نظر إلى ساعته، فوجدها الثامنة وخمس دقائق، قال في نفسه: "وحتى إذا أردت أن أطابق ساعتي مع ساعته، وأزهد في التاريخ والذاكرة والوجدان، فالفرق ضوئي بيننا، على مستوى الساعات نفسها، وقبل كل شيء، ثم على مستوى الثروة والرصيد البنكي، ثم على مستوى موعد الاستيقاظ؛ أنا أستيقظ قبل السابعة أما هو فيستيقظ متى يشاء.. وعلى مستوى الهوية والجنسية.. وطريقة استخدام الحمام..".
فإما أبقي على توقيتي المحلي فأكون أنا أنا، وإما أتبع وقته، على أن يمنحني بطاقته البنكية، وجواز سفره وجنسيته وصفته، فأغدو -مثله أو مكانه- مديراً عاماً على شركة رونو التي يملكها! ثم كيف أضيف ساعة إلى توقيتي كي ألحق لحظته الحضارية، والفرق بين وقتينا يقاس بآلاف الساعات مما تعدون؟!
وانتهى إلى الجواب عن سؤاله الأول: "وما يفيدنا أن نقدم تقويمنا الزمني ساعة أو نؤخره، للمطابقة مع توقيته وتوقيت بلاده، والفرق بيننا، وبين فرنسا يمتد لأكثر من ثلاثة قرون؟! الفرق بيننا وبينهم ليس في التوقيت فحسب.. بل هو في .. في أن فرنسا لو أرادت تغيير توقيتها -إبان الثورة الفرنسية- لعرضته لاستفتاء شعبي، أما نحن ولحدود الآن.. حتى.. لا نستأذن، في أي أمر يخصنا.. وهذا أول ما يجب أن نطابق فيه فرنسا.. حتى تتطابق ساعتينا"!