كشفت الأعمال التي قدمها معرض الفنان "أحمد البحراني" في قاعة "كاليري بغداد"، الذي أقيم ضمن فعاليات مهرجان بغداد السينمائي الثاني، بعنوان "الوقت.. المنبه.. زمن لا يستيقظ"، والذي ضم خمسةً وعشرين عملاً تشكيلياً بين لوحة ومنحوتة انطوت على جرأة جمالية ومهارة تقنية، تشابكت مع فضاءات البوح والتعبير عن هواجس وتجليات وأفكار ورؤى يتفرد بها (البحراني)، وهو ينظر إلى القضايا الراهنة، وإشكاليات الواقع الراهن نظرة عميقة، تنطلق من أرضية واقعية ومعطيات موضوعية، ليأتي التعبير عن تلك النظرة بكيفيات توظيف تقنية مبتكرة، تغادر النمط المعتاد في التعبير، والذي اعتاد عليه جمهور الفن التشكيلي، بوصفه فناً يخاطب عوالم الوجدان عن طريق حاسة البصر، ليؤثر ويستولي على عوالم الأرواح، من خلال أدوات الفن التشكيلي الأثيرة، وهي: الخطوط والكتل والألوان، لتحتل اللوحة أو المنحوتة دوراً جمالياً في حياة الإنسان، ومنح الحياة صياغة جديدة ومعنى جديداً، سواء من الناحية النفسية أو العاطفية.

فالعمل التشكيلي عند "البحراني" يمتلك أبجديته التي توازي أو تفوق في بعض الأحيان أبجدية القصيدة أو الرواية أو الموسيقى، وبقية الفنون في الحقول المجاورة، حيث تقيم مجمل أعمال البحراني المقدمة في هذا المعرض، حواراً داخلياً، تعجز اللغة عن التعبير عنه، فيلوذ بلغة الصمت، ليبوح عن زمن الغياب والانتظار والترقب واللاجدوى، وشهيق من الأمل والحلم الذي يلتقط أنفاسه بالكاد، في محاولته لمواجهة زمن الغربة والحنين، حيث الزّمن متوقف، نائم في سبات عميق، وليس ثمة أمل باستيقاظه؛ إنها هواجس ومشاعر تحفر في أعماق الذات الإنسانية.
أعمال (البحراني) ليست مجرد كتل صماء وخطوط جامدة ومساحات رتيبة، بل إنها قصائد وروايات وعروض مسرحية تتحاور مع المتلقي بلغة الصمت، ببلاغة عالية، وشعرية متوقدة في صناعة الدهشة والفضول عند المتلقي، وهو يحاول البحث عن المعنى الكامن ما وراء الأشكال المتنوعة في طرائق البوح والتعبير، وهي تحفر عميقاً في فكرة جوهرية شكلتْ محوراً أساسياً تتموضع فيه وحوله مجمل أعمال المعرض، وهي فكرة الوقت، بكل ما تُحيله هذه الفكرة إلى معاني المجهول والغامض والمقلق، فالوقت هو الكائن الذي يمر بهدوء ويترك في نفوسنا آثاره التي لا يمكن تخطيها بسهولة.
من هنا فقد تركت تلك الأعمال أثرها في وجدان ومشاعر المتلقي، مثلما تميزت في تقنيتها العالية وبلاغتها التعبيرية، وبَوحِها المتفرد الذي منحها درجة من الفصاحة التشكيلية، وقد حلق (البحراني) بالمتلقي بعيداً عن كل آفاق التوقعات في كيفية بوحه وتعبيره المستند إلى سياقات جمالية تخطت النسق المعتاد في الخطاب التشكيلي، لدرجة يصعب فيها الفصل بين شكله التداولي، وبين مضمونه المتخيل، فالشكل يهيمن على المحتوى، والمحتوى يهيمن على الشكل، كما هو متجسد بشكل ملموس في مجمل الأعمال.
إنه المظهر الذي به ومن خلاله نتعرّف على هواجسنا وعلى مخاوفنا من أنفسنا وعلى أنفسنا، وهذا ما جعلنا نستجيب للعمل على المستوى المجرد، لبلاغته التشكيلية في الكشف عن حياة وشعور وهواجس كل شخص مرتبط بشكل لا خلاص منه، بإيقاعاته التشكيلية التي أنتجت معناه الآخر، من حيث الخامة والكتلة والخط واللون، وأنتجت في ذات الوقت شتى أنواع الانطباعات والاستجابات وردود الأفعال عند التلقي.
إن المشترك الأعلى الذي جمع مجمل أعمال المعرض على اختلاف أنواعها، هو قدرتها على التعبير عن تلك الهواجس والأفكار، وطريقة التعبير عن تلك الأفكار التي يحاكيها ويتمثلها (البحراني)، وهو يسعى من خلالها إلى تحقيق عناصر الدهشة والإبهار في معالجة الفكرة المرتبطة بالزمن، والموضوعات والقضايا التي تحاكي هذه الثيمة، فضلاً عن بحثه في كيفيات تُكرّس وتعزّز هذه الرغبة بالتّواصل مع المتلقي.

من هنا؛ فإن مجمل أعمال الفنان (البحراني) قد كشفتْ عن أساليب متقدمة في استخدام وتوظيف الخامات بطريقة غير تقليدية في البوح، والتعبير عن رؤاه وتجلياته التي تنوعت بالضرورة وتباينت، بين عمل وآخر، وبين طريقة تعبير وأخرى، دفعت المتلقي لأن يتأمل ذلك الشكل، وأن يصغي إلى ذلك الصوت الداخلي، الذي يحمله معنى كل عمل من أعمال المعرض.