الاتجاهات النقدية قبل ابن سلام الجُمحي

مقوماتها وخصائصها

بهيجة الوردي


شكل ابن سلام الجمحي (ت231) لحظة مفصلية في تاريخ النقد الأدبي العربي؛ إذ نقل ذلك النقد من طور المرويات والنقول إلى طور المصنفات النقدية الخالصة لوجه النقد، وكان كتابه "طبقات فحول الشعراء" فاتحة المؤلفات المفردة للنقد الأدبي1. وعلى هذا، يتخذ الاهتمام بمرحلة ما قبل ابن سلام، من مسار نقدنا الأدبي، صبغة الأولوية لأن المرحلة تشكل الأصل والأساس الذي بُني عليه ما بعده، ومن شأن دراستها أن تسهم، من جهة، في إرساء فهم أفضل، لمنجز ابن سلام وتراثه النقدي، ومن جهة ثانية، في تفسير ما سيعرفه النقد العربي من إبدالات وتحولات بعد تلك المرحلة.


وسينصرف الاهتمام في هذه الورقات المعدودات إلى عرض أبرز الاتجاهات النقدية التي تبلورت قبل ابن سلام الجمحي. وقد انتهى بنا البحث إلى تصنيفها وفق اتجاهين أساسيين: النقد الجاهلي والنقد الإسلامي، فيما يلي تفصيلهما.

 

1. النقد الجاهلي

تبلور النقد الجاهلي بشكل أساسي في خضم ما كانت تعرفه الأسواق العربية، وأشهرها عكاظ في الجاهلية والمِرْبَدُ في البصرة زمن الإسلام، من حركة نقدية مشهودة، إذ كان الشعراء يحتكمون إلى النقاد، يقول الحموي (ت 626ﮪ): «وعكاظ اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية، وكانت قبائل العرب تجتمع بعكاظ في كل سنة ويتفاخرون فيها ويحضرها شعراؤهم ويتناشدون ما أحدثوا من الشعر ثم يتفرّقون»2. ومن أشهر نقاد هذه الاتجاه النابغة الذبياني، ويذكر الأصمعي أنه «كانت تضرب له قبة حمراء من أَدَمٍ بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها»3. وقد تراوح النقد في العصر الجاهلي بين ألوان مختلفة، يمكن تصنيفها، استناداً إلى ما تذكره المصادر إلى:

أ- المفاضلة بين الشعراء:

ونجده في كثير من المرويات بصيغ مختلفة، من أهمها صيغتان: أن يحتكم الشعراء إلى أحد النقاد، أو أن يحكم ناقد لأحد الشعراء بالفضل على غيره، فيجعله أشعر أهل قبيلته أو أشعر العرب أو أشعر الإنس والجن، إما بعد اختبار موهبته، وإما بعد الاستماع إلى شعره. وفي كل يستند الناقد في أحكامه إلى جملة من المعايير الجمالية، الشكلية والمضمونية والمقامية.

نمثل للصيغة الأولى بحكاية تحاكم الزِّبْرِقانُ بن بدر وعمرو بن الأهتم وعبدة بن الطبيب والمخبَّل السعدي إلى ربيعة بن حُذَار الأسَدي، يسألونه أيهم أشعر، «فقال للزبرقان: أما أنتَ فشعرك كلحم أُسْخن، لا هو أُنضج فأُكِل ولا تُرك نيئاً فينتفع به. وأما أنت يا عمرو، فإن شعرَك كبُرود حِبَر، يتلألأ فيها البصر؛ فكلما أُعيد فيها النظر نقص البصر. وأما أنت يا مخبل فإن شعرك قصَّر عن شعرهم، وارتفع عن شعر غيرهم. وأما أنت يا عبدة فإن شعرك كمَزَادَة أُحكم خرزُها، فليس تَقطُر ولا تمطر»4.

ومن أمثلة الصيغة الثانية، حكم النابغة الذبياني للربيع بن أبي حقيق بأنه أشعر الناس، بعد امتحان موهبته الشعرية وبداهته وقدرته على الارتجال. وفيها أن النابغة أقبل يريد سوق بني قينقاع، فلحقه الربيع، «فلما أشرفا على السوق سمعا له ضجة، وكانت سوقاً عظيمة، فحاصت بالنابغة ناقته، فأنشأ يقول:
كادت تُهال من الأصوات راحلتي

ثم قال للربيع بن أبي حقيق: أجز يا ربيع، فقال:
والنفر منها إذا أوجست خُلق

فقال النابغة: ما رأيت كاليوم شعراً، ثم قال:
لولا أُنَهْنِهُها بالسوط لاجتذبت

أجز يا ربيع، فقال:
مني الزمام وإني راكب لبق

فقال النابغة:
قد ملت الحبس في الآطام واستَفَت

أجز يا ربيع، فقال:
إلى مناهلها لــو أنـها طُـلـق

فقال النابغة: أنت يا ربيع أشعر الناس»5.

ب- نقد الألفاظ والمعاني:

يدل هذا الاتجاه على أن نقد الجاهليين كان نقداً دقيقاً، ناتجاً عن روية فكر وتأمّل، فلا يفوتهم مساءلة اختيار الشاعر هذا اللفظ دون غيره، وركوبه هذا المعنى دون المعاني الأخرى. ومن نماذج هذا الاتجاه، قول طرفة بن العبد تعليقاً على قول المسيَّب بن علس:
«وَقَدْ أتناسى الهَمّ عندَ احتضاره ... بِنَاجٍ عليه الصَّيْعَرِيَّةُ مُكْدَمِ

فقال طرفة، وهو صبي يلعب مع الصبيان: استنوق الجمل! فضحك الناس، وسارت مثلا»6؛ لأن الصيعرية صفة للنوق لا للفحول.

ويروى أن حسان بن ثابت «أتى النابغة فأنشده قصيدته التي منها:
لنا الجَفَنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافُنا يقطرن من نجدة دما
وَلَدْنَا بني العنقــــاء وابني مُحَـرِّق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنَما

فقال النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك»7.

ج- النقد الإيقاعي:

أدرك النقاد العرب، قبل وضع العروض وإحكام مباحثه، مجموعة من العيوب العروضية، بفضل قوة سليقتهم اللغوية وبفضل رقة طبعهم. وتحفل المصادر بأمثلة عديدة، تدلل على مدى رهافة الذائقة الإيقاعية لدى النقاد الجاهليين، نجتزئ منها بنموذجين:

- الأول ما يروى عن أبي عمرو بن العلاء إذ يقول: «فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغة وبشر بن أبي خازم، فأما النابغة فدخل يثرب فغُنّي بشعره، فطن فلم يعد للإقواء. وأما بشر بن أبي خازم فقال له أخوه سَوَادة: إنك تُقوي، قال: وما الإقواء؟ قال: قولك:
ألم تر أن طولَ الدهر يُسلي ... ويُنسي مثلَ ما نسيتْ جُذامُ

ثم قلت:
وكانـوا قــــومَنـــا فبَغَــــــوا علينـــا ... فسُقنــــــــــــاهم إلى البلــــدِ الشَّآمِ

فلم يعد للإقواء»8.

- الثاني يمثل اختلاف القافية، أو ما سمي فيما بعد بعيب السناد، في قول عدي بن زيد9:
«ففاجأها وقد جمعتْ جُموعًا ... على أبواب حِصنِ مُصْلِتِينا

فـقـدمـتِ الأديــــم لِــــراهِـشِـــيـــهِ ... وألفَـــــى قــولَـــها كَــذِبًا وَمَـيْــنَــا»10.

فالسناد في اختلاف ما سمي لاحقا بالردف في القافيتين: "مصلتينا" و"مينا".

 

2. النقد الإسلامي

إذا كانت نشأة النقد الإسلامي قد بدأت مع الأصول القرآنية والنبوية، واستمرت مع الخلفاء الراشدين، فإن طور نموه وازدهاره قد استكمل، بعد صدر الإسلام، بعدما تهيأت للمجتمع العربي أسباب الاستقرار والتمدن، حيث ألفيناه يسارع خطواته الحثيثة نحو التخصص والمنهجية والتدوين، ويضع لبنات مرحلة جديدة سار فيها في اتجاهين رئيسيين: النقد اللغوي والنحوي، والنقد المنهجي.

أ- النقد النبوي والراشديّ:

ومن المواقف والأحاديث النبوية الشريفة المتواترة في المصادر الأدبية والنقدية، فضلا عن كتب الحديث والسيرة النبوية، نقتبس الشذرات الآتية: عفوه عن بعض شعراء قريش، من أمثال أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن الزبعرى وضرار بن الخطاب، بعد إسلامهم11. وقصة كعب بن زهير وقصيدته المعروفة بالبردة12. وما يروى من أن النابغة الجعدي أنشد بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قصيدة، حتى إذا قال:
علونا السماء مجدُنا وجدودُنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مَظهرا

فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إلى أين يا أبا ليلى»؟ فقال: "إلى الجنة يا رسول الله بك"، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «إلى الجنة، إن شاء الله». فلما بلغ قوله:
ولا خير في حِلـم إذا لم تكـن له ... بوادرُ تحمي صفوه أن يتكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

قال، صلى الله عليه وسلم: «لا يفْضُضِ الله فَاكَ»13.

أما النصوص النقدية الصادرة عن الصحابة، رضي الله عنهم، وخاصة المروية عن سيدنا عمر، فتؤلف ديواناً حافلاً14، شاهداً على أصالة الرؤية الإسلامية، وعلى رقة الذوق والطبع. ونكتفي منها بأمثلة عما روي عن الأربعة الراشدين.

فمما يروى من نقد أبي بكر الصّديق، رضي الله عنه، أن لبيدا «قدم عليه، فقال:
ألا كل شيء ما خلا الله بَاطِل

فقال: صدقت. قَال:
وكــل نـعـيــم لا مـحــالـــة زائـــل

فقال: كذبت، عند الله نعيم لا يزول. فلما ولّى، قال أبو بكر، رضي الله عنه: ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة»15.

وما أكثر المرويات عن نقد عمر، رضي الله عنه، ومنها: عن عبد الله بن عباس أنه قال: «قال لي عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قلت: وكان كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبّع حوشيّه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه»16.

ونشير من المرويات في نقد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أنه لما أُنشد قول زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم

قال: «أحسن زهير وصدق، لو أن رجلا دخل بيتا في جوف بيت، لتحدث به الناس. قال: وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا تعمل عملا تكره أن يُتحدث عنك به17.

ويروى أن سيدنا عليا، كرم الله وجهه، فضل امرأ القيس، وقال معللا: «رأيته أحسنَهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة»18 ونقل عنه في الشعر قوله: «الشعر ميزان القول»19.

ب- نقد الشعراء ونقد العلماء:

تداول النقد الأدبي منذ أواخر القرن الأول الهجري طائفتان: طائفة الأدباء وطائفة العلماء، وفي مقدمتهم اللغويون والنحويون؛ أما الأدباء فهم الشعراء والرؤساء والخلفاء. وأما العلماء فأولئك الذين خلقتهم الروح الإسلامية الجديدة20.

وينتصر الجاحظ للأدباء النقاد، وخاصة الكتّاب، أي أرباب الكتابة والترسل، وحذاق الشعراء، ولعل هذا ما يفهم من قوله: «ورأيتُ البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتّاب أعم، وعلى ألسنة حذّاق الشعراء أظهر»21.

ب-1- نقد الشعراء

اتسم النقد لدى طائفة الأدباء بالاعتماد على السليقة والطبع، وبغلبة الوجهة الفنية الخالصة22. ومن نماذج نقد هاته الطبقة:

- قول جميل بثينة (ت 82ﮪ) لعمر بن أبي ربيعة (ت 93ﮪ) بعد أن أنشده قصيدته التي أولها:
جرى ناصحٌ بالودّ بيني وبينها ... فَقَرَّبَني يومَ الحِصاب إلى قتلي

«هيهات يا أبا الخطاب، لا أقول والله مثل هذا سَجِيسَ الليالي، والله ما يُخاطب النساء مخاطبتَك أحدٌ! وقام مشمّرا»23.

- المواقف النقدية الكثيرة التي تروى لعبد الله بن أبي عتيق (ت 110 ﮪ)، حفيد أبي بكر الصديق24، رضي الله عنه، مع شعراء عصره، كابن قيس الرقيات (ت 80ﮪ) وكثير عزة (ت 105ﮪ)، ونصيب بن رباح (ت 108ﮪ)، والأحوص (ت 110ﮪ). ونال الحظ الأوفر من نقده عمر بن أبي ربيعة (ت 93ﮪ).

ومن تلك المواقف: تفضيله شعر عمر بن أبي ربيعة وابن قيس الرقيات في موازنته بين شعرهما وبين شعر كثيّر في نفس المعنى الغزليّ؛ فقد أنشده الأخير قوله:
ولستُ بِراضٍ مِن خليلٍ بِنائـــــــلٍ ... قليـــــــلٍ ولا أرضى له بقليلِ

فقال له ابن أبي عتيق: «هذا كلام مكافئ ليس بعاشق، القرشيّان أقنع وأصدق منك»25.

ب-2- نقد العلماء:

تشكلت طبقة العلماء النقاد من مشارب مختلفة، تراوحت بين الرواية والأخبار واللغة والنحو وما إليها، وكان هاجسها الأول والأخير أن تجعل من الشعر موضوعاً علمياً. ويفصّل الجاحظ (ت 255ﮪ) الأمر، مميزاً بين اهتمامات كل مشرب: «ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج. ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل»26.

ويستقرئ الجاحظ، من خبرته الطويلة بفرق العلماء الرواة، اهتمامَهم الجامع والمشترك، فيقول: «ورأيت عامتهم، [...]، لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عَمَرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني»27.

وقد تعمقت طبقة العلماء النقاد في فهم الشعر وتذوقه، وكان لها الفضل الكبير في توطيد النقد الأدبي، وتنظيم بحوثه، واستنباط مقاييسه28.

ومع مطلع القرن الثاني الهجري، ازدهرت هذه الطبقة، وانتظمت في مدارس، أبرزها: مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة، ومدرسة المدينة، ومدرسة بغداد29.

ولنا أن نضرب مثلا لنقد العلماء بالنماذج التالية:
- عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117 ﮪ)، «أول من بعج النحو، ومدّ القياس والعلل، وكان يكثر الرد على الفرزدق»30. ومن مآخذه على الفرزدق، أنه قال في مديحه يزيد بن عبد الملك:
مستقبِلين شمالَ الشام تضربهم ... بحاصبٍ كَنَدِيفِ القطن منثورِ
على عمائمنا يُلقـــــى وأرحُلِنـــــا ... على زواحفَ تُزْجى مُخُّها رِيرِ

قال له: «أسأت، إنما هو "ريرُ"، وكذلك قياس النحو في هذا الموضع. فلما ألحوا على الفرزدق قال:
على زواحف نزجيها محاسيرُ»31.

وأن الفرزدق أنشد قصيدته:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف

«فمرّ فيها:
وعَضُّ زمان يا ابن مروان لم يدعْ ... من المـــــال إلا مُسْحَتـا أو مجلَّفُ

فقال ابن أبي إسحاق: على أي شيء رفعتَ "مجلّفا"؟ قال: على ما يسوءك»32.

- وكان عيسى بن عمر الثقفي (ت 149ﮪ)، شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء، يقول: «أساء النابغة في قوله حيث يقول:
فبتّ كأني ساوَرَتْني ضَئيلَةٌ ... مِنَ الرُّقْشِ في أنيابها السُّمُّ ناقِعُ

يقول: موضعها: "ناقعًا"»33.

 

على سبيل الختم:

كان لجهود مجموع الاتجاهات النقدية السابقة الأثرُ الجليل على صيرورة النقد الأدبي، واستوائه علما له موضوعه ومنهجه ومفاهيمه ومصطلحاته. وتتبين ثمرات تلك الجهود وأهميتها، على أقل تقدير، في جوانب ثلاثة:

الأول أن تلك الجهود، وبفضل ما اتسمت به من تعمق في فهم الشعر وتذوقه، وفي معرفة مميزات الشعراء تعمقاً، على قول طه إبراهيم: «لم يهتد إليه أحد من قبل»34، تمكنت من وضع الأسس العامة للنقد الأدب، فهيأت الميدان للبحث، فيما بعد، في أمهات القضايا النقدية، من مثل: القديم والمحدث، واللفظ والمعنى، والطبع والصنعة، وعمود الشعر.

والثاني أنها هي التي نحت بالنقد، منذ القرن الأول الهجري35 نحو العلمية، مع ما تقتضيه العلمية من مقولات نظرية ومن ضبط وتحليل وتعليل، فصار النقد، بعد ذلك، يفيد، على صعيد المنهج والمصطلحات وغيرهما، من فنون وعلوم مختلفة، بعضها وثيق الصلة بموضوع النقد، كاللغة والنحو، وبعضها الآخر بعيدها، ومنه علم الحديث النبوي الشريف والتاريخ.

والثالث أنها، وما وقع منها في القرن الثاني الهجري على نحو خاص، صاحبة الفضل بالسبق إلى حفظ نصوص النقد الأدبي ومروياته، وإلى حفظ الأدب العربي، شعره ونثره، من خلال حركة التدوين.

وهكذا، تكاملت حلقات الجهود السابقة، وتوجّت بابن سلام الجمحي، صاحب السبق بكتابه "طبقات فحول الشعراء"، كما يذكر محققه، إلى تأسيس علم الأدب والنقد36.

 


الهوامش: 1. نقد الشعر عند العرب في الطور الشفوي، عبد العزيز جسوس، مطبعة تينمل، مراكش، ط1/1995، ص: 8.2. عكاظ: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ط2/1995، 4/142. والمربد: نفسه، 5/95.3. الشعر والشعراء، ابن قتيبة (ت 276 ﮪ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ط2/1982، 1/167-168.4. الموشح مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر، ط1965، ص: 91.5. الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 ﮪ)، تحقيق: د. إحسان عباس ود. إبراهيم السعافين وذ. بكر عباس، دار صادر، بيروت، ط3/2008، 22/92-91.6. الشعر والشعراء، 1/183.7. الموشح، ص: 70.8. نفسه، 1/270.9. عدي بن زيد بن حمّاد التميمي: شاعر جاهلي من أشهر شعراء النصارى الجاهليين، كان مقربا من كسرى، وسجنه النعمان. توفي مقتولا، قتله رجل من بني امرئ القيس الذين كان لهم ثأر قبل أبيه. له ديوان مطبوع: ديوان عدي بن زيد العبادي، تحقيق وجمع: محمد جبار المعيبد، وزارة الثقافة والإرشاد، بغداد، ط1965. ترجمته في: الأغاني، 2/63 وما بعدها.10. الموشح، ص: 15.11. الأغاني، 4/107، والعمدة في صناعة الشعر ونقده، ابن رشيق القيرواني، تحقيق: النبوي عبد الواحد شعلان، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1/2000 1/15.12. العمدة، 1/14 إلى 16.13. العقد الفريد، ابن عبد ربه (ت 328 ﮪ)، تحقيق: د. عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1/1983، 6/125-126.14. جمع نصوصه ووثقها وعرضها د. الحسين زروق في كتابه: نصوص النقد الأدبي ومصطلحه لدى الخلفاء الراشدين، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط2011. ويقع الكتاب في 307 صفحات.15. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط4/1997، 2/256.16. طبقات فحول الشعراء، ابن سلام الجمحي (ت 231 ﻫ)، تحقيق: محمود محمد شاكر، دار المدني، جدة، د. ت. 2/63، والعمدة، 1/151.17. الأغاني، 10/239.18. العمدة، 1/144.19. نفسه، 1/23.20. تاريخ النقد الأدبي عند العرب: من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري، طه أحمد إبراهيم، دار الحكمة، بيروت، د. ت، ص: 49.21. البيان والتبيين، الجاحظ (ت 255 ﮪ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7/1998، 1/136. 4/24.22. تاريخ النقد الأدبي عند العرب، طه أحمد إبراهيم، ص: 46-47.23. الأغاني، 1/92-93.24. الطبقات الكبرى، ابن سعد (ت 230 ﮪ)، تحقيق: د. علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1/2001، 7/193-194.25. الأغاني، 5/63.26. البيان والتبيين، 4/24.27. البيان والتبيين، 4/24.28. تاريخ النقد الأدبي عند العرب، أحمد إبراهيم، ص: 53-58-59.29. مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، د. ناصر الدين الأسد، دار الجيل، بيروت، ط8/1996، ص: 251-252.30. طبقات فحول الشعراء، 2/14-18.31. نفسه، 2/17.32. طبقات فحول الشعراء، 2/17.33. نفسه، 2/16.34. تاريخ النقد الأدبي عند العرب، طه أحمد إبراهيم، ص: 58.35. نفسه، ص: 50.36. قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام، محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، مصر، دار المدني، جدة، ط1997، ص: 67.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها