في عتمة تلك الخرابة القابعة على أطراف القرية لم تكن "هناء" تسكن جدراناً، بل كانت تسكن ثقباً أسود في نسيج الوجود. كانت ذبذبات عقلها المترنح عند درجة ذكاء طفولية وتصورات اضطهادية مرعبة، تصنع واقعاً موازياً، حيث يتحول الهواء إلى خناجر، والوجوه المألوفة إلى مسوخٍ تتربص بصغيرها "سعد". لم تكن تراه طفلاً ينمو، بل طريدةً هشة في عالمٍ جائع، فقررت بـ"منطقها المنكسر" أن تسبق العالم إلى الوليمة، لا كراهيةً، بل لكي لا يسبقها إليه أحد.
في ليلة القدر المحتوم، سكن كل شيء إلا صراخ الأوهام في رأسها. أمسكت بيد الفأس، ولم تكن تضرب جسداً، بل كانت تحطم "الزمن" الذي يشد ابنها نحو مستقبلٍ تراه هي جحيماً. ثلاث ضربات كانت كفيلة بقطع حبال الدنيا، لتبدأ بعدها طقوس "الاستعادة" الأكثر رعباً في تاريخ البشرية. لم يكن تقطيع الجثة فعلاً سادياً، بل كان محاولة يائسة لـ"تصغير" الوجود، وإعادة صياغة الخلق. وضعت قطع اللحم التي نبتت يوماً في رحمها داخل القدر، لا لتشبع جوعاً جسدياً، بل لتروي ظمأ روحٍ تريد إلغاء المسافة بين "الأم" و"الجنين".
حين كانت تمضغ، كانت تبتلع ضحكات "سعد" وذكرياته، كانت تغلق عليه داخل أحشائها، وتوصد الأبواب خلفه بدموع مالحٍة. كانت تظن، في ذروة ذهانها، أن معدتها هي "الرحم الثاني"، الزنزانة الأكثر أماناً، حيث لن يطاله سحر، ولن يختطفه أب، ولن ينهشه بشر. كانت تلك "مأدبة الخلاص"؛ حيث تتحول الأمومة من غريزة بقاء إلى غريزة "احتواء عنيف" يلغي الآخر ليمتلكه للأبد.
وعندما انكسرت الأبواب ودخل العالم من جديد، وجدوا امرأة تجلس في "برزخ" ما قبل الخطيئة. لم تكن تختبئ، بل كانت تشير إلى بطنها بذهولٍ مقدس وتقول: "لقد استرددته.. الآن هو في مأمن". وقفت أمام القضاء، لا كقاتلة تطلب العفو، بل كحطام إنسان لا يدرك من "الجريمة" إلا أنها فعلُ نجاة. براءة المحكمة لم تكن عفواً عن فعلها، بل كانت اعترافاً بأن "هناء" قد غادرت عالمنا منذ زمن، لتسكن في تلك المنطقة المظلمة حيث يصبح القتلُ حباً، والابتلاعُ حياة، والرحمُ هو القبر الوحيد الذي لا يغدر بصاحبه.