خارجَ النّص:
تشرعُ القراءة أمام القارئ إمكانات عديدة لحرث النص وتقليبه، وتقويله لاستكناه دلالاته المؤجّلة لكونه "يُنتَج في إطار بنيات ثقافية واجتماعية محدّدة؛ إذْ يُكتب في زمن تاريخيّ، ويتحدّد هذا الزّمن بسياق اجتماعيّ وثقافيّ محدّدين (...) ولكنه يتعالى عليها من خلال إمساكه بزمنيتها الجوهرية المتعالية" [يقطين سعيد: انفتاح النص الروائي - النص والسياق، ص: 34]، بل إنها تُسهم في إحداث الحيوية والدينامية، وتُعينُ القارئ على فكّ حبائل النص تحليلاً وتأويلاً. فالنص الشعريّ صنيع الانزياح اللغوي الذي يربك بنية التركيب النحوي، وحاملٌ لجينات وجوده الشكلي والجمالي من ذاته وفي ذاته. فالعلامات والرموز اللغوية تزخر بممكنات إيحائية تجعل النص لا يقبل تسييج الدلالة. وعليه فالقراءة تستدعي وعيّاً شعريّاً ونقديّاً بإمكانه تفكيك وتشريح مستوياته الدلالية.

والشاعر بوجمعة العوفي، من خلال منجزه الشعري الذي شرَعه بـ"بياضات شيّقة" مروراً بـ"البياض يليق بسوزان"، و"أصدقاء يغادرون حنجرتي"، و"هوامش لذاكرة العين" بلوغاً إلى ديوان "يدي تضيء الأفق بمصباح كفيف"، تمكّن من إبداع نصٍّ لا يعترف بالحدود بين الأجناس الأدبية، ولا يسيّج كيانه الشكلي في قالبٍ متكلّس جامد؛ وإنّما نجد هذا النص الشعري فضاء حاضناً للسردي والشعريّ وللفنون البصرية داخل بنية نصية متجدّدة بتجدّد الزمن والسياقات، وانطلاقاً من "وعي الأنا بذاتها، تماسكاً أو تصدّعاً، ووعيها بعلاقتها بالموضوع، تميّزاً وتداخلاً" [خالدة سعيد: الملامح الفكرية للحداثة، ص: 28].
كيف استثمر الشاعر هذا الوعي الشعريّ؟
وفيم تتجلى الأبعاد الجمالية والدلالية للتداخل الأجناسي؟
(1) النص الشعري والمخاتلة الدلالية:
إن النص الشعريّ يضلّلُ ويُخاتلُ عن طريق الاستعمال الجمالي للغة في بنية تركيبية مغايرة "تجنح نحو الانحراف الذي يعطي البنى أقصى تجلياتها لتبوح بالمعنى والاستعارات التي تحيا بها" [العنبر عمر عبد الله: ثقافة النص بين البنية والأسلوب، ص: 93]، وتخلق واقعاً جديداً في صور شعرية تعدّ استراتيجية تأثيرية تربك، وتثير حفيظة القارئ الواقع تحت سلطة اللغة النفعية والأشكال المتداولة. فوجود النص لا يتمّ إلّا باللعب، وهو لعب جدّي يفضي إلى تحطيم المبنى وتجديد المعنى؛ لأن الكتابة الشعرية اشتغالٌ وانشغال وحفرٌ في الأراضي البِكْر. فتْحٌ وبحثٌ عن طرائق مستحدِثة للقول الشعري، بشحن اللغة بالطاقة المتجدّدة "وتصبح درجة الشعرية هي الحاسمة في قياس كفاءة النص" [فضل صلاح: تحولات الشعرية العربية، ص: 116].
ولا بد من الإشارة إلى أن النص الشعري ليس ممارسة اجتماعية، وإنما ممارسة جمالية. وهذا ما ذهب إليه رومان جاكبسون حين اعتبر الشعر بأنه "اللغة موظّفة جماليّاً" [جودت فخر الدين: الشعر والتحليل اللغوي، ص: 132]، فالتوظيف الجمالي للغة يُدخل النص الشّعري إلى العتمات بالاستعمال الرمزي والإيحائي. ممّا يحتّم على القارئ "خوض غواية المغامرة، وهي مغامرة اكتشاف أبعاد الخلاء المهول الموجودة بين تلافيف النصوص، حيث لا يوجد شيء يمكن أن يضع حدّاً لدائرة التأويل". [محمد بكّاي: في إزاحة التّخوم: فصوص في جماليات التّفكيك، ص: 23].
وأعتقد بأن العتمات التي يطرحها ديوان الشاعر تمثّل مدخلاً رئيساً لقراءة تتجاوز المقول الظاهر/ البنية السطحية إلى البنية العميقة للكشف عن المكنون والسرّي في تجربة الذات والكتابة. فالوعي بالعتمات سبيلٌ إلى ملء الفراغات والفجوات. وهنا لا بد من القول إن عملية الخلق الفنّي عند بوجمعة العوفي تخضع لنسق كليّ متضافر، من خلال "التشكيل الحسيّ للأصوات والأقوال، والتكوير البارز للمواقف والأحوال، والترتيب الواضح لأشكال التعبير، بحيث تتحوّل حرارة التجربة التي يؤدّيها شعراً إلى طاقة موظّفة لصوغ الجميل وترتيب المقاطع وتحديد المنظور". [فضل صلاح: تحولات الشعرية العربية، ص: 75]، وأوّل ما يواجهنا في الديوان هذه العتبة باعتبارها مدخلاً لولوج أهوال النص ومتاهاته يقول:
"هذا / الغموض لشهوتي.../ والظّل زغب وماء/ يا صاحبي/ قدَر الغريب: الليل/ والألق الحزين" [بوجمعة العوفي: يدي تضيء الأفق بمصباح كفيف، ص: 5]، تطالعنا هذه العتبة بلغة شعرية مشحونة ومكثّفة إيحائيّاً ودلاليّاً، وتقوم جماليّاً على الغموض والرموز وتوارد الصور الحسيّة التي ترمز إلى العالم الداخلي، حيث تتصارع الشهوة والحزن، الرغبة والاغتراب؛ إنها خلاءات مهولة غامضة ذات مداليل متشعّبة ومتداخلة يتصادى فيها الحقيقي والخيالي، الحضور والغياب، الحسي والحدسي" [خارج تقويم العالم - الديوان، ص: 7]. فجمالية الغموض هنا لا تعني عدم القدرة على الإفصاح؛ وإنما هي وسيلة جمالية تجعل المعنى مؤجّلاً.
ومن تجلّيات الصور الحسية المركّبة والمفارقة الملفوظ الشعري الآتي (الظل زغب وماء)، فالشاعر يصيّر "الظل" جسداً ناعماً أسيلاً وليس ظاهرة ضوئية، بعبارة أخرى يغدو شيئاً ملموساً يجمع بين الثبات والتغيّر، وبين الضوء والأسى في عبارة "الألق الحزين"، وهذا يحيل إلى جمالية الخيبة المضيئة، حيث ثنائية الوجود قائمة بين نور الداخل الناقص وحزنه الممتد. أما ملفوظ "الليل الغريب"، فيحمل دلالة العزلة وفضاء للبوح والمناجاة الداخلية، مما يضفي على النص مناخاً وجدانيّاً متوتّراً؛ وهنا مكمن جمالية المفارقة. بل إن الشاعر يترك الفجوة بين الكلام والسكوت للقارئ لردمها بالتأويل. فالوجدان يصبح صوراً شعرية والغربة موسيقى تنشد التخلص من الاغتراب الداخلي والوجودي. فالهوية متصدّعة ومتشظّية ومغتربة مما يعكس توتر الذات مع الوجود والأشياء في بنية خطابية تظل عاجزة عن الإقرار بما يعتمل الأعماق من توترات بين الجسد برغباته المكتومة، والشعور بالاغتراب الوجودي، حيث الذات طِرْسٌ مفتوح على المغامرة والبحث عن الكمال مادام "الشعر لا يقلّد الحياة أو يعكسها، وإنما الحياة هي التي ينبغي أن تقلّد الشعر، وأن تشرئب إليه طموحاً إلى السمو والكمال" [عبد الرحمن عبد السلام محمود: وعي الشعر، ص: 63].
فالشاعر يخلُقُ لغته القائمة على تراسل الحواس، وما استحضاره لأعلام الفن التشكيلي مثل (ماتيس، فان غوخ ...) في نص "البياض يليق بسوزان" إلا دليل على رؤية الشاعر المتجدّدة والمتحوّلة لخلق عالم شعري مُغاير يجسّد الداخل ويبني معناه الوجودي، بوساطة، لغة الأعماق/ الوجدان، فبالخَلْق يواجه الشاعر العدم يقول:
"يتعرّى "ماتيس" من سيرته/ ويبادل عينيه بزهرة أكريليك/ كي ينبت لهما قيظ أخضر/ وسماء نازفة.../ وعشيقان/ ينامان على حافّة قبرهما الشّخصي" [الديوان، ص: 6].
إن التعرّي له دلالة تحيل إلى التخلص من الذاكرة/ التاريخ، بغية ارتياد الخلق والإبداع الذي تمثله "زهرة أكريليك" وباعتبار التوترات الباطنية، والحب امتداداً لهذه الرغبة والقصدية. وهذا يعني أن النص عُرضةٌ للتحويل والتحوير أو التحريف من لدن القارئ، أي إنتاج وإعادة إنتاج النص من جديد. وهذه حال الشاعر الذي ينشغل بما هو بصري، حيث العين تناوش القلب لتحويل المحسوس وغير المجرد إلى صور حدسية تتسمُ بتفرّدها في صناعة الخطاب الشعري. إذْ يقدّم الصور الشعرية خارج العرف التركيبي مما يحدث الصعقة الجمالية، ويضفي على التجربة التداعي الحر المتمثل في هذه المشهدية الشعرية المتواترة في التراكيب الآتية "ليل الغواية/ خوذتها النفسية/ شهوة الحقول/ تقويم الألم/ الليل الآبق/ باحة وقتي/ استعارة بيضاء/ الأرق الأبهى/ أصعد آلامك/ معنى الوحشة/ وجع ضوئي/ الأقدام تعوي الريح من تحت مساكنها..." هذه الأكوان المجازية والاستعارية تبرز اشتغال الشاعر على اللغة في أقصى تجلياتها الفنية والجمالية مُشكّلة عوالم شعرية تستكنه الأعماق والمكنونات و"تبقى مفتوحة لا مغلقة، وتبقى متعدّدة بتعدّد قرائها، وتبقى حداثتها تتجدّد مع كلّ زمن، وتظل احتمالية" [عبد الرحمن عبد السلام محمد: وعي الشعر، ص: 122]. يقول الشاعر:
"هذا جسدي/ مرفوعا بين بيارقكم، ما أدركتم من صيغته فخذوه. وما استعصى على فأس الرّغبة فيّ، دعوه، للحفّارين الجُدُد، للجرحى، للعربات، ولمَن لا حاميَ له، يأويه متى شاء المنهزمون من الشعراء من الحَمقى وممّن ضلّ من العميان المبتدئين طريق السّر إليه/ سيدة الأوقات/ ما كنا لنجيز لَكِ/ نحن المشهود لنا/ بالعِفّة، بالتّقوى/ التأويل المطلق للجسد/ نحن نريد فقط: جسداً من عرَق ونار/ لا / تمحوه الرّعشة/ لا/ تسكنه الكلمات" [الديوان، ص: 40].
يمثّل الجسد، في هذا المقطع الشعري، كونا عاطفيّاً تسعى فيه الذات إلى الانعتاق والتحرّر من سلطة الآخر الذي ينطلق من الرؤية المعطوبة للجسد. أي أن الصراع قائم بين سلطة المواضعات الاجتماعية وإرادة الذات الباحثة عن صوتها المقموع والمصادر اجتماعيّاً. فالتوتّر حاصل بين نسقين: نسقٌ قمعيّ يحدّ من حرية الذات واقعياً وحلميّاً، والثاني تأويليّاً يجعل الجسد منحصراً في الأهواء. بَيْدَ أنّ الشاعر يتوق إلى جسد حيّ متحوّل لا تحدّ جموحه الرعشة ولا تطفئ إشعاعه، بل تجعله أكثر انفلاتاً من التحديد وأكبر من اللغة. ونجد في المقطع صوتين صوت جماعي يتقنّع "بالعفة والتقوى" لكبح الرغبات وإطفاء الأهواء، وصوت فردي تمثّله الذات الحالمة والباحثة عن كينونتها خارج المشترك.
ويمكن اعتبار بوجمعة العوفي شاعر العتمات، فهو يفتح متاهات الجسد الداخلية بغية الكشف عن توهجاتها ورغباتها، وعما تحبل به من توترات باطنية، وما تخفيه من أسرار وخفايا تظل عصية ومنفلتة وملتبسة، وذلك بلغة الوجدان والحواس والحدوس يقول:
"إن كان لديك/ جهة القلب/ ما يُفرح ظلّنا/ شِرْ إليّ به/ فَلُبسُك يفضح افتتانك بي/ لا تُكابِر/ جهة القلب/ لأنه/ ما يُقِرّ بعشقٍ سواه/ مسرعا/ رأيتك تنزل/ صوب ضفاف ليست لنا/ تتعجّل فيك الحساب/ وعينُكَ لا تدري أنّ يدَينا معاً / قُدّتا/ من نفْس الغياب.../ من نَفْس المتاهة.../ ومن شجنٍ لا يكفي الوقتُ لِرَدْمِه، / ناحية القلب/ تجِدْني/ أجالس ظلّكَ في خُلْوته/.../ لو/ يُغنينا فقط/ هذا "المجد" عن الغياب"؟ [الديوان، ص:37-38].
يقدّم المقطع الشعري القلب، باعتباره رمزاً للشعور الداخلي، وآلية أسلوبية لاقتحام تلك العتمات الباطنية الضّاجّة بالانفعالات، والتوترات الناتجة عن ثنائية الحضور والغياب. فالحب حضور وامتداد في الزمان والمكان، والفقد غيابٌ وفراغ داخلي ووجودي "ينزل صوب ضفاف ليست لنا" لكن الغياب هو الجامع والأصل، من خلال، الملفوظ الشعري "يدينا معا قدّتا من نفس الغياب... نفس المتاهة"، فالنزول ضياع والحضور امتلاء، ليتحول العشق إلى بديلٍ عن الفقدان وخلْقٍ لحضور يعوّض تعذّر الوصال. إنها أهوال العتمات النصية التي تبقى دائمة التجدّد والتناسل والتوالد، وقادرة على الانفتاح على الظاهر انطلاقاً من الباطن.
هكذا تؤسس التجربة الشعرية للشاعر-وتحديداً في هذا الديوان- شعرية الجسد ليس كمجرّة للرّغبات والشّهوات، ولكن كأفق للوعي بالكوامن الدفينة في الذات وعوالمها الملتبسة. بل إن المكان/ فاس يصبح جسداً خاضعاً لدورة الزمن وتقلباته يقول الشاعر:
"فاس المنقولة سهوا/ خارج وقتها: جسد للرعشة والحريق/ منذورة شمسُها لشهوة الليل/ ينبت فيها الخوف سريعاً.../ وهذا الطيف المتأرجح بين سماءين... / يصارع ظلّه/ أم ينقل/ ما تبقى من غربة النازحين وسيرتهم؟ / لعله / يغري شمس المدينة بالذهاب إلى مرقده؟" [الديوان، ص: 126].
فالمقطع الشعريّ يقدّم لوحات تشكيلية تهيمن عليها المشهدية البصرية لمكان فاس الجسد السّفْر الذي نقرأ فيه تجليات الرغبة والتحول، النور والعتمة، التوتر والخوف، مما حوّل المكان الجسد إلى بؤرة دلالية تحيل إلى الذاكرة الجمعية بامتداداتها التاريخية والحضارية والانتمائية/ الهوياتية. وقد تمكّن الشاعر من تحويل فاس إلى جسد حيّ يتطلب من القارئ السّفَر في تلافيف ذاكرته المتوهجة والمطفأة في الآن ذاته، بسبب الخوف النابت بسرعة خارقة، بينما الآثار المتبقية تعبير عن الصراع بين الذات المغتربة في المكان كجسد منذور للعابر والآني.
(2) تراسل الحواس باعتبارها مرجعية جمالية:
ويتميّز الخطاب الشعري بهيمنة اللعب التصويري لإضفاء الطابع التخييلي، الذي يقلب الحقائق ويظهر الأشياء على غير حقيقتها لإحداث البسط أو القبض. لكن بوجمعة العوفي يصوغ الحواس في تركيبة إبداعية تعمّق وتوسّع البعد التأويلي. ومن الحواس الموظفة في الديوان نجد البصر والسمع واللمس والشم خالقا بذلك وقائع شعرية جديدة، ومتخيّلا شعريّاً خارقاً ومحفّزاً على المغامرة. ولعل هذه النماذج الشعرية المختارة تشكّل خلفية جمالية في تشكيل الصور البيانية ذات الأبعاد الدلالية، وفي إضفاء الأبعاد الفنية المسهمة في تعميق الرؤية التي يروم نقلها إلى القارئ:
◀ التراسل المرئي
ما يمكن ملاحظته، في هذا الديوان، الهيمنة الجلية لحاسة البصر، حيث اعتمد الشاعر عليها لنقل صور المرئيات والمدركات عبْر اللغة الشعرية، وتحويلها إلى مقوّم فنيّ يطبع الخطاب الشعري بسماتٍ جمالية ودلالية. فالشاعر أعطى للعين/ البصر وظائف إنسانية وفي هذا أنسنة لها يقول:
"عينٌ هنا / تبني منازلها الأليفة بالمتاهة والغسق"، و"رأس / تُطلّ على وساوسها/ تغازل ظلّها/ وتنام/ بين شرارة الشّفق/ الأخير/ وبين سارية السماء" [الديوان، ص: 124].
هذه العين الدالة على حاسة البصر عين استعارية تخرج من وظيفتها البصرية إلى كونها تتسم بمواصفات وأفعال إنسانية، مما جعلها تنزاح عن معناها القريب إلى دلالات بعيدة. فالعين هنا تشيّد وجودها بالمتاهة والغسق. بينما "الرأس" تصبح كائناً حيّاً بمواصفات إنسانية، مما يدل على الانشطار الداخلي والتشظي الوجودي الذي تعيشه الذات وهي تواجه العالم بإرادة الحالم.
ويقول في "قُصاصة" أيضاً:
"في قلبي/ حطّ الطائر هذا الصباح/ حلّق في عينيّ قليلاً/ ثم طاف بحافة الجرح.../ ولكيلا أسجنه في الدمعة: / قمتُ بحذف الغرفة من صدري/ كي / تصل الشمس إلى عينه.../ توجع كبد السماء.../ عين / مجروحة / ترى قلب الطائر / يسرقه الجلّادون.../ يَسُنُّون شرائعَ للكوكب المتهرّئ/ القتلة" [الديوان، ص: 119-120].
تمثّل حاسة البصر بؤرة مركزية في بناء هذا المقطع، وتنماز بالأبعاد النفسية والرمزية، ولها تأثير في توجيه حركة الصورة الشعرية. فالشاعر يقدّم مشهداً داخليّاً حميماً، لطائر يحطّ في قلبه قبل تحليقه في العين. بل يحوّل البصر كوّة تكشف عن الداخل، وما يعتمل فيه من خلجات ومشاعر باطنية ومن توتر وحنين وأوجاع. ويتم تجسيد العاطفة في صورة مرئية. كما يبئّر حضور البصر المقترن بالجرح والألم؛ وهي ثنائية تصيّر الرؤية فعلاً مؤلماً. بمعنى أن وظيفة البصر شاهد عيان على الآلام وهشاشة الكائن. وبالرغم من حدّة الجراح فالشاعر "يحذف الغرفة من صدره" لحماية الطائر وإنقاذه من عتمة الداخل، ومن الظلم الكوني. فتغدو هذه الحاسة وسيلة من وسائل فضح القسوة والشراسة الكونية، وليست أداة للإدراك الحسي. ومن جماليات المقطع الشعري أيضاً أن الشاعر ينطلق من الداخل وينتهي برؤية العالم في شكل تصاعدي، مما جعل العين محرّك الصور الشعرية ورمزاً يثوي الجرح والمقاومة، وبالتالي فحاسة البصر هنا ترسم معالم الألم وتكشف عن هشاشة الذات وقساوة الواقع.
◀ التراسل الحسّي المرئي
لقد كان لتفاعل الشعرية العربية الحديثة، مع الحركة الرمزية الغربية، أثر في جنوح الشاعر العربي الحديث إلى استثمار تراسل الحواس كمنحى فنيّ في بنية القصيدة، مما أضفى عليها طابعاً حداثيّاً وتجديديّاً يمزج بين المادي والروحي. ومن ثم نلاحظ في الديوان غلبة "التراسل الحسي" القائم على حاسة البصر، ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع: تراسل مرئي سمعي وتراسل مرئي شمّي، وتراسل مرئي ذوقي.
أولاً: التراسل المرئي اللّمسي السمعي:
ما يثير في هذا الديوان اقتدار الشاعر على إسناد صفاتٍ إنسانية إلى المدركات المرئية واللمسية والسمعية مثل قول الشاعر:
"كثيراً ما افترضت لأشجاري أرواحاً يانعة. ولأشيائي الصّغيرة حيوات أخرى. ورأيت لكل الأمكنة عيوناً وأصابع تنغرس في جسدي كلّما شغّلت –في السّر- طفولتي مثل شاشة عرض صغيرة... كثيراً ما مرّرْت يدي على هذا الصّخب الهائل -كاتماً صوته- كي تصل الألوان فقط إلى جنتي" [الديوان، ص: 9].
ما يميّز هذا المقطع الشعري الحضور المكثّف للحواس المتداخلة والمتشابكة في نسيج جمالي، تكشف عن عالم داخلي زاخر بالصور والانفعالات. إذْ يحوّل الشاعر، بواسطة حاسة البصر، المرئي الجامد إلى كائنات تشاركه تجربته الوجدانية، بل إنه يوظف هذه الحاسة لتشكيل ذاكرة الطفولة في صور بصرية من خلال تشبيهها بـ"شاشة عرض صغيرة"، فتصبح الذاكرة مشهداً مرئياً لا إحساساً، وتجسيداً لأثر الأمكنة والذكريات على الجسد. لهذا يعمد الشاعر إلى توظيف حاسة اللمس في صور مؤثّرة تبلغ مداها التأثيري والجمالي عندما يمرّر الشاعر يده على "الصخب الهائل" كشيء مدرك وملموس يُكتَم باليد. كما تحضر حاسة السمع، من خلال، "الصخب" للتعبير عن الدواخل المضطربة النابعة والمتدفقة من الذاكرة الطفولية. بل إن الشاعر جعل اللون مدركاً يعاش حسّيّاً، لتصبح الألوان رمزاً للخلاص الداخلي. هكذا استطاع الشاعر نسج هذه الحواس كلها في شبكة تفاعلية متداخلة، وخلق عالم شعري يغدو فيه الصوت مدركاً والأمكنة مبصرة والذاكرة متدفقة بالصور الحسية.
ثانياً: التراسل المرئي السمعي
يظهر التراسل الحسي في صيغة شعرية ترسم معالم الباطن بلغة تتسم بالحركية والفاعلية، ويُحدث تحوّلاً من الحال البصرية إلى الحال السمعية يقول الشاعر:
"الباب/ الذي/ أغوته سريرته/ هو نفس الباب الذي: / ينغلق على نصف الصّرخة/ يحرمه الصدى/ ويسير وراءكَ في الجنازة" [الديوان، ص: 106]
يقدّم المقطع الشعري صورة بلاغية مركّبة تقوم على التشخيص، من خلال، تحويل الشاعر "الباب" إلى كائن حيّ يتحلّى بصفات إنسانية، فهو يمتلك الإرادة في اتخاذ القرارات، ويقتفي أثر الإنسان ميّتاً، وتغويه سريرته " أغوته سريرته". هكذا يتّحد التراسل المرئي والسمعي في وحدة كلّية بغية الكشف عن حال التوتر، والانفعالات الكامنة في الأعماق والكاشفة للذات المتشظية. ويبرز هذا التراسل وسياقه الشعري الآثار النفسية على الصياغة الشعرية. ومثل ذلك ما أضفاه التلاحم بين المرئي والسمعي في بناء شعري سمتُه التداعي يستحضر زمناً طفوليّاً حافلاً بذاكرة أبيسية، وأمومية تطوي تلك العلاقة السّرّية بين الذات، وهاته الذوات التي تمثّل هوية وجوده وتحقيق كينونته. وما عودة الذات إلى الطفولة إلا حيلة أسلوبية للاحتماء بعالمٍ الطهر والبراءة والصفاء الروحي. ففي مقطه "سيرة العين" يضع الشاعر القارئ أمام شاشة الذاكرة مستعرضاً صوراً وأصواتاً تتماهى في صورة واحدة موحّدة بؤرتها "سيرة الطفولة" يقول:
"أولّ ما فتحتُ في سِيَر الطفولة: / ذاكرة الحواس/ حافة عيني المظلَّلة/ بتباعدات السواد/ هنالك كان أبي بمصاحفه الثقيلة/ يقرأ خاتمة الكون/ يرش نساءه السُّمّاق/ يعبث مُنتحبا بأصابعهن الطرية/ ويعلن أن القيامة قادمة/ لا محالة/ .../ من ثمّ / تحمل سيرتي/ صيغة هذا الترقّب، وصوتَ أبي العميق.../ المحكوم كنبرته/ بعنف نهايات مُحتمَلة" [الديوان، ص: 31].
ما نلاحظه، في هذا المقطع الشعري، قدرة الشاعر على التقاط صور شعرية مضيئة في مشهدية سردية تفصح عن حكيّ متعلّق بالأب الفقيه، وطفل يسترجع هذه الذاكرة المفعمة بالرهبة والذهول والاحتمالات. لكن ما يميّز المقطع التدوير التراسلي بين المعطيات المرئية والمسموعة، مما أضاء الأثر النفسي وتداعياته [المحمودي عبده منصور: التراسل الحسّي في تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح، ص: 175]. هذه التداعيات المتراوحة بين المدركات البصرية والسمعية مكّنت الشاعر من التعبير عن دواخله، ومشاعره الدفينة تجاه مرحلة من مراحل وجوده (الطفولة).
ما يمكن الخلوص إليه أن هذا المقطع الشعري يتبّع "نموذجاً سرديّاً من السير الذاتية المألوفة، وتجري عليه تعديلاً يقوم بتشعيره وتكييفه كي يتطابق مع صورة" [صلاح فضل: تحولات الشعرية العربية، ص: 95]. الذات الأبوية باعتبارها مرآة الشاعر الطفولية، التي تتمرأى فيها حقيقة الذات الشاعرة وكنهها الوجودي.
ثالثاً: التراسل المرئي الشمّي
يتميّز التراسل المرئي الشّمي في شعر الشاعر بالاشتغال العميق بالحواس وتوظيفها بطريقة جمالية تزيد من حركية التجربة وتعدّدها التأويلي، إذ تمكّن الشاعر من تحويل الديوان إلى لوحات تشكيلية جوهرها صور مرئية وسمعية وشمّية ولمسية أساسها التصوير المجازي والاستعاري، أضفى على اللغة سحراً وطابعاً جمالياً. ومن تجليات تراسل المرئي إلى الشمي نقف عند هذا النموذج الشعري يقول:
"على المباشر/ تبدو مذيعة آخر القرن/ مثل دمية الواجهات البرّاقة/ تُغمض عينيها بالكثير من الرّقّة/ كي تُوهِم ضيفَها بالألم الذي يستبدّ/ بآخر العالم.../ لكن رائحة النفط / تفضح المذيعة قبل الضيف" [الديوان، ص: 103].
يطالعنا المقطع الشعري بمشهد بصري مباشر معتمد على الأسلوب الخبري (مذيعة آخر القرن، دمية الواجهات البراقة، تغمض عينيها برقّة...) مما يوقع القارئ في حبائل الصدق والكذب، فالواجهة تظهر المذيعة متعاطفة مع ما يحدث من آلام في العالم، وهو تزيين بصريّ يوهم بذلك، لكن الشاعر يحدث مسافة جمالية –بتعبير إيزر- بمجرد انتقاله من المرئي إلى الشمّي يتنافر ويتضاد مع المشهد البرّاق بزج "رائحة النفط" ليتحول الإدراك من الرؤية إلى الشمّ، كآلية أسلوبية لفضح زيف الممارسة الإعلامية، وما بلغته من التضليل وطمس للحقائق. هكذا تقلب الرائحة الصورة من وظيفتها التجميلية التضليلية إلى وظيفتها المُعرّية والفاضحة، أي بتحطيم سلطة الصورة وفرض سلطة الأخلاق. ومن تم فالتراسل المرئي الشّمي أصبح آلية لتفكيك الخطاب الإعلامي المزيّف.
هذه العينات الشعرية التي اكتفينا بها -تمثيلاً لا حصراً - للتدليل على أن الشاعر بوجمعة العوفي يمتلك تصوراً لكتابة شعرية لا تكتفي باللغة كأداة للقول والتعبير، بل تنفتح على أشكال التعبير الإنسانية كالسرد والتشكيل والتصوير مُستثمراً الحواس كلّها لبناء خطاب شعريّ متعدّد من حيث التقنيات الأسلوبية والفنية المستمدّة من أجناس أدبية أخرى، ومن رؤية حداثية تستلهم المفاجئ والمذهل تركيباً وتشكيلاً لإحداث ثورة جمالية وفنية في النص الشعري.
على سبيل البدء:
يؤمن الشاعر بوجمعة العوفي أن الشعر لا يستقيم باتبّاع الأسلاف والسير على هديهم، وإنما بخلق تجربة شعرية تستمد وجودها الجمالي والفني من جماليات الإبداع الإنساني، والإيمان بأن الخرق والتجاوز من سمات الشعر المفارق والمضايف للأجناس الأخرى دون أن يفقد الشعر جوهره الانحراف أو التكتم الشعري بعبارة هارولد بلوم.