الشعر والأمثال «دُرّة الحكايات الشعبية» في الإمارات

حوار مع د. راشد أحمد المزروعي

حاوره: د. أحمد سعد الدين عيطة


يُعدّ الدكتور راشد أحمد المزروعي أحَد الأسماء البارزة في المشهد التُّراثي الإماراتي، ومن الباحثين الذين كرّسوا جهودهم لحفظ الذاكرة الشعبية، وتوثيق الشعر الشعبي الإماراتي والأمثال والحكايات الشعبية المتوارثة. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الميداني، استطاع المزروعي أن يشيّد مشروعًا بحثيًا سجل حضورًا مهمًا في الوعي الثقافي الإماراتي.


وفي هذا الحوار، نستعرض معه محطات من نشأته، وبدايات اهتمامه بالتراث الشعبي، وتجارِب الميدان، ورؤيته للعلاقة بين التراث والهُوية الوطنية.
 

البيئة الأولى… النخيل والبادية ومجالس الكبار

يستعيد الدكتور راشد المزروعي ملامح طفولته الأولى في بيئة بدوية زراعية، وسط واحات ممتلئة بأشجار النخيل ومياه الأفلاج في مناطق فلَج المعلّا والذيد. تلك البيئة الصحراوية – الزراعية في آن – شكّلت مدرسته الأولى في الوعي بالتراث وقيم المجتمع.

يقول المزروعي: إنَّ تلك النشأة منحته فرصة العيش بين تفاصيل الحياة الأصيلة، بين الإبل والنخيل، وبين كبار السن الذين كانوا يجتمعون في المجالس اليومية، حيث تُروى القصص، وتُقال الأمثال، وتُستعاد ذكريات الأجداد. ويؤكد أن غياب الوسائل الحديثة في تلك الفترة جعل المجالس مصدر المعرفة الأساسي، ومن خلالها تشكّلت أولى بذور اهتمامه بالتراث الشعبي.

البدايات.. شرارة الشغف ومرافقة الشعراء

بدأ ارتباط الدكتور المزروعي بالتراث الشعبي في سن مبكرة، وكان الدافع الأول وجود شاعر كبير في العائلة –نسيبه- الذي كان يوثّق شعره ويكتبه له. هذا الاحتكاك المباشر بعالم الشعر الشعبي جعله يدرك قيمة النصوص الشعرية الشفهية، وأهمية حفظها من الضياع، خصوصًا في مجتمع كان الكثير من معارفه يتناقل شفاهة.

غير أن اللحظة الفارقة في مسيرته جاءت في التسعينيات حين قرر جمع شعر الشاعر المعروف محمد بن علي الخيّال الطنيجي، الذي كان شعره محفوظًا في صدور الناس، وذلك بعد وفاته عام 1986. وقد استغرقت عملية جمع القصائد من الرواة وتدقيقها وتدوينها نحو عامين، انتهت بإصدار ديوان "طش الروايح" عام 1994؛ وهو أول إصدار تراثي للمزروعي، وبداية مسيرة طويلة في حفظ الشعر الشعبي.

مجالس الكبار… ذاكرة حية

وحين يُسأل عن الذكريات الأولى التي أثّرت في مساره، يذكر المزروعي مجالس الكبار بوصفها ذاكرة حقيقية، ليس فقط للمجتمع بل لمسيرته العلمية. فقد كان يجلس طويلًا في تلك المجالس، ويستمع للأمثال التي تُقال في سياق المواقف اليومية، ويكتبها فورًا قبل أن تُنسى. ويروي أنه كان أحيانًا يُدهش أصحاب المجلس عندما يلاحظون أنه يسجل كل مثل جديد يسمعه:
"كانوا يستغربون من إصراري على التدوين، لكني كنت أدرك أن كل مثل هو خلاصة تجربة وثقافة، ولا بد أن يُحفظ".

كما يتحدث عن المواقف الطريفة والصعبة التي واجهته في بداية مشواره الميداني: كرواة يحددون موعدًا ثم يتراجعون، أو يُقال له عند الوصول إن الراوي مريض، أو يسافر مسافة طويلة ليكتشف أن ما لدى الراوي قليل أو غير مفيد. ومع ذلك، يرى أن هذه التجارب كانت دروسًا ضرورية لأي باحث في التراث الشفاهي.

التراث والهوية… علاقة لا تنفصم

يربط المزروعي بين التراث الثقافي والهوية الوطنية برباط وثيق، مؤكدًا أن التراث الشعبي-بما يحمله من فنون وأمثال وحكايات وأشعار- يمثّل الركيزة الأساسية في بناء الهُوية. ويقول:
"إذا لم نحافظ على تراثنا فلن نستطيع الحفاظ على هُويتنا. التراث ليس مجرد مادة للبحث الأكاديمي، بل هو روح المجتمع، وذاكرته التي تميّزه عن غيره".
 ويضيف إنَّ الهُوية الوطنية الإماراتية تستمد كثيرًا من خصوصيتها من الفنون التقليدية مثل العيّالة والرزيف، ومن الحكايات الشعبية والأمثال التي تجسّد القيم الاجتماعية المتوارثة.

التجربة الميدانية الأولى… رحلة البحث عن شاعر مفقود

يُعدّ جمع ديوان الشاعر محمد الخيّال الطنيجي أولى التجارب الميدانية للمزروعي. فقد اعتمد على جهاز تسجيل بسيط، وبدأ رحلته في جمع الشعر من كبار السن في المنطقة الوسطى، ومن الرواة الذين حفظوا القصائد عن ظهر قلب.

كانت المهمة صعبة؛ لأن الشعر كان مبعثرًا بين الروايات المختلفة. لذلك كان يقوم بجمع نسخ متعددة للقصيدة الواحدة، ويقارن بينها، ويكمل النقص، ويضبط النص ليخرج بأقرب صيغة للنص الأصلي. وقد نجح في جمع نحو ستين قصيدة، ما جعل الديوان حجر الأساس في مشروعه البحثي اللاحق.

وبعد هذا الإنجاز، توالت أعماله، فأعدّ ووثّق دواوين شعراء كبار من الإمارات، صدرت في التسعينيات، أمثال:
◅ ديوان الشاعر علي بن سلطان بن بخيت العميمي (ابن البادية).
◅ ديوان الشاعر خميس السماحي.

الرواة… ركائز الذاكرة الشعبية

يعترف الدكتور المزروعي بأنَّ ما جمعه من تراث لم يكن ليتم لولا الرواة الذين قابلهم في رحلاته الميدانية، من مختلف إمارات الدولة. وقد اعتمد على عشرات الرواة الذين حفظوا الشعر، أو الأمثال، أو القصص الشعبية، ومنهم:
علي بن سلطان بن بخيت العميمي.   محمد بن صنقور.   راشد السويحي.   سيف بن خلفان البدواوي.   خلفان بن جرش.   حمد بن خميس العليلي.   عبيد بن حرمل الشامسي.   سعيد بن حرمل الشامسي. 
عبيد الزريف.   علي المينون.   ناصر الخيلي.   محمد سعيد الرقراقي.   خلفان بن ملهم الظاهري.   عبيد بن معضد النعيمي.   راشد بن عبلان الكتبي.

ويشير إلى أنه جمع من هؤلاء وغيرهم مادة ضخمة من الشعر والحكايات الشعبية -لا سيما القصص الخرافية التي كانت الجدّات يروينها- إلى جانب التقاليد والسوالف الشفاهية.

توثيق الشعراء… حفظ النص وصون السيرة

يؤكد الدكتور راشد أحمد المزروعي أن ما أنجزه في مجال جمع الشعر الشعبي يتجاوز الرقم المتداول عن خمسة وعشرين ديوانًا، إذْ يقترب رصيده الفعلي من خمسين ديوانًا شعبيًا، جميعها لشعراء من "الزمن الجميل"؛ أي شعراء المرحلة السابقة والمرحلة المعاصرة لبدايات دولة الإمارات، أو ما يسميهم بـ"شعراء فترة الشيخ زايد".

ولا يقتصر مشروعه –كما يوضح– على جمع النصوص الشعرية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى التوثيق السير الذاتية للشعراء، حيث يحرص على كتابة السيرة الاجتماعية الكاملة للشاعر: أصله القبلي، وتنقلاته، وأعماله، وبيئته، وصلاته العائلية، وبدايات تجربته الشعرية، وسياقه التاريخي والاجتماعي.

ويقول في هذا السياق: "تميّزت في أني لا أقدّم النص وحده، بل أقدّم الشاعر إنسانًا وتاريخًا. بعض الشعراء متوفون، فتكون المهمة أصعب، وألجأ فيها إلى أقاربهم والرواة ومعارفهم. أمَّا الشعراء الأحياء فأحرص على أخذ المعلومات منهم مباشرة".

ويرى المزروعي أن هذا الجهد ليس جهدًا شخصيًا أو بحثًا عن الظهور، بل هو واجب وطني، لأن كثيرًا من الشعراء الذين وثّقهم كانوا مهددين بالنسيان الكامل، ولو لم تُجمع أشعارهم لضاعت دون أثر.

ويضيف:" ومن أهم الإنجازات التي أفتخر بها في هذا المجال بعد هذه المجموعة من الدواوين الشعرية، هو: "موسوعة أعلام الشعر الشعبي في الامارات" والتي صدر منها حتى الآن 4 أجزاء. وقد صدرت من أكاديمية الشعر في أبو ظبي، وما زلت مستمراً في تكملة أجزائها. ويحتوي كل جزء على 16 شاعراً شعبياً من الشعراء القدماء أو شعراء الفترة الحديثة، مع سيرة كاملة عن حياتهم ونماذج من أشعارهم المتوفرة".

بين الجهد الذاتي والرسالة الوطنية

يلفت الدكتور المزروعي إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الدواوين أُنجز على نفقته الخاصة، سواء في الطباعة أو الإخراج أو إعادة النشر، حتى بعد انتهاء علاقته المؤسسية ببعض الجهات الثقافية.

ويصرّح بوضوح:
"أنا لا أعمل للعرض، أعمل لخدمة وطنية. هذه الأشعار وثّقت التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للإمارات. أنا في الحقيقة أدوّن تاريخًا اجتماعياً، وأفخر بذلك". من هذا المنطلق، ينظر المزروعي إلى الشعر الشعبي بوصفه وثيقة اجتماعية كبرى، تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وأنماط العيش، والتحولات الاقتصادية، والعلاقات السياسية، وصورة المجتمع قبل النفط وبعده.

القصيدة الشعبية: لوحة زمنية ناطقة

وفي حديثه عن دور القصيدة الشعبية في توثيق الموروث الإماراتي، يؤكد الدكتور المزروعي أن القصيدة ليست نصًا جماليًا فحسب، بل هي مرآة لعصرها، وكذلك "لوحة كاملة للحياة في الماضي". ويشير إلى امتلاكه قصائد تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين، توثق أحداثًا بعينها، وتكشف تفاصيل دقيقة عن المجتمع الإماراتي في فترات تاريخية مختلفة، سواء كانت القصيدة غزلية أو اجتماعية أو سياسية.

ويضيف:
"حتى القصيدة الغزلية تحمل في طياتها ملامح الحياة: كيف كان الناس يعيشون، كيف كانت البيئات، القيم، اللغة، الصور. لا توجد قصيدة بلا زمن". ومن هنا، يرى أن الشعر الشعبي يمثل أحد أهم مصادر كتابة التاريخ غير الرسمي، أو ما يمكن تسميته بالتاريخ الاجتماعي الشعري.

ما وراء الشعر: موسوعة الأمثال والأقوال الشعبية

لا يقتصر اشتغال الدكتور المزروعي على الشعر وحده، بل يمتد ليشمل الموروث الشعبي بمفهومه الشامل. فقد أنجز مشروعًا ضخمًا في الأمثال الشعبية، جمع فيه ما يقارب "أربعة آلاف مثل"، صدر في جزأين حتى الآن، مع العمل على الجزأين الثالث والرابع.

وفي إحياء الموروث الشفاهي والحكايات الشعبية، يفتخر المزروعي بمنجزه الحكائي:
"دُرّة الحكايات الشعبية: قصة اليازية والعقيلي"

وهنا يصل الحديث إلى واحدة من أهم إنجازات المزروعي في مجال السرد الشعبي، وهي ما أطلق عليه "دُرّة الحكايات الشعبية في الإمارات"، والمقصود بها حكاية اليازية والعقيلي.

يوضح المزروعي أنه جمع هذه الحكاية من أفواه الرواة في عام 2015، ونشرها أولًا في مجلة التراث التي كان يرأس تحريرها، ثم فتح باب التعقيبات والنقاش العلمي حولها. ويشير إلى أن المفاجأة الكبرى كانت في حجم التفاعل العربي معها، إذْ وردت تعقيبات من باحثين من مختلف الدول العربية، تناولت:
- شخصيات الحكاية.
- رموزها.
- أبطالها.
- الحيوان والجماد فيها.
- علاقتها بالسير الشعبية الكبرى.

لاحقًا، جمع المزروعي هذه المادة في كتاب مستقل، صدر عن دار التراث الشعبي التي أسسها بنفسه في عام 2017، وتولى تمويل الكتاب ورسومه بالكامل، بما في ذلك لوحات الفنان المصري الكبير حسن الشرق (رحمه الله)، والتي ما تزال أصولها محفوظة لديه.

بين الحكاية الإماراتية والسيرة الهلالية

من أبرز نتائج هذا العمل أن عددًا من الباحثين العرب، لا سيما من مصر، قارنوا بين حكاية الجازية أو اليازية والعقيلي والسيرة الهلالية، وخلصوا إلى أنَّ الحكاية تُمثل امتدادًا أو فرعًا سرديًا من السيرة الهلالية في الخليج العربي. ويكشف المزروعي عن مشروع كتاب جديد، لأحد الباحثين المصريين، يتناول مقارنة علمية بين النصين، ومن المتوقع صدوره قريبًا في أحد معارض الكتاب الكبرى، مثل معرض أبوظبي الدولي للكتاب.

 

خلاصة:

تُبرز هذه المقابلة المشروع الثقافي للدكتور راشد أحمد المزروعي بوصفه مشروعًا تأسيسيًا في صون الذاكرة الشعبية الإماراتية، قام على العمل الميداني الدؤوب، ومقابلة الرواة، وتوثيق الشعر والحكايات والأمثال في مرحلة كانت فيها أدوات التدوين محدودة. وقد أسهم هذا الجهد التراكمي في بناء رصيد معرفي جعل من المزروعي مرجعًا مهمًا في دراسات التراث الشفاهي. ويقدّم المزروعي نموذجًا للباحث الذي حمل مسؤولية التوثيق بوصفها فعلًا وطنيًا وثقافيًا، يربط الأدب الشعبي بتاريخ المجتمع وهويته، ويؤكد أن صون التراث ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لحماية الذاكرة الجماعية في مواجهة التحولات المتسارعة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها