تبدو رواية «أُغالب مجرى النهر» للروائي الجزائري سعيد خطيبي عملًا سرديًا مشغولًا بعناية على تفكيك البنية الاجتماعية والثقافية التي تُنتج الألم الإنساني، عبر الأحداث، وعبر اللغة اليومية المتداولة؛ تلك اللغة التي تتخفى في هيئة أمثال شعبية، وحِكم متوارثة، وأقوال عابرة تبدو في ظاهرها بريئة أو مألوفة، لكنها في العمق تكشف تاريخًا كاملًا من الهيمنة والخوف والتمييز والتصورات الجاهزة عن المرأة والرجل والحب والزواج والفقر والموت والسلطة.
لا تستخدم الرواية الأمثال زينةً فولكلورية أو ملمحًا محليًا فحسب؛ وإنّما تجعلها جزءًا من النسيج النفسي والاجتماعي للشخصيات، وتتحرك هذه الأقوال داخل الرواية بوصفها «سلطة موازية»؛ سلطة غير مكتوبة، لكنها أشد حضورًا من القوانين الرسمية؛ لأنّها مستقرة في الوعي الجمعي، تنتقل من الصغار إلى الكبار، ومن الشارع إلى البيت، ومن الذاكرة إلى السلوك.
ومن هنا؛ فإنّ قراءة الأمثال الواردة في الرواية تعني قراءة مجتمع كامل وهو يتكلم عن نفسه.
سلطة اجتماعية خفية:
تكشف الرواية منذ صفحاتها الأولى أنّ الإنسان في هذا العالم لا يعيش حياته بحرية كاملة؛ إنّه يعيش محاصرًا بما يقوله الناس عنه، وبما ورثه المجتمع من تصورات جاهزة، لذلك تتكرر الأمثال بوصفها أدوات حكم مسبقة على الشخصيات، فحين تقول إحدى الشخصيات: «امرأة بلا رجل مثل دار بلا سقف» (ص: 35)، أو «المرأة ما تخرجش من دارها» (ص: 149)، أو «المرأة يربيها أبوها وزوجها» (ص: 210)، فإنّ الرواية لا تورد هذه الأقوال لتؤكدها، ولكن لتكشف حجم البنيّة الذكورية التي تحاصر المرأة وتحصر وجودها في التبعية والطاعة.
وتزداد هذه الرؤية قسوة في الأقوال المرتبطة بالإنجاب، مثل: «الزواج الذي لا ينجب ذكرًا مضيعة للوقت» (ص: 27)، و«من لم ينجب إلا البنات شجرة لا أغصان لها» (ص: 203)، و«الذكر عماد الدار» (ص: 204)، و«من لم تنجب ذكرًا تمت ميتة الكلاب» (ص: 124)، و«من لا ولد له يشبه عجوزاً بلا عكاز» (ص: 204)، و«البنت تجيب الصبار، والولد يجيب النوار» (ص: 208). فهنا يتحوّل الذكر إلى معيار للقيمة الاجتماعية، بينما تُختزل المرأة في وظيفتها الإنجابية، ويصبح وجودها ناقصًا إذا لم تُنجب ولدًا. والمهم أنّ الرواية تقدم هذه الأمثال لتفضح عنفها الرمزي، إذْ تكشف كيف تتحوّل الكلمات الموروثة إلى أدوات إذلال نفسي دائم.
الوعي الشعبي المتشائم:
ثمة حضور كثيف للنبرة السوداوية في الأقوال الشعبية داخل الرواية، وكأنّ المجتمع فقد ثقته بالحياة وبالعدالة وبالعلاقات الإنسانية؛ فمن قبيل: «اللي يدير الخير يعيش ذليل» (ص: 85)، و«الصدق يجلب لنا أعداء لا رفاقًا» (ص: 253)، و«تعلمت أن الذي يعيش عزيزًا يفنى ذليلًا» (ص: 167)، و«الانتظار شبيه بالموت» (ص: 266)، فهذه الأقوال لا تعبّر عن حكمة متوازنة بقدر ما تعكس خبرة اجتماعية مريرة؛ خبرة تشكّلت في بيئة يغلب عليها القهر والخذلان وانكسار الأحلام، ولذلك يبدو الإنسان في الرواية كأنّه يعيش دائمًا في حالة دفاع نفسي ضد الحياة.
حتى الحب والزواج لا ينجوان من هذا التشاؤم؛ إذ تقول الرواية: «إن الزواج مصيدة» (ص: 67)، و«كلما ازدادت ثقة المرأة في زوجها ازداد ميله إلى خيانتها» (ص: 36)، و«الرجال عبيد شهواتهم» (ص: 277). إنّها رؤية مأزومة للعلاقات الإنسانية، تجعل الحب مساحة تهديد لا مساحة أمان، وتحوّل العلاقة الزوجية إلى علاقة شك وصراع ومراقبة متبادلة.
مستودعات الألم:
من أجمل ما في الرواية أنّها تجعل الأمثال امتدادًا للذاكرة الجمعية، لا مجرد عبارات محفوظة. فبعض الأقوال تأتي مشبعة بالتأمل الإنساني العميق، مثل: «للذاكرة غربال، تستبعد أشياء وتحتفظ بأخرى» (ص: 39)، و«موت المقربين يسلبنا قبسًا من نور الحياة» (ص: 104)، و«الحضن أصدق لغات العزاء» (ص: 106)، و«أمام الموت لا نستطيع ادعاء عكس ما يدور في صدورنا» (ص: 233).
هنا يغادر المثل وظيفته الاجتماعية المباشرة، ليصبح تعبيرًا فلسفيًا عن هشاشة الإنسان أمام الفقد والزمن والموت، وكأنّ الرواية تريد القول إنّ الشعوب لا تحفظ تجاربها في الكتب وحدها، تحفظها أيضًا في العبارات التي تتداولها الألسنة.
ولذلك فإنَّ الأمثال في الرواية تؤدي وظيفة أرشيفية؛ إنّها تحفظ خوف المجتمع، وأحلامه، وخيباته، ونظرته إلى المرأة، وإلى السلطة، وإلى القدر.
الهوية المحلية:
تنجح الرواية عبر هذه الأمثال في ترسيخ نكهتها الجزائرية الخاصة، فاللغة هنا ليست فصحى مجردة؛ وإنما لغة هجينة تنفتح على العامية والشفوي واليومي، مثل: «خليني نبكي وانوح... خلي مشكلي مطروح» (ص: 38)، و«السبولة عطشانة... اسقيها يا مولانا» (ص: 148)، و«وحداني غريب في بلاد الذيب» (ص: 151)، و«طغاو عليّ الناس بالعجوب... وسمايا عامرة غيوم» (ص: 143). و«اللي تقرأ بزاف، تتوجع بزاف» (ص: 108).
إنّ هذه العبارات تمنح النص حرارة الحياة اليومية، وتجعل القارئ يشعر بأنّه لا يقرأ خطابًا نخبويًّا، بل يسمع أصوات الناس الحقيقيين وهم يتحدثون في البيوت والأسواق والطرقات، وهذا ما يمنح الرواية صدقها الفني؛ فهي لا تصطنع البيئة؛ وإنّما تجعل البيئة تتكلم بلغتها الخاصة.
أداة نقد اجتماعي:
لا تقف الرواية عند نقل الأمثال، بل تستخدمها لكشف تناقضات المجتمع نفسه. ففي الوقت الذي يكرر فيه المجتمع أنّ «زين المرأة في حشمتها» (ص: 165)، نجده يمارس قمعًا مضاعفًا ضد المرأة، وفي الوقت الذي يرفع فيه شعارات سياسية كبرى، تحضر السخرية اللاذعة في العبارة: «من الشعب إلى الشعب»، حرّفه الشعب إلى «من النهب إلى النهب» (ص: 190).
إنّ هذا التحوير الشعبي للشعار السياسي يكشف وعيًا جماعيًا ساخرًا من الخطاب الرسمي، ويؤكد أنّ الشعب كثيرًا ما يستخدم الفكاهة واللغة الساخرة لمقاومة الخيبة السياسية.
كما أنّ الرواية تنتقد الذهنية الاجتماعية التي تصنع الأحكام المطلقة، مثل: «الخنزيرة لا تتزوج إلا خنزيرًا» (ص: 88)، أو «الأسود لون الشر» (ص: 108)، فهذه الأقوال تكشف كيف يتحوّل المثل أحيانًا إلى أداة عنصرية أو إقصائية، تُعيد إنتاج الأحكام المسبقة داخل المجتمع.
بين التجربة والخرافة:
ومن اللافت في الرواية أنّ بعض الأقوال تقوم على خبرة إنسانية عميقة، بينما يقوم بعضها الآخر على الخرافة والتعميم والاعتقاد الشعبي غير العقلاني، فحين تقول الرواية: «كي تصدّق كلامي، عليك أن تفتح عقلك لا أن تنحاز إلى رأيك» (ص: 63)، أو «مَنْ قال أنا أعلم، فهو لا يعلم» (ص: 217)، فإنّها تطرح حكمة تأملية قريبة من الفكر الفلسفي. لكنها في المقابل، تكشف انتشار التصورات الخرافية والجسدية الساذجة، مثل: «الرجل السوي أذناه صغيرتان» (ص: 58)، أو «من يظهر شيبها يبطل كلامها عن الحب» (ص: 27).
وهذا التداخل بين الحكمة والخرافة يعكس طبيعة الثقافة الشعبية نفسها؛ فهي ليست نسقًا عقلانيًا صافيًا؛ وإنّما خليط من التجربة والجهل والموروث والعاطفة والخوف.
مرآة الهشاشة الإنسانية:
إنّ كثافة الأمثال في «أُغالب مجرى النهر» تجعل الرواية أقرب إلى سجلّ اجتماعي للوعي الشعبي الجزائري والعربي عمومًا؛ فالشخصيات لا تتكلم من داخل ذواتها فقط؛ وإنّما تتكلم من داخل ميراث طويل من العبارات الجاهزة التي تسكنها وتوجّه أحكامها ومخاوفها وعلاقاتها.
ولهذا، فإنّ الرواية تنجح في تحويل الأمثال والأقوال الشعبية من عنصر تراثي جامد إلى أداة فنيّة حيّة تكشف هشاشة الإنسان وهو يحاول فهم العالم عبر اللغة الموروثة.

وبعد؛ إنّ رواية «أُغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد الخطيبي، نالت جائزة الرواية العربية العالمية (البوكر) عام 2026، وصدرت في بيروت عن دار نوفل سنة 2025، وتكشف أنّ الأمثال الشعبية ليست مجرد زينة لغوية أو إرث شفهي عابر، إنّها مرآة دقيقة للوعي الجمعي بما يحمله من خوف وتحيز وأحلام ومرارة وتجارب متراكمة، فكل مثل في الرواية يبدو وكأنّه قطعة صغيرة من تاريخ اجتماعي طويل، تختلط فيه الحكمة بالخرافة، والحقيقة بالقسوة، والمحبة بالخوف، والإيمان بالاستسلام.
ومن خلال هذا التوظيف الكثيف للأمثال، ينجح سعيد خطيبي في بناء رواية تتكلم بلسان الناس الحقيقيين، لا بلسان اللغة النخبوية المعقمة، لذلك تبدو الأمثال في الرواية كأنّها شخصيات موازية للأبطال؛ تحضر معهم، وتؤثر في قراراتهم، وتعيد تشكيل نظرتهم إلى الحياة والموت والحب والزواج والكرامة.
وفي النهاية، لا نخرج من الرواية مستمتعين بأحداثها، ومعجبين بلغتها الجميلة، وحبكتها المحكمة، وسردها السلس، وتشويقها المبهر فقط؛ نخرج أيضًا مصغين إلى ذلك الصوت الشعبي العميق الذي ظلّ يهمس في صفحاتها وبين أسطرها: إنّ المجتمعات لا تُروى فقط عبر التاريخ الرسمي؛ وإنما تُروى أيضًا عبر سيرة خفية تتمثل في أمثالها وأقوالها وطقوسها وعاداتها وحتى عبر خرافاتها وهلوساتها.