ذاكرة اللمس

البنية الإستتيقية في مشروع دلال صماري

عز الدين بوركة


يُبنى المشروع الفني للفنانة التونسية دلال صماري، كما يشهد على ذلك معرضها "البيْن" النادي الثقافي العربي بالشارقة (فبراير-مارس 2026)، على فعل اشتغال يتقدّم فيه التفكير عبر المادة، حيث يتكوّن المعنى أثناء الممارسة، فاسحة للدلالة والرمز مساحة رحبة، موظفة إياهما داخل دائرة عمل بصري قوامه إعادة التدوير، مما يسمع للشكل أن يبرز بوصفه أثرا زمنيا لفعل متكرر. فالمنجز هنا نتيجة علاقة ممتدة بين الجسد والخامة، بين المعرفة الحِرفية والتجربة المعاصرة، وبين الذاكرة المتجذّرة والتحوّل المستمر، ضمن حوارية تشكيلية بين التراثي/المحلي والمعاصر/الكوني. لتتجاوز اليد والفكرة منطق القطيعة، داخل مسار إنتاجي يجعل من الخامة حقلا دلاليا، ومن الفعل التقني كتابة بصرية كثيفة. في هذا المنجز تحديدا، تتحوّل العملية إلى بنية، ويغدو الإنجاز مساحة اختبار للمعنى، حيث يظهر العمل بوصفه حدثا ماديا، وصنيع اليد والفكرة معا، ومفتوحا على التعدد، ومتصلا بإشكاليات الحضور الإنساني، والعمل الجماعي، واستمرار المعرفة خارج منطق الاستهلاك السريع.

 ينبثق هذا المشروع إذن، من علاقة تأسيسية بين المادة والفعل والمعنى، حيث لا تُستعمل الخامة كوسيط محايد ولا كعنصر إحالي، وإنما كحقل اشتغال معرفي يتشكّل داخله التفكير أثناء الإنجاز. إذ يتحوّل كل من الصوف الملوّن، والماء، والصابون من مواد تقنية إلى عناصر بنيوية تُنظّم منطق العمل وتحدّد إيقاعه الزمني والحسّي. ليتكوّن داخل هذا المسار، الشكل بوصفه نتيجة تراكمية لفعل التدوير، ويغدو السطح سجلا لتاريخ اللمس، والضغط، والترطيب، والتجفيف، أي سجلا لتفاعل جسدي مباشر بين الإنسان والمادة. فالفنانة تولي أهمية لليد، كفاعل في عملية التوليد الإستتيقي، أي أن اليد هنا تتحرّك بوصفها أداة معرفة قبل أن تكون وسيلة تنفيذ؛ إنها يد تفكّر عبر التماس، وتعيد ترتيب علاقتها بالمادة من خلال الإيقاع، والتكرار -بالمعنى الدولوزي- والاستجابة اللحظية لتحوّلات الصوف تحت أثر الماء والصابون. هذا الاشتغال اليدوي يمنح الفعل الفني بعده الزمني، حيث تتراكم الحركات الصغيرة داخل بنية العمل وتترك آثارها المرئية كمؤشّرات على حضور الجسد داخل التكوين. فاليد تكتب على السطح كتابة غير لغوية، كتابة من ألياف وضغط وانفراج، وتحوّل العملية الحِرفية إلى ممارسة إدراكية تُنتج الشكل أثناء تشكّله. ضمن هذا المسار، تتراجع فكرة التحكم الكامل لصالح تفاوض مستمر بين قصد الفنانة ومقاومة المادة، فيغدو العمل حصيلة علاقة حية يتداخل فيها الحسّي والمعرفي، ويتحوّل الأثر اليدوي إلى عنصر بنيوي يحمل معنى التجربة نفسها.

هذا ولا تستقر السطوح الصوفية التي تنتجها هذه العملية، ضمن منطق التمثيل ولا تنزلق نحو السرد المبالغ فيه. إنها تُنشئ فضاء بصريا مفتوحا يتكوّن من كثافات متفاوتة، ومناطق امتلاء وفراغ، واستمرارية وانقطاع، حيث إن المشهدية تبنى من المنجز ككل، بينما المجرد هو دافع وكنه هذه المنجزات. لا يحمل هذا التفاوت طابعا تزيينيا، فهو يشتغل كأثر مباشر على الفعل، حيث تبقى المادة محتفظة بذاكرة التحوّل. وتتضح تباشير الأمر في كون الألياف لا تُخفى ولا تُصقل لإنتاج وهم بصري متجانس، إذ خلاف ذلك تُترك لتعلن هشاشتها وقابليتها للتغيّر. بذلك يتحوّل السطح إلى مجال اختبار لعلاقة السيطرة والانفلات، حيث يظهر العمل بوصفه نتيجة تفاوض مستمر بين الإرادة التقنية واستجابة المادة.

تكتسب البنية الصوفية، في هذا الإطار، وظيفة فكرية تتجاوز كونها حاملا للشكل. إذ إنها تُنتج زمنها الخاص، زمنا متباطئا، ومتراكبا، يفرض على المتلقي نمط استقبال قائما على التمهّل والانتباه، فالفنانة تعوض العمق بالسطح وتبني مشهديتها من تلاوين الصوف ورموزها المجردة. أما الرؤية هنا فعملية تدريجية تتطلّب الاقتراب من السطح أكثر ولامسته بصريا، وتتبّع الألياف، وملاحظة الفروق الدقيقة في السماكة والضغط، وبالتالي، قراءة تاريخ المنجز ومادته وحكاية اليد النسّاجة. يعيد هذا الاشتغال الحسي صياغة علاقة المشاهد بالعمل الفني، حيث يتحوّل التلقي إلى ممارسة إدراكية وتفاعلية ذهنية مركبة، تتجاوز الاستهلاك البصري السريع، لصالح منطق بديل يتموضع أساسا داخل مجال التفاعل الحسي-الإدراكي الإستتيقي، الذي ينبني على خطابات تمنح للمنجز/المشروع روحه، وههنا خطاب الاستدامة والتدوير والتفاعل الحي بين الحرفي/التراثي والفني/المعاصر.

وبالتالي، فالمفردات الرمزية التي تظهر داخل هذه السطوح، مثل السهم والدائرة والعلامة المتقاطعة والنقطة وغيرها، لا تعمل وفق نظام دلالي ثابت، إنها علامات لا تُقدَّم بوصفها رموزا مكتملة، وإنما بعدها أشكالا قيد التشكّل، ومحمولة داخل نسيج مادي متغيّر. فالسهم، الذي يُفترض أن يدل على اتجاه، يتعرّض للاهتزاز داخل السياق التركيبي، ليفقد يقينه الوظيفي ويتحوّل إلى أثر حركة غير مكتملة. بينما الدائرة تظهر كمحيط غير منتظم، أو كنقطة انتقال، دون أن تستقر كعلامة اكتمال. وبالمقابل فالعلامة المتقاطعة لا تؤدي وظيفة الإلغاء، فهي تسجّل لحظة تصادم أو تراكب قوى داخل الفضاء البصري. يفتح هذا الاشتغال على العلامة أفقا تأويليا يسمح بتعدّد القراءات دون الوقوع في الغموض المتعمّد، ويجعل العمل فعليا متشبعا بخطابه الاستعادي الحرفي/التراثي، بعدّ حضارتنا العربية هي حضارة العلامات التي تستحيل إلى إيقاعات مجردة توظفها صماري عبر استحضار استدامي تدويري عماد إعطاء للخامات التقليدية، وغير المصنفة كلاسيكيا فنية، نفسا إستتيقيا.

يرتبط هذا النظام الدلالي المتحرّك ارتباطا فنيا بطبيعة المادة نفسها. حيث إن الصوف، بوصفه خامة ليفية عضوية، يفرض منطقا بصريا قائما على التداخل، والامتصاص، والتدرّج، مما يجعل العلامة جزءا من النسيج بدل أن تكون مضافة إليه. فهي تتكوّن داخل السطح/المادة ولا تُرسَم فوقه، وهو ما يمنحها وضعا أنطولوجيا خاصا بوصفها أثرا ماديا قبل أن تكون دلالة بصرية. يعيد هذا التداخل بين العلامة والمادة التفكير في مفهوم الصورة داخل الفن المعاصر، حيث تتراجع مركزية الخط لصالح الكثافة والملمس.

بينما يشكل أسلوب الإنتاج التشاركي أحد الأعمدة المفاهيمية لهذا المشروع. إشراك فتيات في مرحلة الإنجاز لا يُفهم كإجراء مساعد أو بعد اجتماعي منفصل، وإنما بعده جزءا من بنية العمل نفسها. حيث التعدد اليدوي ينعكس مباشرة على السطح، في اختلاف الإيقاعات، وتنوّع الضغط، وتباين كثافات الألياف، في الوقت نفسه الذي ظل فيه يد الفنانة هي القائد والمشير والمباشر. وهذا التنوّع لا يُمحى في مرحلة لاحقة، إذ يُحافظ عليه كعنصر تكويني. يحمل العمل، بهذا المعنى، أثر جماعية صامتة، حيث تتداخل الذوات داخل نسيج واحد دون أن تذوب في تماثل شكلي.

يعيد هذا التشارك طرح مسألة التوقيع الفني داخل الفن المعاصر. فالأثر الناتج لا ينتمي إلى يد واحدة، وخلاف ذلك إلى شبكة أفعال متقاطعة؛ فالمعاصرة لم تقطع مع المفاهيم القديمة مثل الحِرفة والصنعة ولكن أعادة تدويرها ضمن اشتغال مفاهيمي مغاير، يندرج ضمن الحقل البصري الإستتيقي لا الاستهلاكي. ومنه فهذا التعدد لا يؤدي إلى تفكك العمل أو ضياع هويته، إذ المنجز يُنتج بنية مفتوحة قادرة على احتواء الاختلاف. وهو ما يجعل الهوية هنا تُبنى عبر التراكم لا عبر الإفراد، وعبر الاستمرارية لا عبر القطع.

ليتجلّى لنا مفهوم الاستدامة، الذي تجعله صماري خطابا مصاحبا، في هذا المشروع بوصفه ممارسة مادية ومعرفية في آن واحد. ويرتبط اختيار خامات طبيعية، قابلة للتحوّل وإعادة التشكيل، بفهم للعمل الفني كعملية طويلة الأمد، لا كمنتج معزول. ويبرز الأمر في كون الماء والصابون لا يؤديان وظيفة تقنية فحسب، فهما يشكّلان عنصرين فاعلين في تحويل الخامة، وفي ضبط العلاقة بين الفعل والنتيجة. وتُنتج هذه العلاقة وعيا بزمن العمل وبحدوده، حيث يتحوّل الإنجاز إلى مسار يتطلّب صبرا، انتباها، وتكرارا.

ومنه فالاستدامة ممارسة متجذّرة في الفعل الحِرفي وفي احترام إيقاع المادة. فالصوف يحتفظ بآثار التحوّل، ولا يُجبر على التماثل أو الكمال الشكلي. وهذا الخيار يعيد الاعتبار للمعرفة الحِرفية بوصفها معرفة حيّة قادرة على إنتاج أشكال معاصرة دون انقطاع عن جذورها. لتتحقّق العلاقة مع الذاكرة الحِرفية عبر الفعل لا عبر الاستدعاء الرمزي. ليجد المتلقي نفسه في مواجهة مباشرة مع مادة تستجيب وتتغيّر. فالمشاهد لا يواجه صورة مغلقة، بقدر ما يباشر سطحا مفتوحا على الاحتمال. هذا الانفتاح يفرض مشاركة ذهنية وحسية، حيث يصبح الإدراك عملية تفاوض بين العين والسطح، وأما العمل فيتيح شروط ظهوره داخل علاقة زمنية بين المتلقي والقطعة المعروضة، دون أن يقدّم معنى جاهزا.

ضمن هذا الإطار تحديدا، يمكن قراءة هذا المشروع بعده اشتغالا متماسكا على أسئلة الوجود المعاصر، حيث تتقاطع الهشاشة، والتشارك، والاستمرار داخل بنية مادية واحدة، فيها المادة تحتفظ بذاكرتها، والشكل يظل قابلا للتحوّل، والعلامة تبقى مفتوحة على إعادة التأويل. مما يقترح على المتلقي الدخول في تجربة بصرية وفكرية تتأسس على الإصغاء للمادة وعلى احترام هشاشتها بوصفها مصدر قوة دلالية. فما يُقدَّم هنا هو تجربة تشكيليّة تُصغي للمادة، وتستثمر هشاشتها، وتحوّلها إلى طاقة إبداعية قادرة على مساءلة الحاضر دون افتعال، وعلى إنتاج معرفة بصرية تنبع من الفعل ذاته.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها