الشذرة.. ملحمة تراجيدية صغيرة!

قراءة في ديوان "فراشات سوداء" للشاعر عبد الله زريقة

عبد الصمد أجواو


 

يظهر من خلال عنوان هذا الديوان وجود نظرة تشاؤمية عند الشاعر، فالسواد مضاف إلى كائنات يفترض أن تكون ملونة بألوان الحياة الزاهية، وهنا تكمن المفارقة وهنا الفلسفة تبدأ، فكأن الشاعر عبد الله زريقة يجسد كلام لوكاش، فيخلق أوقاتاً شعرية غامضة ومرعبة أحياناً ليسمح للفلسفة بالتدخل، وفي إطار قراءتنا لهذا الديوان يمكننا طلب الفهم من خلال مجموعة من التساؤلات أهمها:
◅ ما المواضيع الثقافية والجمالية التي حاورها الشاعر عبد الله زريقة في هذا الديوان؟
◅ وأين تتجلى شذرية الكتابة عنده، وما المرجعيات التي صدر عنها؟

 

◄ تغيير الشكل والمضمون

نقول إن كتابة عبد الله زريقة شذرية لاعتبارات عدة فبرغم أن هذا الديوان صدر سنة 1988، إلا أنه أبان عن وعي معرفي وشعري عميق تجاوز ما كان لا يزال غالباً على الساحة الشعرية المغربية آنذاك، ونعني هنا "شعرية" التقليد والسياسة، لهذا يعتبر الشاعر عبد الله زريقة من شعراء التجربة الشعرية الجديدة الأوائل المؤسسين، ومن الذين شكلوا تحول الكتابة الشعرية المعاصرة في المغرب، شكلاً ومضموناً ورؤية. نقرأ في مستهل هذا الديوان "فراشات سوداء:
"أحب الجفاف لأحس بلذة العطش. وأريد الجوع. فأنا لا أحب نظافة الأزقة وتقليم الشجر. أريد النوافذ المائلة إلى التحت. والأبواب المتبرمة من الحائط. والمفاتيح العوجاء. وخصام الأطفال والقطط. واليأس. فأنا أريد تغيير هذا الشكل" [عبد الله زريقة، فراشات سوداء، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 1، 1988، ص: 8].

نفهم من هذا التشذير المتقطع والمتنوع أن هناك رغبة عارمة في خلق عالم جديد من الأفكار والأشياء، حبٌّ وإرادة في أشياء مغايرة للعادة، هناك إرادة في اليأس أيضاً، وهو ما يدل على نظرة ورؤية سوداوية، لكن هذه النظرة ليست سلبية تماماً، فالمأزق هو الذي يجعل الشاعر يفكر ويشعر، ويخطط لرحلة جديدة ورحلات جديدة، كل هذا من أجل تغيير الشّكل، لكن أي شكل؟ شكل العالم قد تغير، ربما يقصد تغيير شكل القصيدة المعاصرة، يريد أن ينتقل منها، إلى رحابة الكتابة والنص ورحابة الورقة أيضاً.

"وبدل أن أكتب أشعل عود الثقاب" [ص، 8].

تأخذ الكتابة مع الشاعر عبد الله زريقة وضعاً مختلفاً، فلا يمكن أن تسعى إلى شكل جديد بأداة تقليدية، فإشعال عود الثقاب إشارة إلى عدة دلالات أولها التهور والمشاكسة ثانيها الإضاءة الخاطفة والسريعة، هذه الدلالات فيها إشارة إلى الشكل الشعري الذي يكتب به الشاعر عبد الله زريقة الذي هو الشذرة، يكتب في الخطر كما رأينا مع بلانشو، صحيح أن الشاعر لا يكتب الشذرة على نحو صريح، ولكن قصائده تأتي ببناء شذري ومتقطع.

نجد في هذا الديوان ثلاثة قصائد هي: أبيض على أبيض/ قطرات شموع سوداء/ إبلينسان، القصيدة الأولى فيها إعلان عن تحول في تصور العالم، وفي القصيدة الثانية قام الشاعر بتصوير مشاهد سوريالية سوداوية بينت تشاؤما ونظرة مختلفة للأشياء وقد جاءت هذه القصيدة نصوصا متقطعة/ شذرات كأنها قطرات شمع حارقة ومؤلمة، وذلك ما دل عليه عنوان القصيدة أيضاً، هذه القطرات، سوداء لأن الشاعر في حداد على الأشياء والأفكار. أما القصيدة الأخيرة فهي بمثابة نظرة مزدوجة للإنسان الذي يسكنه الشيطان؛ إنها صورة مركبة حاول فيها الشاعر خلخلة تصورنا لقضية الخير والشر.

◄ الشذرة كتابة تنظر إلى نفسها

نلاحظ أن الشاعر عبد الله زريقة يكثر من ذكر مسألة الكتابة في أغلب دواوينه، إنه يتذكر دائماً أنه يكتب، وما معنى أن يكتب، يقاوم نسيان الذات ونسيان هذا الفعل الإنساني الذي صنع التاريخ وصنع هذا الإنسان، لنتأمل هذه الشذرة:
"سيمشي النمل في جنازتي
وسأترك قبري لأحد لم يجد أين ينام
وسأترك البياض كثيراً في كتاباتي لأضيء
به الظلمة الآتية مع ليل الكلمات
" [ص: 27].

في هذه الشذرة يشير الشاعر عبد الله زريقة إلى الشكل الأدبي الذي يكتب فيه، وهو على ما يظهر شكل الشذرة، فهي التي تعني ترك بياض كثير، وتعني أيضاً سوداوية في الدلالات، وقلقاً في اللغة والذات. نلاحظ أن الشاعر يشبه الكلمات بالنمل، والورقة بالقبر، قبر الشاعر، هذه الدلالات ليست بعيدة عن الوعي الشذري، فاعتبار الكلمات كائنات حية، وأن الكتابة هي نوع من الموت والخسران؛ خسران الدلالات التي كانت تتوهج في الغياب، يذكرنا بتصور بلانشو للكتابة الشذرية.

يرسم الشاعر عبد الله زريقة خارطة لعالم الورقة، بنفس يميل إلى السوريالية، فنجده يعبر عن تصور عجيب للورقة وعالمها:
"هذه الورقة ماء
فانبتوا على الحواشي
هذه الورقة
" [ص: 35].

يجعلنا الشاعر نتخيل شكلاً آخر للورقة؛ بحيث تكون بحيرة محفوفة بالأشجار (القراء)، هذه النظرة تنبض بالبهجة والحياة، تعكس العلاقة الحيوية بين الإنسان القارئ بالنص، لكن قد لا تكون دائماً هذه العلاقة محفوفة بألوان الحياة، بل يمكن أن تكون علاقة تراجيدية وسوداوية، وذلك ما يعبر عنه الشاعر في الشذرة التالية:
"ورأيت الحرف شكل إنسان
والسطر طريقاً مستقيمة نحو جهنم
والنقط نسياناً بين الكلمات
والورقة ورقة الدخول
إلى النار
وكل ما رأيت
لم أره، لحد الآن
" [ص: 30].

يؤوّل الشاعر في هذه الشذرة عالم الورقة، بنظرة متشائمة، حيث السطر طريق إلى جحيم الوعي، الوعي بهذا الوجود. والورقة تذكرة دخول إلى العقاب؛ عقاب القراءة، يثير الشاعر هنا مسألة فائدة القراءة والكتابة على حد سواء، فيجد أنه على خلاف السائد، القراءة لا تعني الجنة دائماً، ولكن هي عمل تراجيدي يقوم به الإنسان في هذا الوجود في محاولة لتبديد غربته.

◄ رؤية شعرية قاتمة

فكما هو ملاحَظ، تتميز كتابة الشاعر عبد الله زريقة الشذرية بنفس تراجيدي، ولا شك أن تجربة السجن ساهمت في ترسيخ هذه الرؤية الشعرية القاتمة في سائر دواوينه الشعرية، حتى صارت هذه التجربة القاسية معين كتاباته، وبها تحقق مستواها الشذري، يقول في قصيدة (قطرات شموع سوداء):
"رأيت الشمس
منعزلة عن الضوء
ورأيت أبواباً
ولم أر
دياراً
والفراشات
تخرج من ديدان الموتى
" [ص: 21]

تتميز هذه القصيدة بتكرار فعل "رأيت" فكأن القصيدة مجموعة من الصور المركبة، التي تتشكل في قتامة الوجود، ويوحي هذا الأسلوب الذي يتميز به الشاعر عبد الله زريقة، إلى وجود نفس ملحمي في تجربته الشعرية، نلاحظ في الشذرة أعلاه خاصية أساسية في كتابة الشاعر الشذرية، هي القلق والرؤية الفاجعة والتراجيدية، بحيث إن الشذرة تعبير أقصى، عن فداحة الوجود والمصير الإنسانيين، نقرأ أيضاً:
"ستأتي الديدان
وتنزع عن وجهك
القناع
" [ص: 34].

تشير هذه الشذرة إلى أن الموت هو الحقيقة، والحياة مجرد قناع من الجلد والأفكار، يصنع الشاعر عبد الله زريقة جمالية نصه بهذا النفس التراجيدي، حيث يشكل صوراً حسية قاتمة، هي شذرة موجزة لكن بمأساة شاسعة، نتابع القراءة:
"يأكل الوقت
من اليد
والأظافر
وتأكل الشمعة
من وجه الليل
" [ص: 47].

إنها شذرات تعبر عن لحظات قلقة، صور قاتمة حد الخوف منها، وكما سبقت الإشارة يمكن أن نرى تجربة السجن في نصوص الشاعر جلية، فكانت علامة على شذرية الكتابة عند الشاعر عبد الله زريقة، فماذا بعد فقد الحرية؟ حرية الشاعر، إلا نصوص تدين العبودية وتصف المأساة بأقصى لغة ممكنة.



✧ خلاصة وإضاءة ✧

يمكن القول أخيرا إن النزوع التراجيدي والعدمي في الكتابة الشذريّة عند الشاعر عبد الله زريقة ليس صادرا عن التجربة الواقعية للشاعر فحسب، كما قد توحي بذلك تجربته المريرة في السجن، بل هي صادرة عن مجموعة من المرجعيات الفكرية والأدبية التي تشبع بها الشاعر أيضا، ذلك أن الشذرة ليست انعكاسا مرآويا للحياة وللعالم، ولكن هي رؤية فلسفية تأخذ مسافة نقدية من الحياة والعالم، مشكلة بذلك عالمها وواقعها الخاص.

ويمكن أن نجد الإطار العام لهذه المرجعيات التي وجهت صاحب "سلالم الميتافيزيقا" جماليا ومعرفيا، في الخطاب الجنائزي التراجيدي لما بعد الحداثة، الذي انتشر في الحضارة الغربية، منذ بداية القرن الماضي، تمثل في ظهور مجموعة من المذاهب الفلسفية والأدبية، اشتركت في مجموعة من المبادئ مثل التشكيك في فكرة التقدم والحقيقة، وفي مركزية الإنسان والعقل والعلم، إضافة إلى تمجيد كل ما همشته وأقصته الحداثة، مثل قضية الشكل في الأدب، ودور الفن والجنون واللاوعي، والتشاؤم والأسطورة والآخر الثقافي والجندري، كل هذه المسائل والمبادئ نجدها مبثوثة في فلسفة التفكيك عند دريدا، وبنيوية فوكو ورولان بارت، التي أعلنتا عن موت الإنسان والمؤلف، وتفكيكية ديريدا التي أعلنت عن نهاية الميتافيزيقا القائمة على أحادية المعنى والحقيقة، وعن نهاية فكرة الأجناس الأدبية التقليدية، وعبثية كامو التي أعلنت موت المعنى، إضافة إلى السريالية التي شككت في العقل والوعي والنظام.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها