انهيار اللغة في شعر ما بعد الحداثة شيء مؤسف!

حوار مع شوقي عبد الأمير

حاوره: الأمير كمال فرج


شوقي عبد الأمير مبدع بوجوه ثقافية متعددة، فهو الشاعر والدبلوماسي والمسؤول الثقافي، وهو مدير عام معهد العالم العربي في باريس، أهم منشأة ثقافية عربية في أوروبا، أطلق عليه والده اسم "أحمد شوقي" تيمناً وحباً بأمير الشعراء "أحمد شوقي".


صدر له أكثر من 20 مجموعة شعرية على مدى 45 عامًا، منها "اللهب الغارق.. نادو"، "أنا والعكس صحيح"، "الديوان الافتراضي"، "خيلاء"، "ديوان الاحتمالات"، "حجر ما بعد الطوفان"، "حديث القرمطي".
 

حصل عبد الأمير على بكالوريوس في الآداب عام 1970 من جامعة بغداد، وماجستير الأدب المقارن عام 1974 من جامعة السوربون، في فرنسا. عمِل مستشاراً لدى منظمة "اليونسكو"، وأسس مشروع "كتاب في جريدة" الذي أصدر 170 كتابًا بملايين النسخ، توّجته وزارة الثقافة الفرنسية شخصية العام الثقافية 2023، ومنحته وسام فارس في الفنون والآداب، الذي يعدّ أرفع وسام ثقافي فرنسي.


أكد شوقي عبد الأمير -في حوار مع "الرافد"- أن اللغة وطنه، وأنه تعلّم من منفاه وغربته أضعاف ما تعلمه من وطنه، وانتقد انهيار اللغة في شعر ما بعد الحداثة، مشيرًا إلى أننا نعيش عصر الكثافة، وأن الشاعرة العربية تكتب مستقبل الحداثة الشعرية، وآراء أخرى في هذا الحوار.
 

 من موقع الشاعر والمسؤول، ماهي رؤيتك القادمة لمعهد العالم العربي؟

معهد العالم العربي يعتبر منذ أربعين عامًا أهم منبر ثقافي للعرب في العالم، وأنا أزن كلماتي، فمقابل "نوتردام" رمز فرنسا الديني والتاريخي والثقافي، قمة أخرى للعرب اسمها "معهد العالم العربي". هذا لم يحصل ولن يحصل في أي بقعة في العالم، ولكن العرب لم يستغلوا هذه المنصة، فلا زالت هذه المنصة تُعاني من قلة الدعم المادي العربي، وحتى الدعم المعنوي.

ولا يمكن اليوم في أي مكان في العالم، وفي فرنسا وباريس بالذات أن تقوم بأي شيء، دون أن يكون لديك موازنة تليق، هذا المعهد يعاني من ضعف الحضور العربي ماديًا، ويبدو أن هناك عدم معرفة بأهمية وضرورة هذه المنصة التي هي اليوم تعتبر الوحيدة والفريدة في العالم، وقد قدمت من المعارض والمهرجانات والندوات ما لم تقدمه أي مؤسسة ثقافية عربية في العالم.

العالم أصبح شاشة صغيرة في جيب كل فرد، وهذا التواصل يحتاج إلى تقديم بمستوى راق، يُحضّر له، ويُعد في برامج، ويُدْرس، وفي فرنسا نحن في موقع يمكن أن نقدم كل أشكال اللقاءات العربية والمنتديات والترجمات، فكونوا معنا بلغة العصر وادعمونا، فلا يمكن أن نخطو خطوة بدون دعم مادي ومعنوي يليق بهذه المنارة.

إن صورة العربي في أوروبا -للأسف- قائمة على ثلاث كلمات أسميها الأثافي هي: الماضي "الأندلس والقيروان.. وغيرها.."، والسوق "مولات وعقود وأسواق"، وعنف "حروب ونزاعات وأسلحة"، هذه الصورة النمطية يجب كسرها بالحضور الإبداعي العربي في العالم، وأن يقدم العرب صورتهم كأمة منتجة خالقة، ليست كانت خالقة للفكر والإبداع، ولكن بتواصل الخلق الإبداعي.

خاصة وأنه ليس لدينا ما نواجه به العالم اليوم إلا الثقافة والإبداع، فنحن لا نصنع طائرات أو هواتف، ننتج فقط فكرًا وثقافةً، دعنا نكون متواضعين، وواقعيين مع أنفسنا، هذه بضاعتنا، فحتى هذه إذا لم نحترمها ونقدمها، ماذا نقول للعالم؟ الثقافة آخر الخنادق التي يحتمي بها الوجود العربي في أوروبا.

 ما المشروع الذي كنت تحلم به كشاعر، وتعتزم تنفيذه وأنت الآن في موقع مدير عام معهد العالم العربي في باريس؟

أكتب طوال عمري، ولي حضوري الشعري، ولكن قبل أن أكون هنا، كنت مستشارًا لمنظمة اليونسكو، معنيًا بنشر المعرفة، ونشرت في مشروع "كتاب في جريدة" 170 كتابًا في المنطقة العربية بملايين النسخ، وفي حياتي دائماً لدي خطوة في الإبداع الشعري، وخطوة في النتاج الثقافي أو الدبلوماسية الثقافية، أو صناعة الثقافة.

نحن في العالم العربي نجهل وجود صناعة الثقافة، الثقافة صناعة، وهناك اقتصاد يسمى الاقتصاد البنفسجي، وهو الذي يولد من النتاج الثقافي كالمسارح والموسيقى والطباعة وكل ما هو نتاج ثقافي.

هذه الثقافة البنفسجية لم نتعود عليها أو نعمل بها في العالم العربي، فالثقافة صناعة وإنتاج ويمكن أن تدرّ أرباحًا، ومن خلال ذلك تتواصل، ولا يجب أن تكون فقط مسؤولية الدول والمؤسسات، يجب أن تتحول الثقافة إلى صناعة ومحفل إنتاجي حقيقي ينمو ويتطور بموارده الخاصة.

✦ توقعت نازك الملائكة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" انحسار الحداثة الشعرية، وأن يرتدّ عنها أكثر الذين نادوا بها، فما تعليقك؟

التاريخ لا يؤيد مقولة نازك الملائكة، فالحداثة اليوم هي المهيمنة، وتجتاح الساحة الثقافية العربية، ولعل الدليل الواضح صعود قصيدة النثر، وهيمنتها على الساحة الشعرية العربية، وإذا كان الأمر كما تقول نازك، أين هذا الارتداد؟

بالعكس هناك صعود، واجتياح قصيدة النثر لكل ما هو تقليدي وكلاسيكي في الشعر العربي. التاريخ لا يتفق مع نازك، وكذلك الواقع الشعري، الحداثة اليوم دخلت مرحلة نضج كونية، والشعر الحديث يضع الشاعر العربي بمصاف شعراء العالم المحدثين بنفس الدرجة، وتأثير رامبو، وبودلير، هو نفس تأثير درويش، الماغوط، نفس مستوى التأثير والتألق الشعري على مسرح المعرفة والثقافة في العالم. لقد دخلنا كمحاورين ومنتجين للعملية الإبداعية الشعرية، بنفس الدرجة التي دخل بها الفرنسي والأمريكي اللاتيني، هذه المنطقة من عملية الخلق الشعرية العربية أسميها مرحلة ما بعد الحداثة.

على سبيل المثال، قصيدة النثر العربية اليوم لا مثيل لها في الماضي الشعري العربي، وآباء قصيدة النثر التي تحتل الساحة اليوم هم شعراء العالم الكبار، بودلير وتشيلي ولوركا وغيرهم.. فقصيدة النثر ظاهرة جديدة.

✧ إذنْ؛ ماهي سلبيات الحداثة الشعرية؟

الشيء المؤسف والسلبي في شعر ما بعد الحداثة هو انهيار اللغة، فكثير من الشعراء يكتبون بلغة ركيكة، ويظن أن هذا التفكك والضعف تحديًا للّغة الموروثة، وكأن استقامة اللغة وصوابها موروث يجب أن يتجاوزه، فيعتاد بذلك على الخلل اللغوي، ويعد ذلك نوعاً من التطور.

هناك مثل شعبي عراقي جميل يقول: "الّما ينوش العنب بايده...يقول حامض ما اريده"، فمن لا يجيد اللغة يقول إنها لم تعد تصلح.

لذلك فإني أرفض شعراء اللغة الجديدة الذين يريدون أن يهدموا اللغة القديمة، كما يقولون، فقبل أن يهدموا البيت عليهم أن يمتلكوه أولًا، ثم يهدموه فيما بعد، إن استطاعوا، وبالطبع لن يتمكنوا من ذلك.

✦ اللغة أساس الفن.. فكيف كانت علاقتك باللغة العربية؟

أسكن في اللغة، اللغة العربية وطني، وهذه الجغرافية اللغوية العظيمة أحملها معي وتحملني، فالبدان والأقطار كتب وأسفار، السِّفر هو الكتاب، وأنا في سِفْر السفر، وهناك مفهوم لم أعد أؤمن به وهو "الاغتراب والنفي"، وكأننا حينما نترك بلداننا نصبح أيتامًا في أوطان وبلدان أخرى، لقد تركت بلدي عام 1974 أي منذ خمسين عاماً، وكان هذا النصف قرن ولادة حقيقية بالنسبة لي، لذلك أقول إن عمري 50 عامًا كونيًا، و70 عامًا عراقيًا، الحدود لا يجب أن تكون مصاهر نذوب ونندثر داخلها، يجب أن نحولها إلى مدارج نرتقي عبرها، لقد تعلمتُ من منفاي وغربتي أضعاف ما تعلمته من وطني.

✧ البعض اعتبر الإغراق في المحلية مفتاح العالمية، والبعض الآخر ومنهم فاروق شوشة اعتبر العالمية وهم، فماذا تقول؟

الكاتب الذي يفكر بالعالمية فاشل، ومن ينحصر داخل المحلية أيضًا فاشل، الإبداع أينما حلّ، عندما يكون حقيقيًا يكون محليًا وعالميًا في آن، المهم أن تنتج النص الإبداعي الحقيقي، عندها يلتقي الداخل والخارج، الأنا والآخر، داخل النص الإبداعي. لذلك فإن كل الصفات التي تأتي بمعنى العالمية والكونية واللغات والآخر، كلها هوامش أمام لؤلؤة النص.

✦ تمثل الرقابة، واختلاف المعايير الخاصة بها تحديًا خاصًا أمام الكاتب، فما رأيك في ذلك؟

الرقابة الآن في طريقها للانقراض، إن لم تكن انقرضت بالفعل، والذي أخرج الرقابة من حيز الفعل الموبايل، أو الهاتف الذكي، هذا الجهاز الصغير الذي تضعه في جيبك قضى على تنين الرقابة، والكاتب اليوم يستطيع أن يكتب وينشر في أي مكان في العالم.

علينا أن نعمل بمنطق عهد جديد، وأن نواجه الحقائق والأحداث، ونتعامل مع الآخر كما هو، ونتسلح بالمعرفة والمنطق بسعة صدر، وأن نثبت وجودنا، وأن لا نكون كالنعامة التي تخفي رأسها في الرمال.

✧ عملتَ في الحقل الدبلوماسي سنوات طويلة، فما هو تأثير ذلك على شِعرك؟

بين الدبلوماسية والشعر علاقة مهنية، منطقة مشتركة، هي "اللغة"، الدبلوماسي يعرف ماذا يفعل، إما أن يتكلم أو يكتب، والشاعر كذلك، ولكن الشعر يعلّم الدبلوماسية الاختزال، والدبلوماسية تعلّم الشعر الوضوح، والشاعر الذي يعمل بالدبلوماسية عليه أن يستفيد من هذين الدرسين: الوضوح الدبلوماسي والكثافة الشعرية. وهناك أمثلة كثيرة للشعراء الدبلوماسيين، مثل سان جون بيرس نوبل فرنسا في الشعر، وجورج سيفريس كان سفير اليونان في بغداد وبيروت، وبابلو نيرودا قنصل شيلي في جيبوتي وإسبانيا، وكذلك ألفونس دو لا مارتين السياسي والدبلوماسي الفرنسي صاحب قصيدة "البحيرة".

✦ ما مقومات الناقد الحقيقي، وماذا تفيد ثنائية الشاعر الناقد؟

ناقد الشعر يجب أن يمتلك حساسية شعرية عالية، والنقد في جوهره مشروع فكري، والنقد بحث فلسفي في النص، موقع النص من التاريخ، وموقع النص من اللغة، وسيرورة النقد الشعري تتم عبر مساريِ اللغة والتاريخ.

ولهذا يجب أن تكون حساسية الناقد الشعرية عالية، وإلا أخفق، ودخل في منطقة لا علاقة لها بتأسيس رؤية نقدية للشعر.

✧ على مرّ العصور، كان للشواعر دور كبير في إثراء الشعر العربي، فما تقييمكم للشاعرة العربية الآن؟

الشاعرة العربية اليوم هي التي تكتب مستقبل الحداثة الشعرية، لسببين: الأول أن الشاعرة تواجه خارج كينونتها كل العقبات الذاتية والاجتماعية والذكورية، وكلها أسوار. والشاعرة التي تستطيع أن تعبر هذه الأسوار تأتي برهان أكبر من رهان الشاعر الذَّكر؛ لأن الشاعر لا يواجه هذه العقبات، بالعكس هو أحد هذه العقبات.

والشاعرة العربية استطاعت أن تعبر هذه الأسوار بدخولها أو استثمارها لحضور الأنثى في نصها، ثقافة اللغة العربية الأنثوية هي إحدى مواقع الاختراق التي أحدثتها الشاعرة، ومن نماذج الاختراق الحداثوي شعريًا، نداء يونس من فلسطين، وراما وهبة من سوريا، ورضا أحمد من مصر.

✦ في العصر الحالي تعددت مفاهيم الشعر، لم يعد الشعر هو ما حدَّده قدامة ابن جعفر بـ"القول الموزون المقفى الدال على معنى"، فما تعريفك للشعر؟

"الشعر هو الشعر، فحتى اليوم، أقرأ لامرئ القيس والمتنبي، وأمتلئ جمالًا بشاعريتهما. لكن يجب أن نفهم أننا لسنا في العصر الذي وُلد فيه الشعر العمودي؛ نحن في عصر الكثافة الشعرية، هذه الكثافة التي تتمثل في الموبايل، جهاز طوله 15 سنتيمترًا، ولكنه يضم كل المكتبات الإنسانية. نحن في عصر الكثافة، ولسنا في عصر المساحة الواسعة، ويجب على الشعر أن يستوعب كل ذلك".

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها