"لورن مالفو".. الشر بلا قناع!

عمر محمد العمودي

تميل المخيلة الإنسانية في سعيها الدؤوب لتدجين الفجيعة، إلى تعليل الشر وردّه إلى جذور مألوفة. فتارة تجعل منه زلة سيكولوجية فريدة، وتارة أخرى تجعله إفرازًا طبيعيًا لبيئة معطوبة أو طفولة مأزومة.

هذا الشّغف التفسيري قد لا يكون سوى حيلة دفاعية يداري بها العقل هشاشته؛ إذْ إنّ ربط الجريمة بالدافع يبقيها داخل النطاق الإنساني المفهوم، ويمنحنا وهمًا لذيذًا بإمكانية التنبؤ بها، وحصارها، وثنيها عبر منافذ الأخلاق وقوانين العدالة.

غير أن الموسم الأول من مسلسل Fargo ينتزع منّا هذه الطمأنينة، عبر كائن يدعى لورن مالفو، الشخصية التي تملصت من مسار الشرير التقليدي، ذي الغايات والنزوات، لتستحيل فراغاً عصياً على أن تمسكه أدوات التفسير المألوفة.

ما يلفت في لورن مالفو من مشاهده الأولى أنه لا يتحرك بدافع الثراء، ولا بدافع الانتقام، ولا يُقدم لنا كشخصية مأزومة تبحث في الجريمة عن خلاص أو لذة؛ إذْ يصعب اختزال مالفو في دافع نفسي مألوف، أو قراءته كذات ممتلئة بالدوافع.

فالتلذذ بالجريمة يقتضي حضورًا عاطفيًا للشرير، غير أن مالفو يمارس القتل والخراب بالحياد ذاته، الذي تتهاوى به صخرة من قمة جبل لتهشم ما تحته.

إنه يمارس القتل كما لو أنه يفتح باباً؛ عمل روتيني يخلو من الانتشاء. في هذا النموذج من الشر يصبح الانتشاء نقطة ضعف، فاللذة تفترض حاجة إلى الإشباع، والإشباع يفتح في النهاية احتمال التوقف.

يتجلى هذا الطرح في ما أخبر به ليستر نيغارد:
"مشكلتك أنك قضيت حياتك كلها وأنت تعتقد أن هناك قوانين. لا توجد قوانين. كنا في الماضي كالغوريلا، كل ما لدينا هو ما نستطيع أخذه أو الدفاع عنه؛ إنها موجة عاتية يا ليستر، القذارة التي يجبروننا على تحملها، إن لم تتصدَّ لهم، وتظهر لهم أنك ما زلت قرداً في أعماقك، فسوف تجرفك المياه".
 

تجريد التفاوض ومأزق اللغة

حين يقف الإنسان أمام قاتل تقليدي، يظل باب التفاوض مفتوحاً. يخاطب فيه الخوف أو الطمع أو الضمير أو المنطق. لكن كيف تشتري خيراً من شخص لا يطلب مالًا؟ وكيف تستدعي رحمة من كائن لا يعترف بالحزن؟

إذا أردت التفاوض مع مالفو لثنيه عن قتلك؛ فإن اللسان يستحيل عضواً أبكمَ؛ لأن لغة التفاوض تفترض وجود أرضية مشتركة من الرغبة أو المصلحة، ومالفو لا يمنحك مصلحة مشتركة يمكن النفاذ منها إليه.

إن الخطورة التي يمثلها تكمن في استغنائه المطلق. إنه شر لا يبذل جهداً للتبرير، ولا يشعر بالحاجة لإقناع ضحيته أو إقناع نفسه بصحة ما يفعل.

الوقوف أمام مالفو يشبه الوقوف أمام كارثة طبيعية:
لا يمكنك التفاوض مع زلزال.. لا يمكن أن تطلب المُبرّر من إعصار!

هنا ينتقل النص من الحبكة الإجرامية إلى التأمل في حدود اللغة؛ فاللغة العقلانية التي تعجز عن العثور على حجة أمام من لا يعترف بأرضيتها، تكشف هشاشة الوسائل التي نستخدمها لحماية قيمنا، لا زيف تلك القيم بالضرورة.

ثنائية مالفو وليستر: الشر الأطروحة والشر الاستجابة

يقدم العمل تقابلًا بين نمطين من الشر:
◂ الشر الأطروحة "مالفو".
شر مكتمل وواثق، غير مجزأ، لا ينتظر ظروفاً لينشط، هو يخلق الظروف ليكشف هوان الآخرين.

◂ الشر الاستجابة "ليستر نيغارد".
شر ضعيف ومحبط، ناتج عن تراكم القمع الاجتماعي والشخصي، ليستر هو المواطن العادي الذي يختبئ خلف التلعثم والتردد، لكنه يحمل في داخله نسيجاً قابلًا للتعفن بمجرد لمسه من المحفز المناسب.

ليستر يمثل الشرير الذي يمكنك فهمه، بل والتعاطف معه في مراحل معينة؛ لأنه بشر دُفع إلى الزاوية فاستجاب بوضاعة.. إنه شر متوقع ومألوف.

أما مالفو فهو الشر الذي لا يصبح أقل رعباً حين تفهم منطقه.

فلسفة الشر: مالفو وشيغور

عند تتبع السلالة الفلسفية لشخصية لورن مالفو، لا يمكن غض الطرف عن أسلافه في عالم السينما، وتحديداً أنطون شيغور في فيلم No Country For Old Men للأخوين كوين.

ينتمي الكائنان إلى ذات الرحم الفلسفي، حيث يُجرد الشر من دوافعه البشرية التقليدية، غير أن مالفو لا يبدو عدمياً بقدر ما يبدو ناقداً لوهم التحضر. فهو يتصرف كما لو أن المعاني التي شيدها البشر فوق غرائزهم ليست سوى طبقة رقيقة يمكن كشطها متى تعرضت للضغط الكافي.

وهنا يختلف عن شيغور.

شيغور يتعامل مع العالم كما لو أن المصادفة هي قانونه الأخير، ثم يمنح هذه المصادفة سلطة الحتمية. أما مالفو فيتعامل معه كما لو أن الإنسان نفسه هو الحيوان الأخير.

شيغور أقرب إلى تجسيد العدمية من مالفو؛ فهو القاتل الذي لا يتكلم كثيراً ولا يسخر، لكنه ينساب كقوة طبيعية جارفة تسقط أي وهم عن الأمل أو العدالة.

شيغور يسلبك القرار، ومالفو يمنحك القرار كي يكشفك من خلاله. الأول يضع الإنسان أمام عبث العالم، والثاني يضعه أمام عبث صورته عن نفسه.

ولهذا؛ فإن مالفو على الرغم من قرابته الظاهرة من شيغور، أكثر لعباً وأقل ميكانيكية. شيغور قوة باردة تتحرك وفق قانون اخترعه لنفسه ثم أخفى يده خلف العملة. أما مالفو فهو قوة تتدخل في العالم لتدفع الآخرين إلى كشف القانون الذي يؤمن هو بوجوده؛ أن الحضارة ليست إلا طبقة فوق الحيوان.

كلاهما يلغي إمكانية التفاوض الأخلاقي، لكن كل واحد منهما يفعل ذلك بطريقة مختلفة؛ شيغور يغلق الباب بحتمية يستعيرها من الصدفة، بينما يتركه مالفو مفتوحاً قليلًا؛ كي يسخر من محاولتك العابرة للهرب.
 

شر ارتدى إنساناً!

يتميز الموسم الأول من Fargo بقدرته الفذة على تجريد الشر من ثياب التبرير السيكولوجي وهراء الحبكات التقليدية. فالعمل لم يمنحنا مجرماً يرتدي قناعاً ليحجب قسوته، على العكس وضعنا في مواجهة شر ارتدى إنساناً!

إن شخصية لورن مالفو تخيف؛ لأنها تكشف كم يكفي من اللامبالاة كي تبدو الأخلاق عاجزة. يأتي ليقف على أطراف المدينة الهادئة كأنه تذكير بالطبيعة التي ظن الإنسان أنه تجاوزها.

ولهذا؛ فإن أفظع ما في مالفو أنه لا يبدو كإنسان يرتدي قناع الشر؛ بل يبدو كشر ارتدى إنسانًا، ثم أخذ يفتش في الآخرين عن الحيوان الذي يختبئ تحت جلد الحضارة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها