نوبل 2026 تحتفي بالنص العابر للأجناس الأدبية

د. محمد بندحو

أسدل الستار مؤخراً على جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 التي مُنحت للكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون (Anne Carson) تقديراً لإسهامها في ما يعرف بالأدب العابر للأجناس، وهو نمط كتابي يتجاوز التصنيفات التقليدية بين الشعر والنثر والمقالة والترجمة، ويأتي هذا التكريم في سياق تزايد الاهتمام النقدي بالأشكال الأدبية الهجينة التي ترفض الحدود الصارمة بين الأنواع، وتسعى إلى دمج تقنيات متعددة ضمن نص واحد، فأعمالها تعد نموذجاً بارزاً لهذا التوجه؛ إذْ تجمع بصورة منهجية بين التراث الكلاسيكي اليوناني والروماني والأشكال الحديثة.

وتشكل خلفية آن كارسون الأكاديمية في الدراسات الكلاسيكية أساساً مهماً لفهم منهجها؛ فقد درست اللغات القديمة ودرّستها في جامعات كندية وأمريكية، وترجمت أعمالا لسافو (Sappho) ويوريبيديس (Euripides) وكاتولوس (Catullus) وستسيخوروس (Stesichorus)، وتظهر تأثيرات هذه الخلفية بوضوح في اعتمادها على الشذرات والفجوات النصية كعناصر بنيوية، ففي ترجمتها لشذرات سافو، تحتفظ كارسون بالأقواس والفراغات الناتجة عن تلف البرديات، معتبرة إياها جزءاً أصيلاً من التجربة القرائية، وينعكس هذا النهج في كتاباتها الإبداعية، حيث تستخدم التقطيع والقفز السردي والتداخل بين المستويات النصية لخلق فضاءات تأويلية مفتوحة.

ويُعتبر مفهوم "المقالة الغنائية" (lyric essay) أحد الأطر النقدية التي تُستخدم لتحليل أعمال كارسون، وقد ارتبط هذا المصطلح، الذي طوره نقاد مثل جون داغاتا وديبورا تال في أواخر التسعينيات، بأعمالها المبكرة، ففي مجموعة (الزجاج والسخرية والله) ((Glass, Irony and God وخاصة في نص (مقالة الزجاج)، تجمع كارسون بين السرد الشخصي والتحليل الأدبي والتأمل الفلسفي ضمن بنية شعرية؛ إذْ يتناول النص تجربة انهيار علاقة عاطفية بالتوازي مع قراءة لأعمال إيميلي برونتي (Emily Brontë)، مستخدماً تقنيات المقالة مثل الحجاج والتفسير إلى جانب إيقاعات القصيدة الغنائية والانتقالات غير الخطية، ويُظهر هذا النص كيف يمكن للشعر أن يستوعب وظائف النثر التحليلي دون أن يفقد خصائصه الإيقاعية والتصويرية.

وتتجلى استراتيجية المزج بين الشعر والنثر بشكل أوضح في رواية (سيرة ذاتية للأحمر) (Autobiography of Red) التي تصنف عادة كرواية شعرية، فالعمل يعيد صياغة أسطورة جيريون اليونانية، كما وردت في شذرات ستسيخوروس، ضمن سياق معاصر يركز على تجربة مراهق يعاني من العزلة، فالنص هنا يجمع بين الترجمة الشعرية والملاحق الأكاديمية والمقابلات الوهمية والسرد الروائي. وبهذا، تحول كارسون المادة الأسطورية إلى بنية متعددة المستويات تدمج النقد الفيلولوجي بالسرد التخييلي، وقد أشار نقاد مثل إيان راي (Ian Rae) إلى أن هذا العمل يمثل نموذجاً للتهجين الجنسي، حيث تتقاطع تقاليد الرواية الشعرية مع استراتيجيات ما بعد الحداثة في إعادة كتابة الأساطير.

وتتواصل هذه التجرِبة في أعمال لاحقة مثل (رجال في ساعات الفراغ) (Men in the Off Hours)، التي تجمع بين القصائد الغنائية والمقالات والنصوص الدرامية والسير الذاتية الخيالية. وفي (نقصان الخلق) (Decreation) الصادر عام 2005 يمتد المزج ليشمل الشعر والمقالة والنص الأوبرالي والسيناريو، مستلهماً مفهوم "نقصان الخلق" عند الفيلسوفة سيمون فايل (Simone Weil). أما (العلبة) (Nox) الصادر عام 2010 فهو عمل تأبيني لأخيها المتوفى يتخذ شكل طيات متتالية داخل صندوق، ويجمع بين ترجمة لقصيدة كاتولوس ومذكرات شخصية وصور ومواد أرشيفية، بحيث يصبح الشكل المادي للكتاب عنصراً دلالياً أساسياً في استراتيجية التهجين النصي.

ويتطور هذا الاهتمام بالشكل المادي والبنية غير التقليدية في أعمال مثل (فلووت) ((Float، حيث تعتمد كارسون على بنية غير خطية تتكون من اثنين وعشرين كتيباً منفصلاً يمكن قراءتها بأي ترتيب، وتتضمن هذه الكتيبات قصائد وترجمات ومقالات ومشاهد درامية، مما يعزز مفهوم الشبكة النصية بدلا من التسلسل الهرمي التقليدي، ويُفسر هذا الشكل في ضوء نظريات النص المادي، حيث يتفاعل الوسيط التقني مع المحتوى لإنتاج تجربة قرائية متعددة المسارات.

من الناحية النقدية، يثير مزج كارسون بين الشعر والنثر تساؤلات حول حدود الأجناس الأدبية، فقد تساءل بعض النقاد عما إذا كانت نصوصها تظل شعراً أم تتحول إلى نثر مقطّع، ومع ذلك يؤكد آخرون أن هذا التساؤل نفسه يعكس نجاح استراتيجيتها في زعزعة التصنيفات الثابتة، فهي تعتمد مثلًا على التجاور بدلا من الاستعارة التقليدية، كما أنها تضع عناصر متباعدة جنباً إلى جنب لتوليد دلالات جديدة، رافضة التمييز الصارم بين الكتابة الإبداعية والأكاديمية، معتبرة أن الأفكار تنتقل بينهما بحرية.

ولا يقتصر تجاوز كارسون للأجناس على مستوى الشكل وحده، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ؛ فالنص عندها لا يقدم دائماً مساراً واحداً للقراءة أو معنى مكتمل الإغلاق؛ وإنما يترك للقارئ مهمة وصل الشذرات وتأويل الفجوات، وإعادة ترتيب العلاقات بين المقاطع والصور والأصوات، ومن هنا تصبح القراءة نفسها جزءاً من العملية الإبداعية؛ إذْ لا يعود القارئ متلقياً سلبياً لنص مكتمل، بل مشاركاً في إنتاج معناه، وهذا الجانب يفسر حضور الفراغات والانقطاعات والتجاورات المفاجئة في أعمالها، فهي ليست مجرد تقنيات شكلية؛ وإنما وسائل لإبقاء النص مفتوحاً على احتمالات متعددة.

كما أن تجرِبة كارسون تكشف عن تحول أوسع في مفهوم الأدب المعاصر، حيث لم تعد الحدود بين الأدبي والأكاديمي، أو بين الإبداع والترجمة، أو بين النص المكتوب ووسائطه المادية، حدوداً مستقرة كما كانت في التصورات التقليدية للجنس الأدبي، فالترجمة عندها ليست نشاطاً منفصلًا عن الكتابة الإبداعية، والاشتغال بالتراث ليس مجرد استعادة للماضي، بل وسيلة لإعادة إنتاجه داخل أسئلة الحاضر، ومن خلال هذه الممارسة يتحول النص الكلاسيكي من مادة محفوظة في الكتب إلى مادة قابلة لإعادة الكتابة والتأويل والتفكيك، بما يسمح بإقامة حوار بين أزمنة وثقافات وأشكال تعبير مختلفة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تتويج كارسون بوصفه مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم الجنس الأدبي نفسه، فالأدب العابر للأجناس لا يعني بالضرورة إلغاء الفوارق بين الشعر والرواية والمقالة والمسرح؛ وإنما يعني اختبار إمكانات التفاعل بينها، واكتشاف ما يمكن أن ينتج عن انتقال أدوات نوع أدبي إلى نوع آخر. وفي تجربة كارسون تحديداً، يبدو التراث الكلاسيكي مختبراً لهذا التفاعل؛ إذْ تستعيد شخصياتٍ وأساطير ونصوصاً قديمة، ثم تعيد توزيعها داخل أشكال حديثة تجعل الماضي جزءاً من بنية الحاضر، لا مجرد موضوع له، ولذلك فإن أهمية تجربتها لا تكمن في مزج الأنواع فحسب؛ وإنما في تحويل هذا المزج إلى طريقة في التفكير والكتابة والقراءة.

في الختام؛ نخلص إلى أن أعمال آن كارسون تعد مساهمة مهمة في تطور الأشكال الأدبية المعاصرة، فمن خلال المزج المنهجي بين الشعر والنثر، نجحت في خلق فضاءات نصية تتجاوز التصنيفات التقليدية، مستفيدة من خلفيتها الكلاسيكية ومن تجربتها الحداثية، لذلك ستظل أعمالها موضوعاً للدراسة النقدية لما تطرحه من أسئلة حول طبيعة الجنس الأدبي، ودور القارئ، وإمكانيات إعادة كتابة التراث في سياقات معاصرة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها