نافذة إلى الماضي العريق

حتّا.. ذاكرة المكان بين الجبال والحصون والنخيل

شيمازا فواز الزعل


في قلب البيئة الجبلية، تقف قرية حتّا التراثية شاهدةً على تاريخ المنطقة وتراثها، مستعيدةً تفاصيل من أنماط الحياة التي عرفها سكان حتَّا قديماً، من البيوت والحصون إلى الأسواق والمزارع وقنوات الري. وبين جبال الحجر، تستعيد القرية ملامح الماضي من خلال مبانٍ تراثية ومقتنيات وأدوات توثق جوانب من الحياة اليومية للأجيال السابقة.


وتمنح حتَّا زائرها فرصة للتعرف إلى العلاقة التي جمعت الإنسان ببيئته، وكيف استطاع سكان المنطقة الاستفادة من مواردها الطبيعية وتوظيفها في الزراعة والبناء والحرف التقليدية. لذلك لا تقتصر زيارة القرية على الجانب السياحي، بل تمتد إلى استكشاف جانب من الذاكرة الاجتماعية والثقافية التي ارتبطت بالمكان عبر السنين.

 

حتَّا.. تاريخ عريق في قلب الجبال

تُعد حتَّا من المناطق التاريخية في إمارة دبي، وتُشير المصادر السياحية الرسمية إلى عمق تاريخ المنطقة، فيما يعود تاريخ بعض عناصر منظومة الري القديمة، مثل فلج حتَّا إلى نحو 3000 عام.

وتضم قرية حتَّا التراثية نحو 30 مبنى، تشمل منازل ومنشآت تراثية أعيد ترميمها أو إعادة بنائها بما يحاكي أنماط العمارة والحياة التقليدية في المنطقة. كما تضم القرية حصناً وبرجين للمراقبة ومسجداً، إلى جانب مقتنيات ووثائق تعكس جوانب من الحياة التي عاشها سكان حتَّا في الماضي. وقد افتُتحت القرية بعد أعمال التطوير والترميم عام 2001. وتحاكي مباني القرية الطابع العمراني للقرى القديمة، مستفيدةً من مواد وعناصر ارتبطت بالبيئة المحلية، بما يعكس قدرة سكان المنطقة على توظيف الموارد المتاحة في بناء مساكنهم ومنشآتهم.

حصن حتّا.. شاهد على الماضي

يبرز حصن حتَّا بوصفه أحد أهم المعالم المهمة في القرية، وقد ارتبط تاريخياً بوظائف دفاعية وإدارية واجتماعية؛ إذْ لم تكن الحصون في المنطقة تقتصر على الحماية، بل شكلت أيضاً أماكن للاجتماعات وإدارة شؤون المجتمع المحلي.

ويضم الحصن مجلس حتَّا الذي كان يجتمع فيه والي المنطقة مع الأهالي، إضافةً إلى غرف ومرافق ارتبطت بحياة الوالي، وفناء داخلي تحيط به الأسوار. كما يعرض الحصن نماذج ومقتنيات توثق جانباً من تاريخ القلاع والحصون في الإمارات، إلى جانب أدوات وصور توضح مراحل ترميمه.

البيوت التراثية.. محطات تعكس نمط الحياة

تضم القرية مجموعة من البيوت التراثية التي أعيد تأهيلها أو إعادة بنائها لتقدم للزائر تصوراً عن الحياة التي عاشها سكان المنطقة في الماضي.

ومن أبرزها «البيت التقليدي»، الذي يمثل نموذجاً للبيوت القديمة في المنطقة، ويضم مجلساً للضيوف، وغرفة نوم رئيسة، وغرفة للأطفال، ومخزناً ومطبخاً، وحظيرة لحفظ الحيوانات، إضافة إلى ساحة داخلية. ويعكس تصميم البيت عن طبيعة الحياة الأسرية والريفية التي كانت سائدة في المنطقة.

أما «بيت الفنون الشعبية»، فيحتفي بالموروث الفني المحلي، ويتكون من مجلسٍ للشعراء يعرض نماذج من الشعر النبطي الشعبي، إلى جانب قاعة للرقصات والأغاني الشعبية، ونماذج من الأدوات الموسيقية والطبول التي استخدمت قديماً.

وفي «بيت الحياة الاجتماعية»، يتعرف الزائر إلى جانب من العادات والتقاليد والمناسبات الاجتماعية التي رافقت حياة الأهالي، مثل الزواج والعمل وغيرها من الممارسات الاجتماعية.

كما يسلط «بيت الحرف اليدوية التقليدية» الضوء على عدد من الصناعات والحرف التي مارسها سكان المنطقة، من خلال عرض أدوات ومنتجات ارتبطت بالحرف المحلية واحتياجات الحياة اليومية.

السوق القديم.. ملامح من الحياة التجارية

يحاكي السوق القديم في قرية حتّا التراثية الأسواق التي عرفتها المنطقة في الماضي، من خلال مجموعة من الدكاكين والمحلات التي تعرض منتجات ومقتنيات ذات طابع تراثي.

ولا يقتصر السوق على عرض المنتجات والمقتنيات التراثية، بل يستعيد جانباً من الحياة التجارية والاجتماعية التي عرفها أهالي حتَّا قديماً، ويقدم صورة عن طبيعة النشاط التجاري الذي ارتبط بحياة المجتمع المحلي.

الحياة في أحضان الطبيعة

ارتبطت حياة سكان حتّا بالزراعة والموارد الطبيعية المحيطة بهم، وكانت مزارع النخيل وقنوات المياه جزءاً من المشهد التقليدي للمنطقة. وتجاور القرية مزارع تخترقها قنوات للمياه العذبة، في صورة تعكس أهمية الزراعة والري في حياة الأهالي.

وكانت النخلة مورداً متعدد الاستخدامات؛ إذْ لم تقتصر الاستفادة منها على ثمارها، بل دخلت أجزاء منها في صناعات ومنتجات ارتبطت باحتياجات السكان اليومية، ومنها الصناعات السعفية والأدوات المصنوعة من مكونات النخلة.

وتكشف هذه الممارسات عن علاقة وثيقة بين سكان حتَّا وبيئتهم، وعن قدرتهم على الاستفادة من الموارد المتاحة وتوظيفها بما يتناسب مع احتياجات حياتهم اليومية.

كما يمثل فلج حتَّا جانباً مهماً من هذه العلاقة بين الإنسان والبيئة؛ إذْ تشير المصادر السياحية الرسمية إلى أنّ تاريخ نظام الفلح في المنطقة يعود إلى نحو 3000 عام، وأنه ارتبط بأنظمة الري القديمة في حتَّا.

حديقة التلة.. إطلالة على حتَّا

ولا تنفصل التجربة التراثية في حتَّا عن طبيعتها الجبلية؛ إذْ توفر المنطقة المحيطة بالقرية مشاهد تجمع بين التضاريس الجبلية والمساحات الخضراء، ما يمنح المكان طابعاً خاصاً يجمع بين التراث والطبيعة.

وتقع حديقة التلة في حتَّا على سفوح جبال الحجر، وعلى مسافة قصيرة من القرية التراثية وتوفر للزوار مسارات للمشي والركض ومرافق رياضية وترفيهية، إلى جانب إطلالات على المشهد الجبلي المحيط بها. كما تضم الحديقة برجاً يوفر إطلالات على المنطقة.

وبفضل قربها من القرية التراثية، تشكل الحديقة امتداداً للتجربة التي تجمع بين اكتشاف المكان والاستمتاع بطبيعته.
 

حتَّا.. ذاكرة المكان والإنسان

وتبقى حتَّا نموذجاً لمكان تتقاطع فيه الذاكرة المحلية مع البيئة الجبلية، وتحافظ فيه الحصون والبيوت والأسواق والمزارع على جانب من تفاصيل الحياة التي عاشها سكان المنطقة جيلاً بعد جيل.

فبين جدران مبانيها التراثية، وفي أسواقها ومزارعها، تتجدد صور من حياة الآباء والأجداد، وتبرز ملامح مجتمع اعتمد على موارده المحلية، وحافظ على صلته ببيئته، وترك تفاصيل حياته حاضرة في ذاكرة المكان.

 



المرجع
جمعة خليفة بن ثابت، "حتَّا"، بالشراكة بين هيئة المعرفة والتنمية البشرية وهيئة دبي للثقافة.
يتناول الكتاب تاريخ المنطقة وتراثها المعماري، بما في ذلك المساجد، البيوت، الحصون، الفنون الشعبية، والصور الأرشيفية.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها